2026-09-14 11:03 م

الـطـاولـة الـرمـلـيّـة ،،، وصـراع الـقـرن

2013-10-05
بقلم: سمير الفزاع
الطاولة الرمليّة العسكريّة ؛ طاولة مستطيلة يقف حولها كبار القادة لمتابعة مجريات الحرب ، وتطورات الميدان ، ولرسم إستراتيجيات الحرب ، وتكتيكات المعارك . يضعون فيها خلاصتهم الإنسانيّة ، من فكر وخبرة وصبر ومعتقدات وأمال وأحلام . ويحملون معهم أمانة المستقبل ، وتطلعات شعوبهم ، وأثقال قضاياهم الكبرى . ويسخرون فيها عناصر التاريخ ، وسطوة الجغرافيا ، والمخزون الحضاري للأمة . يختلف حجمها بإختلاف التشكيل العسكري الذي يستخدمها ( الكتيبة 4 متر × 2 متر، اللواء 6 متر × 3 متر، الفرقة فأعلى 8 متر × 4 متر، والارتفاع ثابت 20 سم ) وتكون مملوئة بالرمل ، وتمثل سطح أرض المعركة بدقة ، فيما يتعلق بالشكل والمساحة ومقياس الرسم والاتجاه . وتقدم تصور دقيق لإنتشار قوات الطرفين المتقاتلين ، وواجبات التشكيلات الهجوميّة ، والأنساق الدفاعيّة ، ونقاط الإشتباك ، والثغرات الممكنة ، وخطوط الإمداد ، والقوات الإحتياطيّة ... إنها الحرب مصغرة ولكن بلا أصوات المعركة ، أو دمائها النازفة . في الحرب على سوريا يمكننا العثور على طاولة رمليّة هائلة في تفاصيلها ، وكثيرة في أطرافها المتصارعة ، ومعقدة الإشتباكات ومتنوعة في مستوياتها ، مفصليّة الأهداف والنتائج على مستوى الإقليم ؛ بل والعالم . يتشابك فيها ويتداخل القريب بالبعيد ، والمادي بالروحي والمعنوي ، والشخصي بالموضوعي ، والمنفعي بالأخلاقي ، والتاريخي " بالطاريء " ، والعسكري بالسياسي ، والمُعلن بالمضمر ... الصراع فيها ممتد من واشنطن حتى مسقط ، ومن مقديشو حتى موسكو . طاولة يقف أمامها هنا الفريق بشار حافظ الأسد وسماحة السيد حسن نصر الله وحولهما عدد من رجال الله والوطن والأمة ، وبالقرب منهم حلفاء كبار كإيران وروسيا والصين ... . وفي الطرف الآخر من المعركة يقف أوباما وهولاند ونتنياهو وأردوغان وبعض الصغار . ولأن هذه الحرب " الصراع " واسعة ، ومتنوعة ، ومتداخلة ... سأتحدث عن ثلاثة عناوين كبرى فقط كمحاولة لتفكيك المشهد " طاولة الرمل " ، وبالبعد الإستراتيجي لها مع بعض الأمثلة حيث أمكنني ذلك . 1- الإسلامويّة وجهاً لوجه مع القوميّة . وأقصد هنا بالإسلاموية : تلك الحركات الإسلاميّة شعاراً ، والعابرة للقوميّات إمتداداً ، والعنيفة نهجاً ، والنفطيّة تمويلاً ، والإلغائيّة والتفتيتيّة فكراً ، والغرب – أمريكيّة ولاءاً . اليوم ، يمكن لأي ملاحظ موضوعي أن يكتشف بكل يُسر أن الجذر الحقيقي لهذا " الربيع " المشؤم ، والذي يمنحه شكله ولونه وطبيعته وأهدافه ، هو التحالف العميق بين الطرف الصهيو – غربي ممثلاً بأمريكا ، مع الإسلام السياسي ممثلاً بالإخوان المسلمين وأمتداداتهم ، وجماعات الإرهاب المنظم ذات الغطاء الإسلامي ، مدعوماً بمال النفط الخليجي . وبمعادلة أكثر تكثيفاً ؛ تحالف الإمبرياليّة العالميّة ومركزها الأمريكي مع البرجوازيّة الطفيلية والكومبرادوريّة بواجهتها الإسلاميّة . لقد جيء بهذه الإسلامويّة لإتمام مشروع القضاء على الهويّة العربيّة ، وإنهاء حلم كلّ قومي عربي إلى الأبد . لقد بقيت هذه الحركات تحاول جاهدة طوال قرن مضى أن تُظهر سلميّة لم تكن من طبعها ، وتصالحيّة مع العروبة لم تكن من جوهرها ، ومقاومة للمحتل – الغربي عموماً والصهيوني خصوصاً – لم تكن يوماً من أهدافها وأولوياتها . عندما بدأت الحرب على سوريا حاولت هذه الحركات الإستمرار بإدعاءاتها وأساليبها ، ولكن صمود سوريا وصبرها ، وإستنفاذ كلّ الوسائل التي أُتبعت في تونس ومصر وليبيا واليمن ، إضطر هذه الحركات أن تكشف عن وجهها ، وتُسفر عن أهدافها ، وتُظهر إرتباطاتها . فنصر سوريا هو نصر لكل قومي ، ونصر لكل تقدمي ، ونصر لكل من يؤمن بالتنوع الديني والسياسي والإجتماعي والثقافي . 2 – سايكس – بيكو " الربيع العربي " وجها لوجه مع البحار الخمسة . في العام 1981 صرح زبيغنيو بريجنسكي مستشار الامن القومي الاميركي الأسبق ، والحرب العراقية الايرانية في أوجها " إن المعضلة التي ستعانيها الولايات المتحدة من الآن وصاعداً هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجيّة ثانية تقوم علي هامش الحرب بين العراق وايران ، وتستطيع اميركا من خلالها تصحيح حدود سايكس – بيكو " . فكان غزو العراق للكويت بعد عقد تقريباً ، ثم إحتلال العراق ذاته بعد عقد آخر تقريباً !!! . ثم يعود ذات الشخص " بريجنسكي " ليقول في كتاب أصدره بعد إحتلال العراق بعنوان ( الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم ) وأرجو هنا التدقيق في كلّ حرف وخصوصاً العبارات المميزة بخط تحتها ، والتأكد ؛ هل سيختلف المعنى كثيراً لو إستبدلناها بما يجاورها من كلمات وضعتها بين قوسين صغيرين للتأكيد بأن هذا " الربيع " ما هو إلا مشروع غربي وأمريكي ، في حقبته الإخوانيّة على الأقل . يقول بريجنسكي : إن التبني الدولي لصيغة قابلة للبقاء " الشرق الأوسط الجديد ثم الربيع العربي " للتعايش بين إسرائيل وفلسطين لن يحل الصراعات المتشعبة الأكبر في المنطقة ، لكن سيكون له فائدة ثلاثية : سيقلل إلى حد ما من تركيز الإرهابيين " حلف المقاومة " الشرق أوسطيين على أميركا ، وسينـزع فتيل الانفجار الإقليمي المرجح " تداعي أنظمة حلفائنا ، ورغبة حلف المقاومة في إسترداد المنطقة منّا " وسيسمح بقيام أميركا والاتحاد الأوروبي بمسعى منسق للتعامل مع المشاكل الأمنية في المنطقة بدون الشروع في حملة معادية للإسلام " تحقيق الأهداف بالتحالف مع الحركات الإسلامويّة " . من هنا يمكن القول بأن الجزء الخفي في النسق الذي حكم حركة ما يسمى " الربيع العربي " هو تجاوز حدود سايكس – بيكو لصالح صيغة أكثر مرونة وحركيّة ، صيغة تسمح بنقل أثر هذا " الربيع " من بلد لآخر حسب الحاجة من جهة ، وتحريك ونقل عناصر قوة هذا " الربيع " من بلد لآخر من جهة أخرى . صيغة ذات رداء إسلامي ، منسجمة مع أمريكا ومصالحها . فمثلاً ، من " عناصر القوة " في هذا " الربيع " السلاح الممول خليجياً والمُورّد والمُوزع عربيّاً وغربيّاً وأميركيّاً ، والأمواج التي لا تنتهي من جماعات الإرهاب المنظم ، وتدفق المبالغ الماليّة الضخمة عبر الحدود ، كلّ ذلك " يمر " دون أدنى ممانعة من قبل الدول المجاورة لسوريا ... هل يمكن لكلّ هذه العناصر أن تتحرك بكل هذه الحرية دون علم أمريكا ؟ إنها تأتي من دول حليفة لأمريكا ، وتعبر حدود دول حليفة لأمريكا فهل من المعقول أنها لا تسير وفق المصالح الأمريكيّة ؟ . ولأن عالم اليوم هو عالم التكتلات الكبرى و" التحالفات " طرح الرئيس بشار حافظ الأسد مشروع البحار الخمسة ( المتوسط ، قزوين ، الأسود ، الأحمر ، الخليج العربي ) وكان نصب عينيه عدة أهداف منها : 1 - بناء كيان أمني وعسكري ضخم ومرعب ، يصنع توازن عسكري مع الإتحاد الأوروبي وأمريكا ، ويطيح بأي قطبية أحاديّة لقيادة العالم ، ويقلل من فرص حدوث الحروب في حال إنجاز المشروع . 2 - إسقاط مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بدأت أمريكا تسعى لتشكيله بعد أن إحتلت العراق – وهكذا أصبحت الجار القريب لسوريا كما قال " كولن باول " يوماً - ، والذي أعلنت عنه بقوة " كوندليزا رايس " من بيروت ، فيما كان طيران العدو الصهيوني يقصف لبنان بشدة في حرب تموز 2006 . 3 - تسهيل حركة التجارة والسياحة ورؤوس الأموال ، وتحقيق التكامل الإقتصادي بين دول هذا المشروع الواسع ، عبر إنشاء شبكات واسعة من الطرق وسكك الحديد وخطوط الطيران ... والأسواق الحرة والمصارف المشتركة والإعفاء الجمركي وإلغاء التأشيرة للأفراد والربط الكهربائي ... ما يقلل تكاليف الأنتاج ويقوي إقتصاديات هذه الدول . 4 – إستغلال موقع سوريا الجغرافي الفريد لتصبح الميناء الأول والأكبر والأقرب لتصدير غاز ونفط كلّ من العراق وإيران وجزيرة العرب مباشرة عبر المتوسط إلى المستهلكين ، فهي عقدة الإتصال في قلب هذا المشروع ، والمحطة الإجباريّة بين شماله وشرقه وجنوبه . ولأن هذه التكتلات والأحلاف سلاح ذو حدين ، فقد ينتج عنها الصراعات ، وبنفس الوقت قد تعزز فرص السلام . تحرك حلف " المتضررون " وأدواتهم ، ومن سيكون هؤلاء غير أمريكا والكيان الصهيوني ودول أوروبا الإستعماريّة ، وكلّ أدواتهم من دول لا تملك قرارها ، وجماعات تتلحف عباءة دولارها ، وعملاء صغار هنا وهناك . فوجهوا كلّ ما أمكنهم من أدوات القتل والإجرام لقلب هذا المشروع " البحار الخمسة " ، وأول من تحدث به ودعى له ، أي سوريا . 3 – المنطق القومي - المبدئي وجها لوجه أمام المنطق التابع - التفريطي . في الحرب على سوريا ؛ ظهر بوضوح كم أن هناك فرق شاسع بين من يُدير سياسة وطنيّة المنشأ قوميّة الهوى ، وآخرون ينفذون سياسة تابعة خاضعة لإملاءات وأوامر السيّد الأمريكي . كان هذا جليّ حدّ الفضيحة في نيويورك ؛ عندما ركض الأمريكي خلف الروسي والإيراني ، وعندما تخلى عن " إلتزاماته " حتى مع من كان يظن نفسه رئيساً لدولة كبرى مثل فرنسا ؛ فكيف كان حال العملاء الصغار مثل تركيا وقطر والسعوديّة ... ؟ يقول أحد الأقلام النفطيّة المأجورة " عبد الرحمن الراشد " : الكثيرون الذين انتظروا صواريخ «توما هوك»، تأديبا للنظام السوري ورسالة للنظام الإيراني الذي يطور سلاحه النووي، هزتهم أخبار المكالمة الهاتفية، فهي الأولى بين رئيس أميركي ورئيس إيراني في 34 سنة، تلتها التصريحات الاحتفالية في واشنطن وطهران بـ«التقدم» الجديد في كسر الجليد بين البلدين! . وقد هزت المكالمة الأوباروحانية دوائر القرار في الخليج والأردن وتركيا وإسرائيل وغيرها. ما الذي يحدث؟ روحاني يقول إن أوباما هو من اتصل به، مرة وهو يستعد لمغادرة الفندق والثانية وهو في السيارة في طريقه للمطار... " . ولتوضيح الصورة أكثر ، سأقدم ما يمكن وصفه بالتعريف بالضد ، أي التعرف إلى الشيء بعكسه وضده . ماذا لو كانت أمريكا اليوم مزهوة بإنتصاراتها على سوريا ، وبضمها لمنظومة دول " الربيع العربي " فأي مشهد كنا سنرى ؟ الغرب يَسُنُّ سكينه ليقتسم كامل المنطقة على النحو الذي يشتهيه ، ودول العمالة والإرتزاق تتهيأ لتصفية عدة عناوين كبرى تؤرقها وتؤرق أسيادها دفعة واحدة ، كالقضية الفلسطينية والقومية العربية والإسلام المحمدي والمسيحية المشرقية وأي شكل للتنوع في المنطقة … وحالة هستيريّة من تشظي دول المنطقة مذهبيّاً وطائفيّاً ودينيّاً وعرقيّاً ... تمهيداً للدخول في العصر الأمريكي الذي بَشّر به أوباما في جامعة القاهرة وفي تركيا ، ونظر له برنارد لويس وهنري ليفي وآخرون . وكلّ ذلك كان ممكن فقط إذا سقطت سوريا . لقد أسقطت سوريا بصمودها وصبرها ونصرها – مرة أخرى - هذا المنطق الإلحاقي الإستعماري الغربي ، وما يقابله من منطق تابع وتفريطي رجعي عربي . لم تكتف سوريا بإسقاط هذا المنطق التفريطي والعميل ؛ بل هي اليوم تُسقط منظومة كاملة من موازين القوى والعلاقات الدوليّة المختلة ، والتي بقيت سائدة خلال ربع قرن مضى على الأقل ، منظومة سمحت لأمريكا بإنتهاك سيادة دول ، وغزو أو إحتلال أو كليهما دول أخرى ، مثل اليمن وباكستان العراق وأفغانستان والصومال ومصر والسودان وليبيا ... وإنتهاك حقوق الإنسان في طول العالم وعرضه ، وإقامة السجون السريّة ، وتنفيذ " مجازر " بحق الإنسانية جمعاء ؛ كما جرى في سجن أبو غريب ومعتقل غوانتانامو ... . أخيراً ، حتى اللحظة يصعب على أيّ منّا تخيل معظم نتائج سقوط المشروع الأمريكي ومفرداته الإستراتيجيّة في المنطقة – التي ذكرت بعض منها – على الإقليم والعالم . ما جرى معركة كبرى في حرب تاريخيّة على هذه البقعة من العالم ، معركة فاصلة خسرت فيها أمريكا وحلفائها وأدواتها ، فأي أثر ستتركه هذه الخسارة الإستراتيجيّة على المشهد الكلّي للطاولة الرمليّة ؟ وما تأثيره على الجبهات الأخرى ؟ وكيف ستتصرف القوى المعادية بعد هزيمتها ؟ أين ستتراجع ، وأين ستُدافع ، وأين ستهاجم – إن إستطاعت - ؟ وهل ستكون هذه الهزيمة آخر الهزائم ؟ أم أن هذه الهزيمة ستكون مقدمة لهزائم أخرى أعظم وأكثر دراماتيكية ؟ وما هي تداعيات هذه الهزيمة على دول وقوى العدوان الإقليميّة ؟ أسئلة كثيرة تحتاج لإجابات ، ولكن الغد لن يكون بحال من الأحوال مفصول بالمطلق عن اليوم والأمس . في الأمس قاومنا ، واليوم إنتصرنا ، فأي غد سينتظرهم ؟ بكل تأكيد سيكون لنا كلمة فاصلة في شكله ولونه وجوهره ، على الأقل في منطقتنا العربيّة ، فهذه المنازلة التاريخيّة إنتظرناها منذ زمن كما قال الرئيس الأسد ، وسننتصر بها ، وقد فعلنا اليوم ، وسنفعل غداً .