2026-09-14 02:37 م

التعليق الجزئي للمعونة الامريكية لمصر ماهيتها وتوقيتها وردود الفعل عليها (2)

2013-10-15
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
وماذا عن توقيت التعليق الجزئي لهذه المعونة؟ يكتسب التوقيت الذي جاء به تعليق هذه المعونات أهمية ودلالة كبيرة. فهو يأتي في زمن تشهد فيها الساحة المصرية مرحلة انتقالية محاطة بظروف محلية بالغة الصعوبة والحساسية، تتمثل في وضع اقتصادي متدهور وعمليات إرهابية تستهدف الجيش والدولة المصرية ومؤسساتها على امتداد الجغرافيا المصرية وليس حصرا في سيناء وكذلك عدم استقرار سياسي وعلى إصرار عناصر الاخوان المتطرفة على زعزعة الامن الداخلي. ولا يحتاج المرء لكثير من الوقت ليدرك أن هذا التعليق يأتي في محاولة ابتزاز رخيصة ووسيلة ضغط على السلطات المصرية لعدم استجابتها للضغوطات الامريكية والاوربية فيما يختص بالتعامل مع تنظيم الاخوان المسلمين والفشل الذريع الذي منيت به وساطات السيدة اشتون مبعوثة الاتحاد الأوربي لمصر لإعادة دور سياسي لتنظيم الاخوان المسلمين يتضمن عدم ملاحقة قيادييها أو التعرض لهم من قبل الأجهزة الأمنية المصرية والافراج عن الرئيس المخلوع السيد مرسي وإطلاق سراح باقي قيادات الاخوان، كما فشل من قبلها السناتور جون ماكين مبعوث الإدارة الامريكية والمعروف باتصالاته الشخصية مع المجموعات الإرهابية العاملة بالداخل السوري. ويأتي التعليق الجزئي لهذه المعونة متزامنا مع التصريحات الذي ادلى بها مؤخرا الجنرال هيو شيلتون، رئيس هيئة الأركان المشتركة الامريكي السابق في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الامريكية والذي صرح فيها "أن السيسي اكتشف المؤامرة الامريكية لدعم جماعة الاخوان المسلمين، مما أدى الى الإطاحة بمرسي. واستطرد شيلتون في المقابلة قائلا " أن السيسي لو لم يتخذ القرار بخلع مرسي في 3 يوليو الماضي لكانت مصر ستلاقي مصير سوريا ويتم تدمير جيشها، مشيرا الى أن مصر نجحت في وقف حملة أوباما لزعزعة الاستقرار. ولم يعد خافيا لأي متتبع عما يجري في وطننا العربي من أحداث متسارعة، من وجود مخطط جهنمي لتدمير القدرات العربية وتمزيق دولنا الى دويلات طائفية وعرقية، وتدمير الجيوش العربية واخراجها من المعركة مع العدو الصهيوني الغاصب. دمر الجيش العراقي سابقا مع الغزو الأمريكي عام 2003، وفتحت أبواب الجحيم وما زالت في سوريا لتدميرها وتدمير الجيش العربي السوري أو الحد من قدراته في الصراع مع العدو الصهيوني ولذلك لن يكون مستغربا حقيقة ما صرح به الجنرال شيلتون حول المخطط لتدمير الجيش المصري، لكونه متماشيا مع المسلسل الدامي الدائر حاليا في أكثر من قطر عربي. وماذا عن ردود الفعل؟ أما عن ردود الفعل الامريكية على التعليق فقد جاءت في معظمها لتؤكد الدور المحوري الذي لعبته مصر وأهميته للولايات المتحدة وأمنها القومي واستراتيجيتها في المنطقة. فالكثيرون من أعضاء الكونغرس الأمريكي صرحوا بان التعليق جاء متأخرا ولن يكون له أي تأثير يذكر، الى جانب أنه سيحد من قدرة الولايات المتحدة على العمل مع شريك مهم في المنطقة. ولقد هب بعض أعضاء من الكونغرس مباشرة بعد صدور القرار لتوجيه انتقادات حادة لإدارة أوباما وذلك لعدم استشارتهم في الموضوع، وعلى ذكر أن القرار جاء ليضحي بما تبقى من تأثير محدود للولايات المتحدة على الحكومة المصرية والجيش المصري. كما ذهب البعض الى أبعد من ذلك ليصف سياسة أوباما بالتردد والمراوغة وعدم الوضوح وغياب رؤية واستراتيجية متماسكة بالنسبة لما يدور في مصر، مما أدى الى التخبط في اتخاذ القرارات والتي كانت في معظمها ردود فعل غير مدروسة. وصرح أحد أعضاء الكونغرس المسؤول في لجنة العلاقات الخارجية " ان مصر تمر في مرحلة انتقالية وان على الولايات الإبقاء على هذه الشراكة الهامة بالنسبة لأمننا القومي وأمن إسرائيل والاستقرار في كافة مناطق الشرق الأوسط". أما وزير الدفاع هيغل فلقد قام بالاتصال بالسيسي " ليطمئنه" بان هذه الإجراءات ما هي الا هي إجراءات مؤقتة وأن الإدارة الامريكية ستقوم بمراجعة قرارها على ضوء مسلكيات الحكومة الجديدة. وهو إن دل على شيء فهو يدل على مزيد من الوقاحة والاستعلاء في التعامل مع الغير والتدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة وتهديدا سافرا تحاول من خلاله الإدارة الامريكية تغيير المسار الذي تتخذه مصر من التخلص التدريج من سياسات التي تكبلها والتي تمس بجوهر سيادتها واستقلال قرارها الوطني. أما عن ردود الفعل الإقليمية فقد عملت هذه الخطوة على رفع مستوى المخاوف الموجودة عند حلفاء وعملاء أمريكا في المنطقة والذين لم يستفيقوا بعد من الصدمة وخيبة الرجاء التي أصيبوا بها على أثر التقارب النسبي بين الإدارة الامريكية وإيران، والتراجع عن العدوان العسكري المبيت على سوريا، والتي يرى الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين بأنها تشكل مدخلا واحتمالا جديا لحل الملف النووي الإيراني وكذلك الازمة السورية. فالعديد من الدول الخليجية وإسرائيل أصبحت تشكك الان بمدى التزام الإدارة الامريكية بأمن المنطقة وحماية أصدقائها وعملائها فيها، الذي على ما يبدو لم يعد يشكل جزءا من أولويات هذه الإدارة كما جاء في صحيفة وول ستريت جرنال الامريكية مؤخرا. ولعل هذا ما دفع باتجاه بدء التنسيق الجدي بين الكيان الصهيوني وبعض الدول الخليجية من خلال الاجتماعات السرية التي تمت بينهما مؤخرا في تل أبيب للتشاور فيما بينهم والتنسيق فيما يخص الموقف من النووي الإيراني وكذلك من الازمة السورية على ضوء المستجدات التي حصلت في المنطقة والمرتبطة بهذه الملفات. وهنالك تصريح لافت لنتنياهو فحواه أنه على الادارة الامريكية الإبقاء على المعونة العسكرية لمصر مؤكدا بان " السلام كان مرتبطا بالمعونة لمصر" بمعنى ان اتفاقية كامب ديفيد ربطت المعونة الامريكية بعملية السلام مع إسرائيل. ولا شك بان الكيان الصهيوني أصبح يستشعر بالخطر على أمنه الذي ضمنته هذه المعاهدة منذ 1979 ولغاية الان ووفرت عليه بلايين الدولارات التي كان من الممكن صرفها لهذا الغرض لضمان أمن حدوده مع مصر، هذا بحسب العديد من الخبراء العسكريين. ولعل الهاجس المقلق الذي ينتاب الكيان الصهيوني الان، هو أن تؤثر هذه الخطوة الامريكية وما قد يليها من ردود فعل على التنسيق الأمني المكثف بين هذا الكيان والجيش المصري في سيناء الذي أصبحت مرتعا للعناصر الجهادية من كل حدب وصوب على ما يبدو، والتي يعتبرها هذا الكيان أنها تشكل خطرا على أمنه. أما على نطاق الرد المصري الشعبي، فقد زادت هذه الخطوة موجة العداء للإدارة الامريكية وسياستها تجاه الازمة في مصر ومحاولة التدخل بالشأن المصري الداخلي، وترى أن هذه الخطوة تأتي دعما واضحا للإخوان المسلمين والإبقاء على حالة الفوضى وعدم الاستقرار الذي تشهده العديد من المحافظات المصرية. ولقد تم مؤخرا رصد مخطط للقيام بعمليات تفجير واسعة تستهدف مقرات حكومية ومديريات الامن والشرطة المصرية والكنائس وشركات بترول مصرية عن طريق هجومات انتحارية. ,ويأتي رصد هذا المخطط من قبل الأجهزة الأمنية المصرية بالتزامن مع الدعوات التي اطلقها الظواهري زعيم القاعدة لإقامة دولة إسلامية في مصر وبلاد الشام. أما ردة الفعل المصرية الرسمية فقد جاءت على لسان المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية المصري " ان مصر لن تستسلم للضغوطات الامريكية وستستمر في المسار الديمقراطي كما نصت عليه خارطة الطريق". أما الرد العملي للجيش المصري فلا بد أن يشمل تفعيل الصناعة والانتاج الحربي المصري بحيث يتضمن تصنيع قطع الغيار للأسلحة في مصر هذا الى جانب احداث تغيير في استراتيجية التصنيع الحربي ليشتمل على انتاج الأسلحة الحديثة كما صرح اللواء حسام سويلم أحد الخبراء الاستراتيجيين في القوات المسلحة المصرية. في النهاية نقول وبشكل واضح ان الولايات المتحدة تستهدف الدور المصري الإقليمي والوطني القومي العربي، والعالمي، الذي بدأ يستعيد عافيته بعد ان غاب وغيب منذ عقود من الزمن، وما يمكن أن يلعبه هذا الدور مستقبلا لتحقيق الامن القومي المصري والعربي، والخروج من دائرة التبعية والهيمنة الامريكية وإلحاق مصر وجيشها بالاستراتيجية الامريكية. كلنا يعلم أن الطريق لتحقيق ذلك طويل ومحفوف في المخاطر والصعوبات. فهنالك الكثير من القوى الداخلية والخارجية المتربصة والتي ستعمل جاهدة لمنع حدوث هذا التغيير بكافة الوسائل المتاحة لديها. كما أن هنالك قوى إقليمية وعالمية ستحاول استغلال الظروف الصعبة التي تمر بها مصر وخاصة وضعها الاقتصادي، وقد تتخذ من هذه فرصة لاستخدام ثرواتها النفطية بتقديم المعونات المالية لعمليات ابتزاز مواقف مصر السياسية في صراعاتها الإقليمية المبنية على أسس طائفية محضة وجر الدولة المصرية الى هذا الصراع. ولكن القيادة السياسية المصرية ولغاية الان لم تنجر الى مثل هذه الصراعات وليس هناك أي مؤشرات تدل على إمكانية او نية لانخراطها في هكذا صراعات عبثية وتدميرية. وكلنا أمل أن تعود مصر الحرة والعروبة والكرامة بقيادتها السياسية والعسكرية لتشكل الحاضنة العربية مرة أخرى، فقد طال الزمن يا أم الحضارات. الدكتور بهيج سكاكيني