2026-09-14 07:27 م

قراءة في تصريحات كيري الأخيرة

2013-10-10
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
كان هنالك وقبل عدة أيام تصريحين لافتين للانتباه لوزير الخارجية الامريكية جون كيري. التصريح الأول خاص بالخيار العسكري تجاه سوري، حيث صرح بأن الخيار العسكري للازمة السورية غير ممكنا ولم يعد مقبولا. أما التصريح الثاني والذي لا يقل عن الأول في دلالته وهو فيما يختص بقضية الأسلحة الكيميائية السورية وهو الإشادة بنظام الرئيس الأسد بالتعاون التام مع بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الدولية، والذي اتى بعد الزوبعة الإعلامية والتصريحات الأمريكية التي شككت بنوايا سوريا بهذا الموضوع والذهاب الى القول بان سوريا قد أقبلت على ذلك لكسب الوقت والمراوغة لتفادي ما أسمته الإدارة الامريكية "بالضربة العسكرية" والتي يجب أن نؤكد هنا انها لو تمت فأنها كانت ستشكل عدوانا عسكريا سافرا غير مبرر على دولة ذات سيادة، هذا حتى نسمي الأشياء بأسمائها الفعلية. هذين التصريحين أتيا على خلفية الكثير من الاحداث والمواقف التي عملت بمجملها على كبح جماح الرعونة الامريكية واندفاعها المحموم والجنوني للجوء الى الخيار العسكري الذي كانت تسعى اليه أو التي دفعت له خدمة لمصالح الكيان الصهيوني وعملائها وادواتها في المنطقة والتي أبدت استعدادا كاملا لتسديد فاتورة هذا العدوان السافر مهما كانت كلفته المادية. وبالتأكيد هذه ليست المرة الأولى التي يتبرع بها شيوخ وقبائل النفط بدولارات شعوبهم لتدمير القدرات العربية، فقد دفعوا سابقا لتدمير العراق وما زالوا. ومما لا شك فيه أن هذه التصريحات والتي أبعدت احتمال شبح الحرب وزيادة التدمير والقتل، لم تأتي منة أو مكرمة أو معروفا من الولايات المتحدة بإدارتها الحالية، التي تغتال بطائراتها بدون طيار (drones) الافراد في أرجاء المعمورة دون حساب أو رقيب، أو تقوم أجهزة مخابراتها باختطاف افراد من عاصمة عربية ودولة من المفترض أن تكون ذات سيادة. هذه المواقف المعلنة الجديدة أنما أتت بالدرجة الأولى نتيجة للصمود الأسطوري للثالوث المقدس السوري والذي ضم وما زال الشعب، والجيش العربي السوري قيادة وأفرادا، والقيادة السياسية الحكيمة الممثلة بالرئيس بشار الأسد والحكومة السورية. فعلى الرغم من الحرب الضروس التي شنت على سوريا كدولة ومؤسسات وشعب وجيش وطن وعلى كافة الأصعدة العسكرية والاقتصادية والإعلامية والسياسية وعلى مستويات لم يسبق لها مثيل من حيث الكم والزخم والشراسة والمدى الزمني والجغرافي، حيث اجتمعت كل ذئاب العالم في محاولات مستميتة لنهش الجسد السوري ولتمزيق النسيج السوري بكل مكوناته ومقدراته، لم تنجح هذه المحاولات وبائت بالفشل من حيث أنها لم تحقق أهدافها سوءا المعلنة منها او المخفية. أما عن المعارضة الخارجية وما سمي بالجيش الحر فحدث ولا حرج. فمنذ أن أسست هذه المعارضة على أيدى قطرية وتركية بتوجيهات أمريكية، ثم انتقالها الى الايادي السعودية، كانت وما زالت العوبة بأيدي الذين أنشاؤها وتأتمر بأمرهم ومن يخرج عن طاعة الوالي أو شيخ القبيلة يجد نفسه خارج البيت مرمي على الطرقات تلاحقه فواتير أخر أوتيل خمسة نجوم قضى فيه ليلته او لياليه، فقد استغني عن خدماته وشطب من اللائحة بين ليلة وضحاها ليحل مكانه من هو أفضل منه واكثر حرصا على تخريب الوطن وتدميره. لقد أصبح ما يسمى بالائتلاف المعارض أضحوكة ومهزلة للجميع وملطة حتى من قبل أعضاءه الذين باتوا يطلقون التصريحات المتناقضة تبعا للجهة التي تدعم هذا الطرف أو ذاك. أما برنامجهم فهو يتيم ولا يتعدى نقطة واحدة وهو اسقاط الرئيس بشار الأسد. وهذا البرنامج لم يتغير منذ أن أوجدت معارضة الخارج وحتى هذه اللحظة. ولن تكون مفاجئة إذا ما تم حله وتأليف تجمع آخر لهذه المعارضة المفروضة. أما ما سمي بالجيش الحر، هذا الجسم الذي كانت تعول عليه معارضة الخارج كورقة لاستخدامها في اية مفاوضات قد تأتي، فلم يتمكن من السيطرة والاحتفاظ برقعة جغرافية داخل الأراضي السورية لاستخدامها في أية عملية مقايضة مع الدولة السورية. وأتت معاركه في الفترة الأخيرة مع جبهة النصرة ودولة الإسلام في العراق والشام الارهابيتين وفض الشراكة بينهم لتبين مدى ضعفه واعتماده على الارهابيين في الداخل السوري. ولقد انشق أكثر من 51 تنظيما أو مجموعة كانت منضوية تحت لوائه عنه، وأعلنت انضمامها الى جبهة النصرة أو الى دولة الإسلام في العراق والشام، والتي أعلنت أنها لا تعترف بالائتلاف ولا بما ينادي به. ومؤخرا قامت كتيبتين من الجيش الحر بتسليم أنفسهم الى المسلحين الاكراد في شمال سوريا. هذا بالإضافة الى البعض الذين سلموا أنفسهم للجيش العربي السوري أو أنهم بانتظار الوساطة لتسوية امورهم مع الدولة السورية. وهذا يعني أن الائتلاف لم يعد له تقريبا مجموعات مسلحة تقاتل في الداخل السوري وانه عاجلا ام آجلا ستنتهي ظاهرة الجيش الحر نتيجة الانقسامات في صفوفه أو القضاء على ما تبقى منه على أيدي الجيش العربي السوري او كلاهما. ولن يكون مستغربا أن ينضم بعض عناصره الى الجيش العربي السوري وذلك بعد تسوية امورهم من جانب الدولة السورية. من كل هذا يتضح لكل متابع لمجريات الامور على الساحة السورية وبشكل جلي والغير قابل للجدل أو الشك بأن المعركة الرئيسية التي تدور رحاها الان في الداخل السوري هي معركة بين الجيش العربي السوري من طرف والقوى الإرهابية الظلامية الممثلة أساسا بدولة الإسلام في العراق والشام وجبهة النصرة وكلاهما تنظيمات إرهابية مرتبطة بالقاعدة. وهذا الحال يستدعي إعادة التقييم في المواقف للأطراف التي تدعي محاربة الإرهاب الدولي ليلا ونهارا. وهنالك العديد من المؤشرات التي تعطي الانطباع باننا ربما قد نكون وصلنا الى بداية حقيقية لانفراج محتمل للازمة السورية والملف الإيراني النووي. ويجب ان لا ننسى أن إيران ستكون طرفا إقليميا فاعلا في حل الازمة السورية، والتي حاولت الولايات المتحدة إبعادها بشكل مستمر عن هذا الدور. فها هي الناطقة الرسمية تصرح بان الإدارة الامريكية وافقت على حضور إيران لمؤتمر جنيف 2 لكن بشروط سرعان ما رفضتها إيران. وبغض النظر عما سيحدث لاحقا فان الاعتراف الضمني بدور إيران الإقليمي والتعامل معها بهذا الإطار يصب في مصلحة القوى الفاعلة الداعمة والمؤيدة للموقف السوري من الازمة وسبل حلها. وليس أدل على ذلك حالة الفزع والارتباك الذي احدثته تصريحات الوزير كيري في إسرائيل والدول الخليجية وعلى رأسها السعودية. وكنا قد تحدثنا عن خطاب نتانياهو في الجمعية العامة وكيف أنه كان يغرد خارج السرب ,لقد أشارت المنار الى أن الإدارة الامريكية قد طلبت من الطفل المشاكس (إسرائيل) بالامتناع عن التصريحات التي من شأنها أن تعطل إمكانية حل المشاكل المتعلقة بالملف النووي الإيراني بالطرق السلمية. أما السعودية فقد ادعت أنها قررت ولأول مرة عدم القاء الكلمة السنوية في الجمعية العامة للأمم المتحدة وذلك احتجاجا على الموقف الدولي من القضية الفلسطينية وعدم التدخل في سوريا. نحن لم نرى ماذا فعلت السعودية للمسجد الأقصى الذي يتعرض لعملية تهويد غير مسبوقة ولا شك ان عملية اقحام القضية الفلسطينية هنا هي محاولة بائسة لذر الرماد في العيون. الكل يعلم كم دفعت وشجعت السعودية الإدارة الامريكية بالعدوان على سوريا واستعدادها لتغطية تكلفة العدوان. ولقد ساهمت في خلق الذريعة لذلك من خلال تمرير الكيماوي للإرهابيين في الغوطة الشرقية بريف دمشق عن طريق أمير التكفيريين وارهابي القاعدة الجديد الأمير بندر بن سلطان. على العموم الادعاء بشأن عدم القاء الخطاب التحريضي السعودي الذي كان من المزمع القائه في الجمعية العامة للأمم المتحدة مردود عليهم، لان الانباء تشير الى أن الإدارة الامريكية طلبت منهم ذلك، أي عدم القائه لأنه يعكر أجواء الانفتاح الذي تحقق في الفترة الأخيرة، وخاصة مع قبول سوريا بالتخلي عن ترسانتها من الأسلحة الكيميائية والتعاون الشديد مع البعثة الدولية بتوجيهات مباشرة من الرئيس بشار الأسد. هذا الفزع والارتباك والهستيريا التي أصابت الدول الخليجية وإسرائيل هي التي عملت على زيارة وفد خليجي رفيع المستوى الى الكيان الصهيوني للتباحث في المستجدات وكيف يمكن الرد عليها. ولكن من المؤكد أن الولايات المتحدة تستطيع أن تلجم هذا التحالف من ارتكاب أية حماقات قد تؤذي بالمصالح الامريكية في الفترة الحالية أو التفاهمات التي تمت مع روسيا بالنسبة للعديد من الملفات. الواضح هنا أن الادارة الامريكية بعدما فشلت في تحقيق مآربها عادت الى برجماتيتها والتي من خلالها تسعى حاليا للتقليل من الخسائر التي قد تمنى بها. ولا ننسى أن نذكر بالامتعاض التركي أيضا بالنسبة للتصريحات الامريكية والتي جاءت على لسان وزير خارجيتها أوغلو. والملفت للنظر أن أوغلو صرح أن بلاده لن تسمح لعناصر القاعدة باستخدام أراضيها للذهاب الى سوريا. والكل يعلم أن تركيا لعبت الدور الرئيسي في ادخال عشرات الالاف من إرهابي القاعدة وغيرهم وتدريبهم في أراضيها وامرار السلاح الى الداخل السوري فما الذي تغير الان؟ هل هو بداية الرجوع عن المواقف السابقة بعدما تأكدت تركيا أردوغان بان النظام السوري باق وأن عليها أن تتبع الامريكي والا فقدت أي دور أو موقع في حل الازمة؟ أم أنها نابعة من المعلومات الاستخباراتية بان القاعدة تخطط لعمليات في الداخل التركي؟ لقد حذر الكثيرون ومن ضمنهم الرئيس بشار الأسد مرارا، بان دول الجوار السوري لن تكون بمنأى عن القاعدة وعملياتها الإرهابية. وبغض النظر عن الأسباب الكامنة وراء التصريح التركي بشأن استخدام القاعدة للأراضي التركية فان ذلك سيكون في صالح سوريا وحل الازمة. وتعمل الحكومة التركية على بناء جدار عازل في المرحلة الحالية على الحدود عند منطقة القامشلي للسيطرة على الحدود. والذي يبدو انه قد استشار أصدقائه من الصهاينة الذين لديهم الخبرات الكافية في بناء جدران العزل العنصري. ومن الواضح أن أمريكا لم تستشر أي من أدواتها وعملائها في المنطقة حول مواقفها الأخيرة والتي نزلت عليهم كالصاعقة واربكتها أما المؤشرات الأخرى التي تتعلق باحتمال الانفراج في المنطقة فهي تتلخص في المواقف الاوربية من إيران بالتحديد والذي سينعكس أيضا على الوضع السوري. فالاجتماعات التي عقدت على جانب الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة بين الايرانيين والوفود الأوروبية تدل على بوادر إيجابية. وكذلك عودة الدبلوماسية البريطانية-الإيرانية التي قطعت منذ عام 2011 على أثر اقتحام المتظاهرين الإيرانيون الغاضبون السفارة البريطانية، هذه العودة لم تكن لتاتي الا بموافقة ومباركة أمريكية والتمهيد بحل الملفات في المنطقة. وهنالك التصريحات حول انعقاد مؤتمر جنيف 2 في الاسبوع الثاني من شهر نوفمبر وهو ما صرح به كيري في المؤتمر الصحفي في جزيرة بالي الاندونيسية مع نظيره الروسي لافروف، " سنحث على تحديد موعد بأسرع ما يمكن" هذا الى جانب القول " يجب الاشادة بالحكومة السورية لامتثالها لقرار مجلس الامن تدمير ترسانتها الكيماوية". بالمجمل هنالك العديد من المؤشرات التي تدلل على احتمال قرب الانفراج للازمة السورية. ولكن تبقى هنالك تخوفات مشروعة ومحقة وخاصة فيما يتعلق بردود أفعال الأطراف التي تقف ضد هذا الانفراج وتنامي إمكانية الحل السياسي وخاصة وأنها ستكون الخاسر الأكبر من أية حلول سياسية ضمن الواقع القائم على الارض السورية بالإضافة الى الوضع الإقليمي الجديد والوضع الدولي والذي بات من الواضح أن الولايات المتحدة لم تعد القطب الأوحد في الساحة الدولية، وهذا على ما يبدو ما بدأت الإدارة الامريكية تدركه ولكن الأهم من ذلك هو انها بدأت أيضا بتقبله كحقيقة واقعة. ويبقى السؤال المطروح حاليا هل ستستمر الأمور على مسار التسوية السياسية أم هل سيكون مفاجئات قد تعكر هذا المسار؟ وماذا سيكون الحال مع عشرات الالاف الذين جيء بهم من كل بقاع العالم "للجهاد" في سوريا وماذا سيكون مصير القاعدة؟ أسئلة ربما ستجيب عليها الاحداث في المستقبل القريب.