2026-06-09 05:20 ص

مجازر ريف اللاذقية وتقرير هيومن رايتس ووتش

2013-10-17
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مجازر ريف اللاذقية وتقرير هيومن رايتس ووتش التقرير الذي أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش بتأريخ 11 أكتوبر/ 2013 بخصوص المجازر التي ارتكبت في ريف اللاذقية من قبل المجموعات الإرهابية التي قامت بهجوم مباغت وغير متوقع على العديد من القرى الواقعة في تلك المنطقة وذلك فجر يوم 4 أغسطس/2013 أول أيام عيد الفطر، يستدعي وقفة متأنية لقراءة ما جاء فبه، وخاصة أنه يأتي من منظمة دولية معروفة بحيادها النسبي أذا ما قورنت بغيرها من المنظمات التي قد يكون لها دوافع سياسية من وراء هكذا تقرير، ولأنه جاء ليوثق بالصورة وشهادات أتت من شهود عيان عما جرى، والذين قام أعضاء من المنظمة بالاجتماع بهم والاستماع لهم وتسجيل شهاداتهم. وقد تم مقابلة العديد من السكان المدنيين وأخذ عددا من الصور الميدانية ومنها مقبرة جماعية كما تم التحقيق في عدد من مقاطع الفيديو التي عرضت من قبل المجموعات الإرهابية على اليو-تيوب ومنها مثلا تلك المتعلقة بإعدام رجل الدين العلوي الشيخ بدر غزال بعد تدمير المقام العلوي الذي كان يشرف عليه وقد تم اعدامه من قبل عناصر في جبهة النصرة. ,ما يهمنا في هذه العجالة هو تسليط الأضواء على بعض النقاط التي وردت في هذا التقرير المؤلف من 105 صفحة والذي جاء عنوانه " دمهم ما زال هنا: عمليات الإعدام واطلاق النار العشوائي واتخاذ الرهائن من قبل قوات المعارضة في ريف اللاذقية" ليعكس مضمونه وفحواه. يشير التقرير بان المنظمات الارهابية "قامت بقتل ما لا يقل عن 190 من المدنيين من بينهم 57 امرأة وما لا يقل عن 18 طفلا و 14 من المسنين". وقد تم اعدام هؤلاء الضحايا أو قتلهم بصفة غير مشروعة. كما تم اختطاف ما يقرب من 200 من السكان المدنيين والاغلبية منهم من السيدات والأطفال، وعلى ان هؤلاء ما زالوا محتجزين من قبل جماعتان هما الدولة الإسلامية في العراق والشام، وجيش المهاجرين والانصار. ولقد صرح جو ستورك، القائم بأعمال المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في منظمة هيومين رايتس ووتش بأن:"هذه الانتهاكات لم تكن من تدبير مقاتلين مارقين، بل تم التنسيق والتخطيط لهجوم على سكان مدنيين في هذه القرى العلوية". وتدلل النتائج الميدانية التي حصلت عليها المنظمة بقوة الى ان أعمال القتل واتخاذ الرهائن وغيرها من الانتهاكات ترقى الى مرتبة جرائم الحرب، التي تجدر احالتها الى المحكمة الجنائية الدولية. أما عن الجهات الفاعلة لهذه الجرائم فيشير التقرير الى مشاركة ما لا يقل عن عشرين جماعة معارضة مسلحة ومن ضمنها ما يطلق عليه الجيش الحر. إلا أن هنالك خمسة جماعات رئيسة التي تولت حشد التمويل والتنظيم والتنفيذ للهجمات، وهذه كانت متواجدة منذ البدء بالهجوم في 4 أغسطس/2013. وهذه المجموعات هي الدولة الإسلامية في العراق والشام، جبهة النصرة، جيش المهاجرين والانصار، أحرار الشام وصقور العز. ,هنالك دلائل تشير الى ان " عناصر من هذه المجموعات الخمس لهم ارتباط مباشر بأحداث معينة التي ترقى لمصاف جرائم الحرب". وعلى الرغم من عدم تمكن المنظمة من تحديد مسؤولية الجيش الحر الذي يقوده سليم ادريس بهذا الخصوص، حيث يذكر البعض بأن عناصره انضمت الى المجموعة بعد 4 أغسطس/2013 بمعنى أن ذلك قد يكون بعد ارتكاب المجازر بحق المدنيين العزل، الا أنه في تقديري يجب أن لا يفلت من العقاب والمحاسبة القانونية لهذه الجرائم البشعة لكونه شارك في الهجوم الذي استمر لغاية 18 اوغسطس/2013 بعد أن تمكن الجيش العربي السوري من دحر المجموعات الإرهابية من المنطقة ,أعاد الأمان الى أهلها، هذا بالإضافة الى سكوته على هذه الجرائم بعد أن علم بها، هذا على افتراض أنه لم يشارك بها أصلا، وهو الذي ظهر في فيديو تم توزيعه في 11 أغسطس والذي يتفاخر به سليم ادريس بالدور الي لعبه الجيش الحر "بعملية تحرير الساحل" وهو الاسم الذي أطلق على العملية الجبانة للعصابات الإرهابية. ,يحذر التقرير من دور تركيا المستمر بكونها تخدم كمعبر وبوابة رئيسية لدخول المقاتلين الأجانب الى سوريا. ويشير التقرير على انه أثناء العملية في اللاذقية فان " أبو صهيب الليبي، القائد المحلي لجيش المهاجرين والانصار واتباعه...قد تلقوا العلاج الطبي الازم في تركيا". ويذهب التقرير ليشير الى ان عناصر هذه المجموعات تدخل الى سوريا " من تركيا، ومنها يهربون أسلحتهم ويحصلون على الأموال والمواد التموينية، ويعودون اليها لتلقي العلاجات الطبية" ويستكمل التقرير ليقول " ..على تركيا زيادة الدوريات على الحدود ومنع دخول المقاتلين والأسلحة للمجموعات المتورطة بشكل منهجي بانتهاكات حقوق الانسان...." . ولا بد لنا من التوقف قليلا هنا، لأن تركيا تدعي أنها لا تقدم أي معونة للجماعات المسلحة وخاصة تلك التي تنتمي الى تنظيم القاعدة كجبهة النصرة. الكل يعلم أن تركيا قد قدمت كل التسهيلات اللوجستية والتدريب وفتحت حدودها على مصراعيها للمقاتلين الأجانب الذين توافدوا من كل صوب "للجهاد" في سوريا وأن من بينهم العديد المنتميين الى القاعدة والذين أصبحوا القوة المهيمنة على المعارضة المسلحة في الداخل السوري، وكنا قد أشرنا الى هذا على صفحات المنار سابقا. ولقد استدركت تركيا مؤخرا الخطر المحدق عليها من هذه العناصر القاعدية وخاصة على الداخل التركي ومناطقها الحدودية مع سوريا، والتي تجلت مؤخرا على الاشتباكات مع عناصر الجيش الحر وسيطرة الدولة الاسلامية في العراق والشام على منطقة أعزاز الحدودية. ومما لا شك فيه الان أن هذه العناصر القاعدية قد قررت السيطرة على المنطقة الحدودية والمعابر مع تركيا وهذا يفسر أيضا معاركها مع أكراد سوريا في المناطق الحدودية. وهذا ما دفع تركيا مؤخرا الى الاهتمام بأحكام السيطرة على حدودها ومنع عناصر القاعدة من استخدام الأراضي التركية. واليوم نسمع بأن الجيش التركي قد قام بإطلاق النار على مقاتلين مرتبطين بالقاعدة في شمال سوريا، ولا شك ان هذا تطور ملحوظ. وقد أشار مؤخرا الكاتب والصحفي المشهور السيد عبد الباري عطوان من أن القاعدة تنوي تحويل المناطق الحدودية الجبلية والمرتفعة بين تركيا وسوريا الى تورا بورا جديدة تحسبا من ضربات قد توجه اليها مستقبلا فيما اذا استغني عن خدماتها في الداخل السوري. ولعل كل ذلك قد دفع باردوغان بإعادة الحسابات حتى لا ينتهي به الحال بالمثل الفلسطيني " دجاجة حفرت على راسها عفرت" وهي في الحقيقة بدأت تعفر ولا ملاص لاردوغان من ذلك على ما يبدو. ونقطة هامة أخرى كان قد أشار اليها التقرير خاصة بعملية تمويل عملية اللاذقية حيث ذكر بان مجموعة من الافراد ينتمون الى دول خليجية بشكل رئيسي قاموا بتمويل المقاتلين لهذه العملية، وعلى ان بعض الممولين هم مشايخ كويتيون. ويستخلص التقرير بأن "ليس هنالك أي دليل يثبت بأن الذين قاموا بجمع الأموال أو الممولين كان لديهم علم في الوقت الذي قاموا بهذه التبرعات بأن هذه الاموال ستستخدم لدعم الانتهاكات التي سترتكب او التي ارتكبت في ريف اللاذقية". وبينما نحن لا نريد أن نجادل فيما أورد في التقرير بالنسبة لهذا الاستخلاص، فإننا نود ان نؤكد هنا ان ذلك لا يعفي من قدم او تبرع بهذه الأموال من المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والسياسية والقانونية المترتبة على ارتكب مثل هذه الجرائم البشعة بحق المدنيين الامنين العزل من أطفال ونساء ورجال ومسنين على أسس طائفية، والتي ترقى بكل المعايير الدولية والقانونية الى مصاف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لا بل ونريد ان نذهب الى أبعد من ذلك لنحمل الدولة التي سمحت يشكل مباشر أو غير مباشر على جمع هذه الأموال وتسهيل وصولها المسؤولية القانونية عن هكذا جرائم. كلنا نذكر كيف ان الكثير من الدول الخليجية منعت بشكل رسمي جمع التبرعات النقدية والمادية أو تحويل أية مبالغ عبر البنوك الى قطاع غزة أثناء العدوان الوحشي الصهيوني، "التزاما" بأوامر البيت الأبيض وتحت يافطة "محاربة الإرهاب". وذلك يعني بأن الدولة تستطيع أن تمنع ارسال مثل هذه الأموال اذا ارادت ذلك، اللهم الا اذا كانت هي المتورطة في هذا الامر. ولا بد لنا أن نشير أيضا هنا أن الملايين التي وعدت بها الدول الخليجية للقدس الشريف لدعم أهلها ضد مخططات التهويد المستمرة والتي قاربت أن تطال المسجد الأقصى، هذه الملايين الموعودة لم يصل منها شيء بشهادة مفتي القدس الشيخ الجليل عكرمة صبري ولماذا؟ لان بنوك هذه الدول ممنوعة من نقل الأموال "للإرهابيين". هكذا يصنف الشعب الفلسطيني المقاوم الذي يرزح تحت الاحتلال الصهيوني. سقنا هنا هذه الأمثلة لكي نبين مسؤولية الدولة على تسهيل التمويل وجمع التبرعات أو منعها. وقد حوى التقرير على روايات العديد من السكان المحليين وأطباء ومقاتلين ميدانيين، وفيه وصف لقصص حقيقية لما جرى من قتل متعمد وتنكيل بالجثث وتقطيع الاوصال وعمليات جز الرؤوس وتفحم جثث وغيرها من القصص التي تقشعر منها الابدان. وينتهي التقرير بتقديم التوصيات لدول الجوار ويؤكد على أهمية قطع المساعدات عن مثل هذه الجماعات الى ان تكف عن ارتكاب هذه الجرائم ويدعو الى محاسبة الجناة الذين قاموا بارتكابها. كما أن التقرير يحذر بان أي شخص يوفر أو يبيع الاسلحة ويقدم المساعدات العسكرية لهذه الجماعات قد يكون تحت طائلة القانون الدولي متواطئا في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. والسؤال هنا هل هنالك من يسمع ويتعظ ويجيب ويكف عن اجرامه بحق شعب ووطن وانسان، أم ان البعض قد فقد انسانيته وراح يسقطها عن الاخرين ليجيز ويشرع لنفسه قتل أخيه الانسان والتنكيل به وأكل اعضاءه الداخلية؟