2026-09-15 02:49 ص

اقتصاد الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 والسلام الاقتصادي (2)

2013-10-08
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
اقتصاد الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 والسلام الاقتصادي (2) تم توقيع ما سمي باتفاقية او معاهدة أوسلو والتي عرفت "اعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الانتقالي"، بين السلطة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في سبتمبر من عام 1993. ولسنا هنا بصدد مناقشة المعاهدة أو تفاصيلها فليس هذا موضوعنا هنا. ولكن ما يجب أن نشير له هو أن هذه الاتفاقية هي التي جاءت بما سمي بالسلطة الوطنية الفلسطينية الى الأراضي المحتلة عام 1967، والتي حدد اليها تولي مسؤولية إدارة الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل تدريجي. وكان من المتوقع أن يؤدي مجيْ هذه السلطة والتخفيف من حدة المجابهات والتوترات مع سلطات الاحتلال الى تحسين الوضع الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة في الأراضي المحتلة. ولكن اتفاقية أوسلو وما تبعها لاحقا بما سمي ببروتكول باريس، جاءت لتؤكد على الارتباط الوثيق بين اقتصاد الأراضي المحتلة وإسرائيل وفرض التعاون بينهم، بمعنى أن عملية الحاق وضم الاقتصاد الفلسطيني أصبحت في واقع الامر مكبلة للجانب الفلسطيني رسميا بالاتفاقيات. وتجدر الإشارة هنا على ان الحدود والمعابر والعلاقات والتعاون مع الدول المجاورة، بالإضافة الى المواضيع الأساسية كالقدس، وقضية اللاجئون الفلسطينيين والمستوطنات اليهودية في الأراضي التي احتلت عام 1967 اجل البحث فيها الى ما بعد، على ان يبدأ التباحث بها بعد ثلاث سنوات من توقيع الاتفاقية. ولقد حددت هذه الاتفاقيات هوية الاقتصاد الفلسطيني المرجو اقامته واستراتيجية تنميته، إذا ما جاز لنا أن نطلق على ما اتفق عليه تنمية. لقد طلب من الجانب الفلسطيني الالتزام بإقامة المؤسسات وإعطاء الدور الريادي في الاقتصاد للقطاع الخاص، وكان أن دعم دور وموقع هذا القطاع والاستثمارات الخاصة والأجنبية وتامين مصالحهم مجتمعة، من خلال بروتكول العلاقات الاقتصادية (ابريل 1994) التي تضمن عدم تأميم أي مشروع استثماري او مصادرته، ومنح المستثمرين المحليين والأجانب إعفاءات ضريبية على مدى الخمسة سنوات الأولى بالإضافة الى ضريبة دخل تفضيلية 10% بدلا من 37.5% الى مدة زمنية تتراوح ما بين ثمانية سنوات وستة عشر سنة وذلك تبعا للمبلغ المستثمر. كما اشتملت التسهيلات على ضمان مقدم من السلطة لجميع المستثمرين بالحصول على العملات الأجنبية اللازمة لاستخدامها لأغراض خاصة بمشاريعهم. كما يتم ضمان الحرية التامة بنقل المصادر المالية للمستثمر، بما يتضمن رأس المال والارباح والملكية وغيرها الى خارج فلسطين. ,مما لا شك فيه أن كل هذه الامتيازات الاقتصادية التي وضعت لجلب الاستثمارات الأجنبية قد فرضت على السلطة من قبل البنك الدولي والمؤسسات الاستثمارية كشروط لإقراض السلطة التي لا يمكنها أن تعمل يوما واحدا دون الضخ المستمر لهذه القروض والمعونات الخارجية. فالسلطة غير قادرة على الاطلاق على دفع أجور موظفيها أو أولئك العاملين في قطاع التعليم والصحة الخ في المناطق المحتلة بشكل منتظم، دون هذه المعونات أو القروض. لا شك ان اقتصاد الأراضي المحتلة شهد نوع من النمو لسنوات قليلة بعد توقيع اتفاق أوسلو وما تبعه من بروتوكولات باريس، حيث زاد الاستهلاك العام من 280 مليون دولار امريكي عام 1993 الى 818 مليون عام 1997 بالإضافة الى النمو السريع وارتفاع الاستثمارات في قطع البناء والعمران. وفي تقديري أن هذا كان عائدا الى سببين رئيسيين أولهما ضخ الأموال من قبل الاوربيون وأمريكا الى حد ما وذلك لإعطاء الانطباع والوهم بان السلام سيجلب معه الرخاء والانتعاش الاقتصادي. أما السبب الثاني فيعود الى تدفق العديد من الفلسطينيين من الخارج مع دخول السلطة، مما أدى بالضرورة الى انتعاش قطاع البناء والتعمير وزيادة الصرف العام. هذه الفقاعة الاقتصادية سرعان ما همدت، وسرعان ما تبين أن الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وأهمها الصناعة والزراعة أو البنية التحتية للاقتصاد والخدمات الداعمة لأي نمو اقتصادي حقيقي كان ضئيلا للغاية. وفي حقيقة الامر فان القطاعات الإنتاجية الرئيسية شهدت تراجعا واضحا وتدني في مستويات الإنتاج. لا بل والأكثر من ذلك فان الإحصاءات الفلسطينية الرسمية تؤكد على أن قطاعات الإنتاج الرئيسية والتحديد الزراعة والصناعة، لم تشهد نموا منذ إقامة السلطة عام 1994. حيث تشير الارقام الرسمية بان وزن القطاع الصناعي قد تراجع من 20% من الإنتاج عام 1994 الى حوالي 10% بينما تراجع وزن قطاع الزراعة من 12% في نفس العام الى حوالي 6% في السنوات الأخيرة. هذه الأرقام التي تدلل بشكل قاطع على عدم نمو هذه القطاعات الإنتاجية الرئيسية شكلت حائلا على إمكانية خلق أماكن وفرص عمل جديدة، ووضعت عبئا على القطاع العام الذي وصلت فيه العمالة الى حد الاشباع. ولا غرابة ان تخلق هذه الصورة القاتمة للاقتصاد نسبة عالية من البطالة وخاصة في صفوف الشباب. ويشير اخر تقرير للأمم المتحدة (UNCTAD) على أن نسبة البطالة في الأراضي المحتلة قد بلغت 27% عام 2012 . اما نسبة البطالة بين الشباب الذين يبحثون عن عمل فقد بلغت 50%. كما يشير التقرير ذاته بان معدلات الفقر قد بلغت 26% عام 2011 مقسمة الى 18% في الضفة الغربية و 30% في قطاع غزة. ولا شك بان هذه النسبة لسكان غزة قد قفزت عن هذا الحد بكثير نتيجة تدمير الانفاق والحصار الخانق، هذا بالإضافة الى إيقاف المعونات التي تقدمها الاونروا لعشرات الالاف من سكان القطاع. ولا نريد أن نورد الكثير من الأرقام هنا، ولكن ما نريد أن نؤكده ان أهم ما يميز اقتصاد الأراضي المحتلة في عام 1967 هو الضعف الشديد في بنيته التحتية التي تقف عائقا أمام تطوره بالإضافة الى كونه قبل أوسلو وما بعد اوسلو اقتصاد مشوه وتابع وملحق بالاقتصاد الإسرائيلي. كما انه بمجمله، اقتصادا معتمدا على موارد خارجية بالدرجة الأولى، وزيادة على ذلك هو اقتصاد خاضع لشروط البنك الدولي المجحفة والتي تدلل كل تجارب الدول النامية أنها تودي الى تدمير وليس تطوير الاقتصاد الوطني لهذه الدول لصالح استثمارات الشركات الأجنبية والتي همها الأول والأخير تحقيق الأرباح ومزيد من الأرباح. ولا نحتاج الى دراسات معمقة كما ذكرنا سابقا لاستخلاص أن الاحتلال الصهيوني هو المسؤول الأول عما وصلنا اليه، من سياسات الاغلاق، ووضع العراقيل أمام الحركة في الأراضي المحتلة، واحتجاز الأموال التي يجمعها من الضرائب على المواد المستوردة الى الاراضي المحتلة وعدم تسليمها للسلطة بين الحين والاخر، والعديد من السياسات التي كنا قد أشرنا اليها في الجزء الأول من هذا المقال. وما نود أن نضيفه هنا هو النشاطات الإرهابية لقطعان المستوطنين الصهاينة وهم من غلاة المعاديين لكل ما هو عربي فلسطيني والذين يدمرون المحاصيل الزراعية اما بحرقها او تسليط الخنازير البرية على كروم العنب والخضار المزروعة أو القيام بسرقة المحاصيل كالزيتون أو باقتلاع أشجار الزيتون المثمرة وغيرها وكل ذلك تحت سمع وحماية جيش الاحتلال. ولقد جاء بناء جدار الفصل العنصري ليقضم مزيدا من الأراضي الزراعية، ويزيد من معاناة الانسان الفلسطيني. الكل يدرك أن الوضع في الأراضي المحتلة ينذر بالانفجار نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية وانسداد الافق امام اية تسوية سياسية. ولقد خبرنا بين الحين والأخر تقديم جرعات مسكنة وذلك عن طريق المبادرات التي تطرح بهدف ما يسمى "تحسين الأوضاع الاقتصادية للشعب الفلسطيني" ورفع مستوى المعيشة في الأراضي المحتلة، وذلك لتلاشي أن يلجأ الفلسطينيون الى ما اسموه "الإرهاب". هذه المساعي انما تأتي في محاولة تحقيق ما اسماه نتانياهو بالسلام الاقتصادي وجوهر هذه المحاولة يتضمن إقامة عدد من المشاريع الاقتصادية الزراعية والصناعية بتمويل أجنبي تعمل على استيعاب الايدي العاملة الفلسطينية وتودي الى الانتعاش الاقتصادي في الأراضي المحتلة. وفي حقيقة الامر أن فكرة السلام الاقتصادي ليست بجديدة فهذا ما نادى به شمعون بيرس حيث وجه الدعوة للبلدان العربية لإقامة شرق أوسط جديد مبني على اسس التعاون الاقتصادي لكل دول المنطقة يتم فيه استغلال بلايين الدولارات الخليجية، والايدي العاملة العربية والتكنولوجيا والمعرفة الإسرائيلية، وكان العرب بعيدين عن المعرفة والعلم. ولقد ظهرت فكرة إقامة الاحزمة الصناعية (Industrial zones) أو الميادين الصناعية 'Industrial parks" بعد فترة بسيطة من دخول السلطة الفلسطينية الى الاراضي المحتلة. ولقد تم إقامة مجمع كارني الصناعي بالقرب من معبر ايرتز على حدود قطاع غزة. اما في الضفة الغربية فهنالك ثلاثة مجمعات صناعية تحت الانشاء في جنين واريحا وبيت لحم، تم تمويلها من قبل المانيا وفرنسا واليابان وتركيا. وجميع هذه المجمعات الصناعية تأتي ضمن إطار نموذج "السلام الاقتصادي" الذي تسعى الدول من خلاله تحسين الأوضاع الاقتصادية في المناطق المحتلة كوسيلة لتشجيع وخلق الظروف للوصول الى سلام مع الكيان الصهيوني. واغلب الظن أن المقصود "بخلق الظروف للوصول الى سلام......" هو انه متى شعر الفلسطيني بالفائدة الاقتصادية وتحسين وضعه المعيشي فان مقاومته للاحتلال ستخبو، وبالتالي لن يمانع بتوقيع معاهدة سلام يتم فيها التخلي عن السيادة الحقيقية والتنازل عن حقوقه المشروعة في أرضه. وحتى لو أردنا ان نضع السياسة جانبا، فان مثل هذه المجمعات الصناعية لن تحل المشاكل الاقتصادية في الأراضي المحتلة. وهذا بشهادة بروفسور الاقتصاد أفرام كليمان في الجامعة العبرية الذي يرى أن تحسين الوضع الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحسين الوضع الأمني (لإسرائيل طبعا). وعلى ان هذه المنشآت الصناعية ليست كافية على الاطلاق لحل مشكلة البطالة الفلسطينية، حيث أن هنالك 40000 فلسطيني يبحثون عن عمل سنويا. وزيادة على ذلك فان القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين داخل أراضي 1967 وكذلك داخل إسرائيل تشكل عقبة أساسية أمام تحقيق أي تطور اقتصادي وخاصة لما لها من تأثيرات سلبية على الصادرات الفلسطينية. وهذا يكشف عن تناقض واضح بين ما تدعيه إسرائيل نظريا بدعم السلام الاقتصادي والمشاريع المشتركة مع الفلسطينيين وممارساتها على أرض الواقع. ولقد عقد مؤخرا المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن، والذي حث فيه الرئيس عباس المجتمع الدولي للاستثمار في الأراضي المحتلة، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي عن حزمة مساعدات اقتصادية بقيمة اربع مليارات دولار أمريكي لدعم مشاريع اقتصادية في الأراضي المحتلة تحت ما يسمى السلام الاقتصادي. وأخيرا نود ان نشير الا انه قد تؤدي هذه الجرعات والضخ المالي لإقامة مثل هذه المشاريع على تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على المدى القصير، ولكنها من المؤكد انها ستعمل الى تشويه بنية الاقتصاد الفلسطيني على المدى البعيد. كما أنها ستعمل على التعايش والتأقلم تدريجيا مع الاحتلال واضفاء نوع من الشرعية له والتطبيع معه وذلك بدلا من انهائه واجتثاث جذوره من أرضنا الفلسطينية. ولا شك أن الخطأ القاتل والعلة الأساسية فيما يختص باقتصاد الاراضي المحتلة، هو اعتقاد بعض الاطراف الفلسطينية وخاصة تلك التي تمتلك وتستحوذ على القرار في السلطة بانه من الممكن إقامة وتطوير اقتصاد وطني فلسطيني أو بناء مؤسسات دولة فلسطينية تحت الاحتلال. هذا وهم ما بعده وهم كما تثبته التجربة اليومية في الأراضي المحتلة.