2026-09-14 08:15 م

التعليق الجزئي للمعونة الامريكية لمصر ماهيتها وتوقيتها وردود الفعل عليها

2013-10-12
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
عمدت الإدارة الامريكية على التهديد بين الحين والأخر بقطع المعونة عن مصر وخاصة تلك المرتبطة بالجيش المصري في محاولة لم تعد خافية على أحد وهي ترويض قيادة الجيش التي يبدو أنها تمردت على هذه الادارة بإنحيازها للشعب المصري الذي قام بما أطلق عليه تصحيح مسار الثورة أو الحراك الشعبي المصري يوم 30 يوليو. ومما لا شك فيه هذا الحدث أربك الادارة الامريكية وحساباتها السياسية ووجه صفعة قوية للمخططات الامريكية في المنطقة وخاصة للتحالف بين الولايات المتحدة وما سمي بالإسلام السياسي بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين والذي وبحسب كل المعلومات المتوفرة الان وبالإضافة الى ممارساتهم بعد الوصل الى السلطة لم يظهروا أنهم يختلفون عن نظام مبارك المخلوع. فالسياسة الاقتصادية التي اتبعها الرئيس المخلوع محمد مرسي كانت سياسة معتمدة على الديون والمعونات الخارجية ( وهو الذي وعد اثناء حملته الانتخابية بجلب 200 مليار من الاستثمارات فيما اذا انتخب) التي كبلت مصر خلال العقود السابقة واعادة هيكلة بناها الاقتصادية وخصخصت القطاع العام ونهش الجسد المصري من قبل ثعالب راس المال المحلي والعالمي دون استثناء وزيادة افقار الجماهير المصرية. كما عمل نظام الاخوان المسلمين على مشروع أخونة الدولة ومؤسساتها من خلال التعينات المكثفة للعناصر المنتمية او المتعاطفة مع الاخوان المسلمين، والى اتباع سياسة الهيمنة والاستئثار بالسلطة واقصاء التيارات السياسية المتواجدة والفاعلة على الساحة المصرية. أما سياستهم الخارجية فكانت سياسة متطابقة لسياسة مبارك بعلاقاتها التابعة للتوجهات والاستراتيجية الامريكية في المنطقة وربما الموقف مما يحدث في سوريا قد فضح النوايا وبين مدى انخراط تنظيم الاخوان المسلمين في اللعبة والاستراتيجية الامريكية في المنطقة والتي وصلت الى حد الدعوة الرسمية للجهاد في سوريا ومحاولة اقحام الجيش المصري في هذا الإطار. هذا عدا عن الغزل مع اركان الكيان الصهيوني وتقديم الضمانات بعدم المساس باتفاقية كامب ديفيد المذلة التي تمس جوهر السيادة المصرية مقابل مليارات المعونة الملعونة، والتي استدرك الشعب المصري مدى خطورتها على مسار الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتي من أجلها تحركت ملايين الشعب المصري في ترنيمة لم يعرف لها تاريخ البشرية سابقة، ومن هنا كان إحدى الشعارات التي رفعتها الجماهير المصرية في ميدان التحرير يوم 30 يوليو هي ‘يا امريكا يا ملعونة ما بدنا منك معونة’. أما الان وقد قامت الإدارة الامريكية بالتعليق الجزئي للمعونة فما هي حقيقة هذه المعونة وماهيتها ومن هو حقيقة الخاسر الأكبر من هذا الاجراء الأمريكي؟ . المعونة التي نتحدث عنها هنا جاءت في أعقاب اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة عام 1979 والتي قيدت مصر وأخرجتها كلية من الصراع العربي- الاسرائيلي ودورها الريادي ودمرت إقتصادها وقاعدته الانتاجية وحولته الى إقتصاد ‘حر’ تتحكم به قوى السوق العمياء وتابع للاحتكارات الاجنبية ومعتمدا على المعونات الاجنبية وشروط البنك الدولي المجحفة مما ادى الى مزيد من إفقار الجماهير الشعبية وانتشار البطالة ونشوء فئات إجتماعية طفيلية أطلق عليها ‘القطط السمان’ التي عملت على نهب مزيد من الثروات الوطنية في عهد السادات والتي إستشرست في عهد الرئيس المخلوع مبارك.. ما يجب ان ندركه في هذا الاطار هو ان المعونة التي تقدمها الولايات المتحدة للجيش المصري والتي تقدر 1.3 بليون دولار تأتي ضمن علاقات عسكرية مباشرة بين البنتاغون والجيش المصري تصرف كلية لتغطية صفقات شراء الأسلحة الأمريكية والمعدات العسكرية وصيانتها من قبل هذه الشركات الى جانب الدورات التأهيلية لعدد من الضباط المصريين والتي تهدف الى تربية جيل من الضباط ذوي المراكز المتقدمة بالجيش المصري متشبع بالثقافة والتوجهات والفلسفة والعقيدة الامريكية في إدارة الجيوش. هذا بالإضافة الى إقامة العلاقات الوثيقة مع هؤلاء الضباط ذوي المستقبل العسكري الواعد وتوظيفها واستثمارها مستقبلا لصالح السياسة الأمريكية. هذا عدا عن التحكم الامريكي بكمية ونوعية السلاح المرسل الى مصر. إن المستفيد الأول ماديا من هذه المعونات هي الشركات الامريكية المنتمية الى مجمع الصناعات الحربية الامريكية والمؤسسات العسكرية الاكاديمية، حيث أن الجزء الأكبر من هذه المعونة يذهب مباشرة الى هذه المؤسسات الامريكية دون ان يراها الجيش المصري بالأساس. اما الخاسر الأكبر من الإبقاء هذه المعونات هو الجيش المصري والدولة المصرية نتيجة عمليات الابتزاز والحاقهما بالمخططات العسكرية والاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. حيث تلتزم مصر الدولة بتقديم كافة التسهيلات للقوات الامريكية للتنقل في الأجواء المصرية دون رقابة عما تحمله طائراتها العسكرية أو تلك التي تعود لأجهزة المخابرات الامريكية،هذا في الوقت الذي تفرض الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة قيودا على مثل هذه التحركات وعادة ما تطلب هذه الدول من أمريكا تقديم طلب رسمي مسبقا للحصول على إذن لاستخدام أجوائها، وعلى أن تفصح عن ماهية حمولة هذه الطائرات. ولا يجب أن ننسى استخدام القوات العسكرية الامريكية لقناة السويس وحصولها على الامتيازات والتسهيلات التي تتضمن اعطاء بوارجها الحربية أولويات العبور في بعض الحالات الملحة أو الاضطرارية. وقد توضح هذا بشكل جلي عام 2003 اثناء غزو العراق بعد رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية الغازية باستخدام الأراضي والأجواء التركية لاحتلال العراق. والأهم من ذلك أن هذه المعونة أدت الى إخراج مصر كدولة وجيش من دائرة الصراع العربي مع الكيان الصهيوني وتكبيلها باتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة وضمان أمن هذا الكيان. وقد ترتب على هذا فقدان مصر لدورها العربي الوطني سواء على المستوى الإقليمي او العالمي الفاعل. لقد قامت الولايات المتحدة بالتعليق الجزئي للمعونة وهذا تضمن تأجيل ارسال طائرات ف-16 وطائرات هيلوكبتر الاباتشي وكذلك دبابات م-1 وصواريخ الهاربون وذلك الى جانب 250 مليون دولار كان من المفترض أن تدفع للحكومة المصرية. والسؤال هنا على ماذا أبقت؟ ما لم يمس من المعونة هو الجزء الخاص بمقاومة الإرهاب في سيناء وحماية الحدود مع إسرائيل. بمعنى ما تبقى من هذه المعونة له علاقة مباشرة بالجزء الأمني الذي يضمن أمن الكيان الصهيوني. وهو نفس السلوك الذي اتبعته وتتبعه الإدارة الامريكية مع السلطة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. فكل قطع او تعليق للمعونات الامريكية لهذه السلطة لم يشمل المبالغ المخصصة للجهاز الأمني وتدريبها ضمن برنامج يشرف عليه مباشرة الجنرال الأمريكي دايتون. والسبب هنا نفسه كما في حالة المعونات الامريكية لمصر، حيث تلعب عناصر الجهاز الأمني دورا رئيسيا في حماية أمن الكيان الصهيوني. وهذا يوكد الاعتقاد السائد في مصر وغيرها من البلدان بأن الهدف الرئيسي من هذه المعونة بعيدا كل البعد عن مصلحة الشعب المصري، وانما تقدم لتحقيق المصالح الامريكية وضمان أمن ربيبتها إسرائيل. ويكفي ان نشير في هذا المجال بالعقد الذي ابرمته وزارة الدفاع الامريكية بقية ثمانية ملايين دولار لجهاز رادار متطور (RDS Radar System) لمراقبة الحدود في سيناء مع قطاع غزة، كما ابرمت عقدا بمبلغ 10 ملايين دولار مع شركة رايثون الامريكية لجهاز للكشف عن الانفاق. 
يتبع...