2026-09-14 01:05 م

اقتصاد الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 والسلام الاقتصادي (1)

2013-10-06
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني  
لا يحتاج المرء لان يكون عالما اقتصاديا ليدرك بأن االوضع الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية التي أحتلت عام 1967 وضع مزري وخانق للغاية بامتياز، بالرغم من ضخ الأموال الاوربية وغيرها وإقامة المشاريع والأنشطة الاقتصادية المختلفة وتحت العديد من المسميات والتي سناتي على ذكرها ومناقشتها لاحقا في هذا المقال. مما لا شك فيه أن الضائقة والازمة الاقتصادية الخانقة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 تعود بمجملها للاحتلال الصهيوني الذي ما زال جاثما وقائما فعليا على الأرض بالرغم من كل التهليلات بوجود ما يسمى بالسلطة الفلسطينية والتي في حقيقة الامر ليست بسلطة ولاتسيطر على أي جزء من هذه الأراضي، والجميع يعرف ذلك حق المعرفة. وكان ان عمد الاحتلال الصهيوني منذ احتلال هذه الأراضي عام 1967 الى الحاق اقتصاديات الاراضي الفلسطينية وتكاملها بالاقتصاد الإسرائيل، مما أدى الى نمو اقتصاد تابع ومسلوب حرية القرار. ولقد شكلت الأراضي المحتلة مصدرا رئيسا للايدي العاملة الفلسطينية الرخيصة للعمل داخل الكيان الصهيوني وخاصة في قطاع البناء والزراعة وبدرجة اقل في قطاع الصناعة والخدمات. ولقد تم استيعاب ما يقرب من 40% من القوى العاملة الفلسطينية في مجمل هذه القطاعات على حسب الإحصاءات الرسمية. وقد تكون النسبة الفعلية اكبر من ذلك نظرا لوجود العديد من العمالة الفلسطينية عملت بشكل غير قانوني في ذلك الوقت، والتي تعرضت بالتأكيد لمزيد من الاستغلال وخاصة في الأجور من قبل رجال الاعمال الإسرائيليين. بالإضافة الى ذلك شكلت الأراضي المحتلة سوقا أسيرةcaptive market) ) للبضائع الإسرائيلية مع غياب شبه تام للمنافسة الخارجية. ولقد شكلت الصادرات الاسرائيلية الى الأراضي المحتلة عام 1967 ما يقارب من 961 مليون دولار أمريكي على حسب أرقام عام 1987، هذا في الوقت الذي شكلت في الصادرات الفلسطينية الى داخل الكيان الصهيوني حوالي 304 مليون دولار. بمعنى أن الميزان التجاري كان مائلا والى حد كبير لصالح العدو الصهيوني. ,وزيادة على ذلك فقد قامت سلطات الاحتلال الصهيوني بوضع العراقيل لمنع نشؤ أية أنشطة اقتصادية قد تشكل مصدرا تنافسيا للبضائع الاسرائيلة أو تهدد أية عنصر من مرتكزات السياسة التي ينتهجها الاحتلال لهذه المناطق. ويكفي ان نعطي مثالا بسيطا لندلل على ما نقول. في فترة من الفترات ما قبل التسعينات أنشأت عدد من المزارع لتربية الدجاج لبيعه في أسواق الضفة الغربية ونظرا لعدم وجود الثلاجات الضخمة كتلك المتواجدة في المزارع الإسرائيلية، كان على أصحاب مزارع الدجاج الفلسطينية بيع الدجاج متى يكون جاهزا للتسويق ببيعه في أقرب فرصة. هذا النشاط الاقتصادي على الرغم من صغره ومحدوديتة لم يرق لاصحاب المزارع الإسرائيلية حيث ارتاءت فيه نشاطا منافسا لها. وعمد أصحاب هذه المزارع على تخزين اعداد كبيرة من الدجاج بعد ذبحه بالثلاجات وانزاله في أسواق الضفة الغربية دفعة واحدة مما كان يؤدي بالطبع الى انخفاض حاد في أسعاره. وهذا أيضا لا يحتاج الى خبير اقتصادي ليدرك مدى خطورة ما شكله هذا على المزارع الفلسطيني الصغير، والى النهاية المتوقعة وهي افلاس المزارع الفلسطسنية التي لم تستطيع تحمل الخسارات المتتالية نتيجة هذا الوضع. أما القطاع الزراعي فقد اكتسب أهمية كبرى لانه بالإضافة الى الأهمية الاقتصادية لذلك، فان هنالك عاملا سياسيا مهما لهذا القطاع، لكون ان الأرض تشكل أساس الصراع مع العدو الصهيوني. ولخنق القطاع الزراعي وممارسة الضغوطات على الفلاح الفلسطيني لهجر العمل في أرضه انتهج الاحتلال الصهيوني عدة أساليب وسياسات. فقد استولى على أحد اهم المصادر الطبيعية للزراعة الا وهي المياه الجوفية والسطحية. ولم يسمح الاحتلال منذ عام 1967ولغاية بداية التسعينات لأي فلسطسني بحفر أي بئر ارتوازي جديد، وكانت الآبار الارتوازية تشكل مصدرا أساسيا للمياه الخاصة بالزراعة. وقامت سلطات الاحتلال بوضع عددادات على الابار المتواجدة لمراقبة وتقنين استخدام المياه بحيث لا يتجاوز الفلسطيني الحدود الذي رسمته له قوات الاحتلال. بالإضافة الى ذلك قامت قوات الاحتلال الصهيوني بمصادرة الأراضي الفلسطينية والبدء ببناء المستوطنات السرطانية اليهودية على الأراضي المصادرة. وتم اغلاق العديد من المناطق واعلانها مناطق عسكرية مغلقة امام الفلسطيني والذي فقد مزيد من أرضه نتيجة هذه السياسة، كما منع العديد من الفلاحين الفلسطينيين من زراعة أرضهم أو قطع محاصيلها في أوقات الحصاد. كل هذا شكل عبئا اقتصاديا على الكثير من العائلات الفلسطينية واضطر العديد منهم على ترك الأرض والتوجه للعمل داخل الكيان الصهيوني لتحصيل وسيلة العيش. أما الاغوار والتي شكلت زراعتها مصدر رئيسي للقطاع الزراعي لخصوبتها واحتوئها على مخزون كبير للمصادر المائية الجوفية فقد استولت عليه سلطات الاحتلال الصهيوني ومنعت سكانها من دخولها وقامت بصادرة معظمها (وبالمناسبة هذه البعض من الأراضي التي ترفض إسرائيل خضوعها للمفاوضات، بمعنى أنها استولت عليها نهائيا). ولم تكتفي سلطات الاحتلال بتدمير الجزء الأكبر من القاعدة الاقتصادية الزراعية بل عمدت أيضا على اجراء بعض التغييرات في الهيكلية الزراعية فقد شجعت بعض المزارعين الفلسطينيين بترك زراعة المحاصيل التقليدية مثل الحبوب والقمح والتوجه نحو زراعة المحاصيل النقدية (cash crops) وذلك نظرا لحاجة اسرائيل لها لتصديرها. ويضاف لكل ما ذكر اعتبار الأراضي المحتلة المكان الذي تجلب له البضائع الإسرائيلية الغير قابلة للتصدير وذلك لعدم موافاتها للمقاييس والشروط الأوروبية أو الامريكية. هذه السياسة الاقتصادية المبرمجة والممنهجة التي اتبعها الاحتلال الصيهوني لم تأتي اعتباطا بل أتت ضمن رؤية سياسية لطابع ومستقبل الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967. فقد شكل احتلال هذه الأراضي الفلسطسينية ومنذ البداية، فرصة لتحقيق السياسة التوسعية للتيارات الصهيونية المختلفة وذلك بضم هذه الأراضي وبالتالي بسط السيطرة الصهيونية على كافة أراضي فلسطين التاريخية. ولا شك ان الهدوؤ النسبي للمناطق المحتلة عام 1967 زاد من شهية الفريق الصهيوني الذي كان يدعو لضم هذه الأراضي، والذي استخلص خطأ بان السياسة الاقتصادية التي اتبعت في هذه الأراضي قد نجحت الى حد كبير في خلق شرائح اجتماعية كبيرة في المجتمع الفلسطيني التي يعتمد وجودها ومصالحها الاقتصادية وربما السياسية مرتبط بالاحتلال وبقائه. وجاءت الانتفاضة الاولى عام 1987 في الأراضي المحتلة عام 1967 لتبدد أحلام هذا الفريق، وتؤكد عقم السياسات التي اتبعتها قوات الاحتلال الصهيوني وأجبرته على إعادة تقييم ومراجعة مواقفه السياسية من هذه الأراضي وخاصة ,ان التيار الصهيوني الذي كان قد أشار الى خطورة العامل الديموغرافي على الهوية اليهودية للكيان الصهيوني قد بدأ يأخذ حيزا أكبر في السياسة العامة للكيان الصهيوني. ولقد بينت الانتفاضة للعدو الصهيوني ولأول مرة ربما وبشكل جلي، الكلفة الاقتصادية والسياسية والخسارة المتوقعة على مستوى الدعم الدولي والرأي العام العالمي التي حظيت به إسرائيل ولعهود نتيجة الضخ الإعلامي الكاذب حول كونها واحة "اليمقراطية" الوحيدة في المنطقة. فقد كشفت ممارسات قوات الاحتلال الصهيونية مدى الوحشية التي يتمتع فيها هذا الكيان العنصري في التعامل مع الفلسطسينيين المدنيين العزل، الا بايمانهم بالحياة الكريمة والإصرار على مقاومة الاحتلال. ولقد أدرك الكثيرون من الصهاينة أن الاحتلال أصبح مشروعا خاسرا ولا بد من احتواء الموقف حتى لا تصل الأحوال الى ما هي أسواء مما عليه. ولا شك أن هذه القناعة الى جانب ما كنا قد أشرنا اليه في مقال سابق عن القنبلة الزمنية الديموغرافية مهدت الطريق أمام المباحثات السرية بين الطاقم الصهيوني والفئة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية والتي ارادت ومن موقف انتهازي بحت وعدم تقدير العواقب، ان تستثمر فيما حققته الانتفاضة من مكاسب سياسية. ولقد ولدت هذه المباحثات السرية الاتفاق المسخ وسيء الصيت "اتفاق أوسلو". وهذا ما سيقودنا لمناقشة الأوضاع الاقتصادية لمرحلة ما بعد أوسلو والممتدة الى الوقت الحاضر في الجزء الثاني من هذا المقال.