2026-09-15 12:53 ص

إلـى الأسـتـاذ أنـيـس الـنـقـاش ،،، مـع وافـر الإحـتـرام

2013-10-22
بقلم: سمير الفزاع
منذ فترة وأنا أشعر برغبة قوية للكتابة في هذا الموضوع ، كان للإستاذ أنيس النقاش دور كبير في ذلك ، وخصوصاً بعد مشاهدتي للقاءه الأخير على الفضائية السورية ، ومقالته ومقابلته الأخيرتين اللتين قرأتهما في السفير والثبات على التوالي . كنت أتردد بالتعليق عليها لعدة أسباب ، منها قامة هذا الرجل وتاريخه النضالي ونقاءه الثوري ، ومشروعه الضخم الذي يطرحه كبديل لقوميّة عربيّة أنهكت عشاقها ، وحالة النّزق من المتابعة عند الكثير من الناس ، والشعور المُحق بالغبن والظلم ؛ بل وبالتآمر والطعن بالظهر الذي بات يتجرعه كل مواطن سوري وعربي قومي من شقيقه العربي ... . أعلم أن الموضوع كبير " القوميّة العربيّة " ، وفيه الكثير من اللُّبس وسوء الفهم ، وشابه الكثير من التشويه والتسطيح وسوء الإستخدام ... لكن ؛ ولأني قومي عربي حتى النفس الأخير ، أشعر بأن المحاولة شرف ، وبأن السكوت صار شراكة في ما أنا غير مؤمن ولا مقتنع فيه ، وأن للقوميّة العربيّة حق لا مجال للتنازل عنه ... فكان لزاماً عليّ أن أُسطر رأيي ، وقناعاتي ، وملاحظاتي المتواضعة . * ما زلت أذكر جيداً حديث الأستاذ أنيس النقاش عن مفهوم " التشبيك " بين دول إقليمية ، خصوصاً سوريا وتركيا والعراق وايران . وأحد أهم أخطاء في المفهوم ، وفي تلك اللحظة التاريخيّة بالذات ، هو " إستسهال " دمج دولة منتمية لحلف النيتو إلى منظومة من دول واحدة من أهم ميزاتها القرار السيادي . وقد تذوقت مرارة هذا الإنتماء المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً . فهل من الممكن منع دولة مثل تركيا أو ايران حتى من وضع إلتزاماتها القوميّة والإقليمية والدوليّة فوق إلتزاماتها " التشبيكيّة " ؟! . * التطور التاريخي للدولة ( الوطنيّة - القوميّة ) في أوروبا خلق إشكاليّة في المفاهيم لدى الكثيرين ، فمثلاً ؛ المانيا - بحدودها الموجودة اليوم - دولة وطنيّة ، وهي في الوقت عينه الوطن القومي لكل الألمان ، أي أن هناك تصالح طبيعي بين مفهوم الدولتين القوميّة والوطنيّة في ألمانيا ولا تعارض بينهما ، في حين أن لبنان والأردن وفلسطين جزء من سوريا الطبيعيّة ، وجزء من بلاد الشام التاريخيّة . وهنا تظهر الإشكاليّة ؛ هل سوريا اليوم دولة وطنيّة ؟ أم أن وطنيتها لا تكتمل إلا بإعادة إندماج مكوناتها المجتزئة بفعل قَلَميّ سايكس وبيكو ؟ إذاً ؛ أين هويّة سوريا القوميّة ؟ وما هي هذه الهويّة ؟ . * تحدث الأستاذ أنيس النقاش عن التناقضات القوميّة والدينية والمذهبيّة ... في الوطن العربي ، وأن هذه " التناقضات " تشكل قنابل موقوتة ، وقدم القوميّة الكردية والأمازيغية كأمثلة ، ورأى أن الحلّ الأمثل سيكون في " التعامي " عن الأغلبية العربيّة ، والذهاب مباشرة إلى ( فدراليّة أو كونفدراليّة ) مشرقيّة تدير دول بعينها بعيداً عن المحيط العربي . بذات المنطق ؛ أليس من الممكن إستيعاب هذه القوميات بدولة عربيّة منفتحة وعصريّة ومتطورة ، وبذات الصيغ المطروحة ( فدراليّة أو كونفدراليّة ) ؟ صحيح بأن هناك مشكلة مع أنظمة عربيّة حاكمة ؛ أقل ما يقال عنها بأنها عميلة ومرتبطة بالغرب ، فهل يكون الحل " بالهروب " من المسؤليّة التاريخيّة والنضاليّة لصيغة أقل ما يقال عنها بأنها " مغامرة " ، وتنقض العروبة من الأساس ؟ . ولماذا لم يجد في التنوع القومي والديني والطائفي في ايران وتركيا ما يُعيقهما عن بناء دولتيهما الوطنيّة والقوميّة على حدّ سواء دون وصفها بدولة ذات خطاب قوميّ متخلف ومتخشب ؟ وأخيراً هل تنوع الأعراق والقوميات والأديان في فرنسا أو بريطانيا وغيرهم منع إقامة دولة قوميّة قويّة متماسكة ؟! . * هناك أراض عربيّة محتلة في المشرق العربي ، وجزء منها يحتله بعض من هذه الدول التي يُريد منّا الأستاذ أنيس الإندماج معها ّ! . هل يمكن نسيان لواء الإسكندرون مثلاً ؟ أليس من الواجب إسترجاعه قبل الحديث في أي صيغة تكامليّة ؟! ربما لو فعلنا ذلك لأمتحنا نوايا العدالة والتنمية وأردوغانه وبقيّة الجوقة مبكراً جداً جداً . * الدولة الوطنية " القوميّة " نسق إجتماعي وإقتصادي وسياسي يكاد يكون حتميّاً في التطور التاريخي للأمم والشعوب ، فلماذا يدفعنا الأستاذ أنيس النقاش لحرق المراحل والقفز للمجهول ؟ آخر قُطر عربي نال " إستقلاله " في العقد السابع من القرن الماضي ، أي قبل أربعين عاما تقريباً - وللصدفة فقد إختار شعب هذا القُطر العروبة على المذهب والطائفة ، والمقصود هنا الشعب العربي في البحرين - بينما إحتاجت أوروبا لأربعة قرون حتى تبنى دولها الوطنيّة - القوميّة !!! ، فبناء الأمم لا يُنجز " رغائبيّاً " بل يحتاج لعقود طوال ؛ وربما لقرون . * في طور حديث الأستاذ أنيس النقاش عن هزيمة أمريكا في المنطقة ، وتراجعها على مستوى العالم ، وإقتراب موعد إهتزاز عروش عملائها وأدواتها في المنطقة ... ألا يمكننا الحديث عن فرصة تاريخية حقيقية لبناء دولة عربيّة وقوميّة في المشرق العربي - على الأقل - متماسكة وممتدة حتى تنضج الظروف " لتمدد وتوسع " هذه الدولة العزيزة والحرة والكريمة ؟! . * إن إنتصار سوريا في الحرب الكونيّة التي شُنّت عليها سيُغيّر الكثير من الوقائع والقناعات والمفاهيم والأمزجة ... وإذا أُضيف إليه ما يحدث في مصر اليوم ، وما قد يؤول إليه غداً ، فنحن حتماً أمام مشهد جديد في المشرق العربي ، مشهد أقل ما يمكن أن يقال بحقه ؛ بأنه يفتح الباب واسعاً أمام " تغييرات " كبرى وعميقة وفريدة ... فلماذا لا يتم " تثمير ومضاعفة " هذا الإنتصار ، وهذه التغييرات الكبرى والعميقة لإنتاج مشروع قومي عربي يُنقذ الأمة ، ويحرر فلسطينها ، وكلّ مُحتل من أرضها ، ويأخذ بيدها إلى مصاف الدول الحديثة والكبرى ؟! . * في لقاءه مع جريدة الثبات تحدث الأستاذ أنيس النقاش بشكل واضح عن الكونفدراليّة المشرقيّة ، والتي قد تحمل في طياتها – والأستاذ أنيس منزه بكل تأكيد عن هذا القصد – ذات المعنى الذي حمله يوماً شعار السادات ؛ مصر أولاً ، وكلنا يعرف إلى أين ذهب بمصر هذا الشعار . بينما يمكن الحديث عن شعار آخر أكثر واقعيّة ، وله مصداقيّة تاريخيّة كبرى وهو وحدة جناحي الأمة في مصر وسوريا ، أو الذهاب لخيار بلاد الشام التاريخيّة كخطوة وحدويّة أولى . * لا أعلم إن فات الأستاذ أنس النقاش وهو يتحدث عن " الكونفدراليّة المشرقيّة " ؛ أنّه يهدم منظومة كاملة من القيم والمباديء والتاريخ المشترك والمشاعر القوميّة ... لصالح صيغة " مُحدثة " تفتيتيّة ! . ولا أعلم حقيقة إذا ما كانت تركيا - تحديداً - ستساهم بتحرير فلسطين ، وهي أول بلد إسلامي يعترف بكيان العدو رسميّاً !؟ . * أظهرت الحرب على سوريا أن التنوع القومي والإثني والمذهبي يحمل في ثناياه مصدر هائل للتنوع والثراء ، فنحن نشاهد الكردي السوري يُدافع عن بلدته ووطنه كأي سوري آخر ، ورأينا جميعاً المسيحي السوري يستشهد دفاعاً عن أموي حلب ومرقد السيدة زينب " ع " ، وشاهدنا بأم العين العلوي يحرس المساجد ، ويتسامى عن المجازر التي إرتكبت تحديداً لإخراجه عن عبائة الوطن ، ويستقبل في مدينته وقريته مئات الألآف من السوريين السنّة دون إحساس من ترقب أو خوف ... . ولا يفوتني هنا الإشارة إلى إستحضار السوريون لرموزهم الوطنيّة والقوميّة بلا أدنى تدقيق بهوياتهم القوميّة أو الإثنية ، كمثل الأطرش والخراط والعلي وهنانو والحلبي وجمّال ... . * إن طرح الأستاذ أنيس النقاش للكونفدراليّة المشرقيّة " يُعفي " الجزء الأعظم من الشعب العربي ونخبه السياسيّة والثقافيّة والنضاليّة ... وأنظمته الحاكمة من مسؤلياتها الوطنيّة والقوميّة والتاريخيّة والدينيّة . وقد يحلوا لهم هذا الطرح أكثر بكثير من متابعي ومحبي الأستاذ أنيس .