2026-09-15 02:49 ص

تسارع الاحداث والمستجدات على المسرح السوري

2013-10-22
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
تسارع الاحداث والمستجدات على المسرح السوري. المتتبع لمجرى الاحداث المتعلقة بالوضع السوري يرى تسارعا وتطورات في الميدان السوري الداخلي، كما في مواقف الأطراف الإقليمية وخاصة تلك التي انخرطت بشكل مباشر او غير مباشر في الساحة السورية وان بدرجات متفاوتة، والتي كانت تأمل في وراءها بإسقاط النظام في سوريا أو اضعافه الى درجة يسهل عليها الانقضاض على مفاصل الدولة السورية من خلال ادواتها والتحكم بمستقبل سوريا. ولكن كانت أن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن وخاصة مع ظهور العديد من المتغيرات التي تدلل على خسارة هذا الفريق وما راهن عليه. في هذا الجزء سنقدم تلخيصا للتطورات في الميدان السوري الداخلي وفي جزء أخر سنتناول إعادة الحسابات للأطراف الإقليمية بشأن الملف السوري. وإذا ما نظرنا الى الوضع الميداني الداخلي السوري سنجد انه يتميز بثلاثة ظواهر واضحة. وأول هذه الظواهر هي الإنجازات الميدانية التي حققها ويحققها الجيش العربي السوري، وذلك بدحر المعارضة المسلحة بكافة أطيافها من العديد من المناطق واخضاعها لسيطرة الدولة وإعادة الأمان الى سكانها. والاهم من ذلك ربما بالمقاييس العسكرية هو الانتقال من المرحلة الاستراتيجية الدفاعية الى تبني الاستراتيجية الهجومية وأخذ زمام المبادرة بشكل ملفت للنظر وخاصة بعد معركة القصير والتي شكلت النقلة النوعية في عمليات المجابهة مع العناصر والمجموعات المسلحة في الداخل السوري. ويجب أن نذكر هنا أن تقدم الجيش العربي السوري قد يكون سريعا في ساحة معينة وبطيئا في أخرى، وهذا يعتمد اعتمادا كليا على أهمية هذه المناطق بالنسبة للاستراتيجية المجابهة وتواجد السكان المدنيين في تلك المنطقة أو ذاك بالإضافة الى طبيعة الأرض التي يجري عليها القتال. وبغض النظر عن الصور الجزئية هنا وهناك فان المنحى العام هو التقدم بشكل مدروس وملموس وبثقة وكفاءة عالية ومتميزة. ولا بد من الإشارة والاشادة بالقدرات القتالية للجيش العربي السوري وتمكنه في فترة زمنية قصيرة نسبيا من التأقلم على طبيعة القتال المختلفة التي فرضت عليه من حيث الاسلوب والجوهر وهو المدرب على خوض المعارك النظامية. ويجري الان التحضير لمعركة القلمون التي لا تقل أهمية عن معركة القصير، حيث يتمركز في سلسلة جبال لبنان الشرقية العديد من عناصر المجموعات الإرهابية وخاصة جبهة النصرة وجيش الإسلام التي يديرها أمير الإرهاب بندر بن سلطان، والتي لجأت الى هذه المنطقة هربا من مناطق الغوطة الشرقية والمناطق الأخرى من ريف دمشق بعد دخول الجيش العربي السوري البها. وتكتسب القلمون أهمية استراتيجية كبرى لأنها تمثل شريانا عسكريا مهما لتهريب المقاتلين والسلاح من لبنان لإمداد المعارضة المسلحة في ريف دمشق والتي ما زال يعول عليها بندر بن سلطان للهجوم على العاصمة دمشق. وهنالك تخوف كبير لدى امير الإرهابيين من تقدم الجيش العربي السوري نحو القلمون، وهذا ما يفسر تهديدات بندر بن سلطان بإشعال لبنان من صيدا حتى طرابلس في حرب داخلية فيما إذا شارك حزب الله بحرب القلمون المرتقبة. وهنالك خشية كبيرة في لبنان من إنسحاب المسلحين الى الأراضي اللبنانية بأعداد كبيرة في حالة هجوم الجيش العربي السوري على القلمون والذي يعتقد الكثيرون أنها باتت مسألة وقت، مما سيشعل الوضع في لبنان. ويبقى السؤال المطروح بإلحاح الان ماذا سيكون موقف القيادات السياسية الفاعلة والمتنفذة في لبنان بهذا الشأن، والذي ربما يتوقف عليه موقف الجيش اللبناني. وهنالك أنباء تشير الى محاولات بندر بن سلطان لنقل هؤلاء المسلحين الى دولة أخرى للحفاظ عليهم وخاصة وان الشتاء القارص قادم قريبا على سفوح هذه الجبال. وتذكر بعض الانباء عن احتمال نقلهم الى سيناء أو جنوب السودان أو مناطق أخرى لحين عودتهم الى سوريا أو ارسالهم الى أي منطقة أخر، فلقد باتوا بالفعل جيش مرتزقة. أما ثاني هذه المظاهر فهي تلك المتعلقة بالانقسامات الحاصلة في صفوف المعارضة المسلحة واقتتالها فيما بينها بضراوة على اقتسام الغنائم والتحكم والسيطرة على المناطق الحدودية او التي تحتوي على آبار البترول حتى تتحكم في بيعه وتقوية وضعها المادي لشراء الأسلحة ودفع رواتب المأجورين وإدارة الامارات التي أقيمت في بعض القرى الريفية، وخاصة ان البعض من هذه المجموعات بدأت تشعر بضائقة مادية مع تراجع الدور القطري النسبي. وقد كنا قد أشرنا سابقا وعلى صفحات المنار بأن 13 فصيلا من المجموعات المعارضة المسلحة قد سحبوا اعترافهم بالائتلاف السوري المعارض وذلك على أثر اعلان رئيسه محمد الجربا باستعداد الائتلاف الوطني السوري للذهاب الى جنيف 2. ومؤخرا أعلن 70 فصيلا مسلحا بالداخل السوري سحب اعترافهم بالائتلاف الوطني السوري معتبرة اياه فاشلا ومدعوما من الدول الغربية. ولقد أبدى د. لؤي صافي المتحدث باسم الائتلاف قلقه من هذه الظاهرة المتكررة وعزاها الى عدم التواصل مع هذه المجموعات في الداخل. وتلى هذا أيضا اعلان 100 فصيل عسكري ومدني عن تشكيل اطار جديد أطلق عليه "اتحاد أحرار سورية". ومع إقتراب موعد عقد مؤتمر جنيف 2 ومراجعة بعض الدول الداعمة لهذا الفريق أو ذاك سنشهد بالضرورة مزيد من الانقسامات والإصطفافات للمجموعات المسلحة في الداخل السوري. ولا ننسى تلك الانسحابات لمجموعات عدة من ما يسمى بالجيش الحر وإنضمام بعضها الى الدولة الإسلامية في العراق والشام والبعض الاخر الى جبهة النصرة. وقد اصبح الجيش الحر مهددا بالانقراض بعد خسارته العسكرية لعدة مناطق كان يسيطر عليها لصالح الدولة الإسلامية في العراق والشام ، كان اخرها معبر باب السلام على الحدود التركية. والذي يبدو أن خيار مراجعة الحسابات من قبل الجيش الحر والانضمام الى الجيش العربي السوري بات تقريبا الخيار الوحيد المتاح أمامه، هذا فيما اذا قبلته السلطات السورية. واللافت للانتباه ان عناصر الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة تخوض معارك شرسة ضد الجيش الحر وكذلك مع وحدات حماية الشعب الكردي في المناطق الشمالية المتاخمة للحدود التركية وذلك للسيطرة على المعابر الحدودية، ربما تحضيرا لتمركزها المستقبلي هنالك فيما اذا تمكن الجيش العربي السوري من السيطرة على الداخل السوري وطرد هذه العناصر الإرهابية. وتمتاز هذه المناطق بجبالها وتضاريسها الجغرافية الصعبة والملائمة لمثل هذه الحركات المسلحة ان ارادت خلق تورا بورا جديدة. وتأتي هذه الانقسامات الميدانية في المجموعات المسلحة في الداخل السوري متوازية مع حالة التشرذم والاختلافات في المواقف السياسية بالنسبة لمؤتمر جنيف 2 بين مؤيد ومعارض وبالطبع فان كل هذا مرتبط بالطرف الإقليمي الداعم لهذا الفريق أو ذاك. فقد أعلن المجلس الوطني السوري بالرفض القاطع للذهاب الى المؤتمر وهو الذي يشكل الكتلة الأكبر داخل الائتلاف المعرض الذي أبدى رئيسه أحمد الجربا عن استعداده للذهاب شريطة أن يكون هنالك ضمانات إقليمية لإنجاح المؤتمر. وفي اعتقادي أن كل هذه المواقف لا تعني الكثير لان المحرك الرئيسي لكل هذه المكونات هو من أوجدها ورعاها وأعني بذلك البيت الأبيض الذي يدير الأمور من تحت الطاولة في كثير من الأحيان ومن خلال أدواته في المنطقة، التي وان بدت أنها تمردت قليلا عليه كما هو الحل مع السعودية، فهي في نهاية المطاف لا تستطيع أن تخرج من تحت مظلته الواقية والحامية لوجودهم. فقرارهم النهائي كان وسيبقى قرار سيدهم في البيت الأبيض، ومن يخرج عن هذا فلا حامي له وسيترك على قارعة الطريق. ولكن السؤال الكبير يبقى ما هو حقيقة وزنهم الفعلي في الداخل السوري، حيث يرى العديد من المحللين أن الصراع الدائر الان على الأرض السورية هو صراع بين المجموعات التكفيرية الجهادية مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام وجيش الإسلام بمعنى أنه صراع مع القاعدة. ويذهب البعض ليقول بانه اذا ما استثنيت هذه المجموعات من المعارضة المسلحة لن يبقى سوى معارضة الفنادق وربما انكشاف هذه الحقيقة المرة التي تحاول معارضة الخارج والأنظمة الداعمة لها اخفاؤها، برفضهم للذهاب الى جنيف. وربما هذا ما أدركه المجلس الوطني السوري الذي هدد بالانسحاب من الائتلاف الوطني في حال قرر الاخير المشاركة فقد صرح رئيس المجلس جورج صبرا بان المجلس الوطني لن يذهب الى جنيف ضمن الوقائع والمعطيات القائمة حاليا. وهنا يجدر التنبيه على ان المعارضة الخارجية والدول الداعمة لها سعت وما زالت تسعى لتغيير موازين القوى العسكرية على الأرض لصالحها قبل الذهاب الى مؤتمر جنيف. ولكن كل الدلائل على الأرض تشير الى عدم إمكانية ذلك، ليس هذا فحسب بل ان الواضح أن وضعها الميداني العسكري في الداخل السوري في تراجع واضح. والظاهرة الثالثة الملحوظة في الداخل السوري هو التراجع الحاد في البيئة الحاضنة للتيارات التكفيرية الجهادية وخاصة تلك المرتبطة بالقاعدة. وهذا يعود على الأقل لسببين. أولهما السلوك الهمجي التي عومل بها الكثير من الناس العاديين لمجرد الاشتباه بانهم من الموالين للنظام السوري والصور التي عرضت لمجموعات إرهابية على يو-تيوب لعمليات اعدام بطرق وحشية وتقطيع الرؤوس والأطراف وأكل الأعضاء الداخلية على الأقل لجندي من الجيش العربي السوري التي أحدثت ضجة عالمية كبرى. هذا بالإضافة الى محاولات هذه المجموعات التكفيرية فرض أنماط معيشية وحياة يومية في الامارات التي أقاموها مخالفة ومتناقضة مع الأنماط المعيشية التي يمارسها الانسان السوري العادي. الى جانب الاعتداءات على رجال الدين المسلمين منهم والمسيحيين والتصفية الجسدية لبعضهم كما حدث للعلامة الشيخ البوطي. وكان اخر حدث في هذا المجال، هو اعتداء جبهة النصرة على بلدة معلولة المسيحية وما تمثله هذه البلدة من قيمة تاريخية في الديانة المسيحية وقد أثار الاعتداء على هذه البلدة التي يعود تاريخها الى بداية المسيحية ضجة عالمية وسلطت الأضواء على هذه العناصر التكفيرية. والسبب الاخر يعود الى الاستراتيجية التي اتبعتها الدولة السورية في اشراك الوجهاء وشيوخ القبائل وتمكينهم من لعب أدوار أساسية ومفصلية في حملات المصالحة الوطنية في أرجاء الوطن السوري ،وتسوية أوضاع العديد من الذين غرر بهم حيث تم احتضانهم من قبل الدولة وعدم التعرض لهم ومحاولة ادماجهم في المجتمع مرة أخرى. ولقد قطعت الدولة اشواطا مثمرة في هذا المجال، حيث برهنت على أرض الواقع ومن خلال الممارسة أنها لا تتبع سياسة العنف أو الانتقام للعائدين الى حضن الوطن.