مما لا شك فيه أن المظاهر والسلوكيات والتصريحات لكل من الرئيس أوباما والسيد روحاني ووزير خارجيته والتي دللت مؤخرا على إمكانية حدوث نوع من التقارب والانفراج في العلاقات الامريكية الإيرانية بعد قطيعة امتدت من 1979 العام الذي حدثت فيه الثورة الإيرانية، أثار حفيظة دولة الكيان الصهيوني التي كانت تعول على التدخل الأمريكي العسكري المباشر لضرب المنشآت النووية الإيرانية والتي تعتبرها إسرائيل تهديدا مباشرا لأمنها ووجودها. كما أن هذا التقارب المحتمل ولد توترا شديدا وارباك عند الكثير من الدول الخليجية التي أعطت ووهبت على مدى العقود الماضية بلايين الدولارات وفتحت أراضيها لجحافل الجيش الأمريكي متخلية عن سيادتها بالسماح للولايات المتحدة بإقامة القواعد العسكرية على أراضيها واستضافة اساطيله في مياهها بشكل دائم واستخدام هذه القواعد ومراكز التحكم بالاعتداء المباشر على الدول كما حدث في العراق أو الغير مباشر كما حدث ويحدث في أفغانستان والقرن الافريقي واليمن وسوريا. هذا بالإضافة الى قبولها الضمني للسماح للولايات المتحدة بالسيطرة على المخزون الهائل من الطاقة في حالة تعرض المنطقة لأي خطر قد يهدد امدادات النفط الى الأسواق العالمية بأسعار معقولة التي تضمن عدم تزعزع الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ومما لا شك فيه أيضا أن هذه الدول التي اعتمدت وما زالت على بقائها وبقاء أسرها الحاكمة في سدة الحكم على الراعي الأمريكي مرتعبة من هذا التقارب وإمكانية التخلص من قياداتها السياسية، وخاصة أن ما حصل لمبارك مصر وزين الدين عابدين تونس، وتخلي الإدارة الامريكية عنهم على الرغم من الخدمات الجليلة واللامتناهية التي قدموها لأمريكا في المنطقة، ما زال ماثل أمامهم. وكلنا يذكر الدعوات التي اطلقتها العناصر المتنفذة في حكومة الكيان الصهيوني للدول العربية وبالتحديد للسعودية للتعاون مع الكيان الصهيوني بدلا من أمريكا. وكانت أن أبدت السعودية الكثير من الامتعاض لتخلي الإدراة الامريكية عن حلفائها بهذه، وقد عمدت مع بقية الدول الخليجية لحث أوباما على عدم التخلي عن مبارك دون فائدة تذكر. ولعل هذا ما شجع السعودية على فتح قنوات اتصال سرية مع الكيان الصهيوني. وبالطبع لم يعد الامر سرا الان وخاصة بعدما أفصح نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام وعلى الملأ بان " المخاطر المترتبة على ايران النووية بالإضافة الى التهديدات الأخرى في المنطقة جعلت بعض الدول العربية أن تدرك أخيرا بان إسرائيل ليست عدوتهم. وهذا ما سيتيح لنا فرصة التغلب على عدائنا التاريخي وبناء علاقات جديدة، وصداقات جديدة وامال جديدة". واستطرد قائلا" اننا نأمل ان مصالحنا المشتركة والتحديات المشتركة ستساعدنا على بناء مستقبل آمن....". وهكذا وبجرة قلم تسقط ورقة التوت عن أنظمة الخيانة والعمالة التي على ما يبدو ستستبدل راعيها وضامن عروشها وكروشها الذي قرر الرحيل من المنطقة تاركا ربيبته للحفاظ على "أمن" المنطقة أو على الأقل اسناد الدور الرئيسي لها. وكانت أن ذكرت القناة الثانية الإسرائيلية عن أن نتنياهو يشرف شخصيا على سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع ممثلين لبعض الدول الخليجية التي قامت بزيارة اسرائيل مؤخرا للتباحث بالخطوات التي يمكن إتخاذها بشأن برنامج ايران النووي. ولقد أوضحت جريدة ذي تايمز اوف إسرائيل اون لاين في عددها الصادر بتاريخ 2 أكتوبر بان الدول الخليجية المنخرطة في المباحثات الأخيرة لا تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وذكرت الصحيفة بان السعودية والكويت ودولة الامارات العربية صرحت علنا بانها ضد البرنامج النووي الإيراني، وربما كان هذا تلميحا للدول الخليجية التي تشترك في المباحثات مع الكيان الصهيوني بهذا الشأن.
أما عن الامتعاض الإسرائيلي الكبير من المواقف الامريكية الأخيرة بشأن الموضوع النووي الإيراني والتقارب النسبي الي حصل مؤخرا بين الإدارة الامريكية وإيران ممثلة برئيسها السيد روحاني ووزيرخارجيته، فقد كان واضحا في لهجة وحدية الخطاب الذي القاه نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث خصص معظم الخطاب للهجوم على ايران وبرنامجها النووي وشكك في النوايا الإيرانية والمرونة النسبية التي ظهرت في خطاب السيد روحاني والذي خلق أجواء وانطباعات إيجابية للغاية. وربما هذا ما يفسر الغضب الإسرائيلي وتخصيص ثلاثة صفحات من أصل الخطاب المتضمن بعشرة صفحات ونصف للهجوم على روحاني بالتحديد، إدراكا منه أن الملعب الدولي لم يعد ملعبا إسرائيليا وأن لغة التهديد والوعيد باستخدام القوة والمغالاة في حيثية البرنامج النووي الإيراني لم تعد مجدية وأكثر من ذلك لم تعد مقنعة للرأي العام العالمي الي يراد له أن ينجر الى حروب مدمرة لا ناقة له بها ولا جمل، هذا بالإضافة الى أنها غير مبررة ولا شرعية تحت أية طائلة، والحرب الطاحنة والعدوان على سوريا أكبر دليل على ذلك.
وفي حركة صبيانية استعراضية غادر الدبلوماسيون الاسرائيليون قاعة المؤتمر في الأمم المتحدة قبل أن يبدأ الرئيس روحاني كلمته. وتأتي هذه الخطوة لتبين مدى العزلة التي تعيشها إسرائيل في وقوفها وبشكل فج ووقح ضد التوجه الدولي الذي يسعى لتهدئة الأمور وإعطاء فرصة للسلام فقد سئم العالم وكافة شعوب الأرض الحروب والتدمير وعدم الاستقرار الذي ينعكس سلبا على كافة مناحي الحياة. ويحق ليوري أفنيري الكاتب الإسرائيلي الذي ينتمي الى حركة السلام الإسرائيلية لوصف هذه الخطوة بالغبية ومشبها إياها بغضب الطفل عندما تؤخذ منه لعبته المفضلة.
ولقد اجمع العديد من المراقبين والمحللين بأن خطاب نتنياهو لم يأتي باي شيء جديد في مواقف نتنياهو وأنه فشل في كسب وسائل الاعلام العالمية وحتى الإسرائيلية منها. واعترفت صحيفة معاريف الاسرائيلية المحسوبة على اليمين الإسرائيلي بان ايران نجحت في تغير الخطاب العالمي وان نتنياهو لم يعد الرجل الذي يتحكم بالنغمة على المستوى العالمي. وقد احتوى خطابه على العديد من الادعاءات المشكوك بأمرها والفاقدة للمصداقية. فقد ادعى في خطابه بان ايران تعمل على تطوير صواريخ بالستية عابرة للقارات بهدف الى تحميلها رؤوسا نووية، والقادرة على الوصول الى نيو يورك. هذا في الوقت الذي لا تبدي فيه ايران أي اهتمام أو نية بمثل هذه الصواريخ وذلك على حسب تصريح ادلى به كريج ثيلمان الخبير بمراقبة الأسلحة الدولية مؤخرا( صحيفة نيو ريبابلك الامريكية 1 اكتوبر 2013). بالإضافة الى ذلك فقد احتوى الخطاب نفاقا مثيرا للسخرية والاستهجان حيث تضمن خطابه إدانة للرئيس روحاني والإيرانيين باتباع " الخداع والسرية" في تطوير الأسلحة النووية. يقف نتنياهو ومن على المنصة الدولية ليتفوه بهذا بكل وقاحة متناهية، وهو العالم ان بلاده وبخلاف إيران لم توقع معاهدة حظر الأسلحة النووية أو أي من أسلحة الدمار الشامل. وكيانه الصهيوني عمل منذ خمسون عاما وما زال لتطوير وإنتاج ترسانة من الأسلحة النووية تحت غطاء كامل من السرية. وعندما كشف المدعو فانونو الإسرائيلي الذي عمل في مفاعل ديمونا النووي بعض من الاسرار بعدما فر من داخل إسرائيل لاحقه الموساد الإسرائيلي وتم خطفه من دولة أوروبية وأخذ عنوة وسرا الى إسرائيل ووضع في السجن لسنوات عديدة في زنزانة انفرادية. وعندما زار د. البرادعي إسرائيل ليناقش إمكانية انضمام إسرائيل الى منظمة حظر الاسلحة النووية أخذ في طائرة هيلوكبتر التي دارت لدقائق معدودة في منطقة المفاعل وكان هذا حدثا للصحافة العالمية ولم يسمح له بالدخول الى منطقة المفاعل الذري. العالم يدري كل هذا وكان الأولى بنتنياهو أن لا يضع نفسه في هذا الوضع المحرج والغبي.
نتنياهو لم يكن راضيا على الموقف الأمريكي الذي يبدو أنه سينحى الى الطرق السلمية لحلحلة الملف النووي الإيراني بدلا من التلويح بالحل العسكري، وذلك للعديد من الأسباب الذاتية والموضوعية والتي تحول دون الاخذ بالمنحى العسكري على الأقل على المدى المنظور. ولا يحتاج الامر الى الكثير من المراجعة والتمحيص والتدقيق لرؤية أن أمريكا لم تعد القطب الواحد الذي يتحكم في العالم وفي رقاب العباد فهنالك قوى عالمية صاعدة أثبتت قدرتها على فرملة الاندفاع المتهور لإشعال الحروب الغير مبررة والظالمة بهدف الهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب. هذا بالإضافة الى الأوضاع الاقتصادية العالمية المتردية وخاصة في الدول الرأسمالية والتي ظهرت بحدة واشتدت عام 2008 والتي أودت بالكثير من البنوك والمؤسسات التجارية والشركات العالمية الضخمة والوصول الى اعلان افلاس دول بحالها. ولم تسلم بالطبع الولايات المتحدة من ذلك الوباء وما زالت تعاني من أكبر عجز في ميزانيتها. نحن لا ندعي بان أمريكا ستسقط غدا فما زالت أكبر دول العالم قوة ولكن الجميع يعلم حق المعرفة بأن الزمن الذي تستطيع أمريكا أن تفعل ما تريد قد ولى الى غير رجعة. والذي يبدو أن نتنياهو لم يدرك هذه الحقيقة بعد ولذلك فهو ما زال يطلق الوعيد والتهديد بأن إسرائيل ستأخذ على عاتقها لوحدها عملية إيقاف البرنامج النووي الإيراني إذا ما تخلت الولايات المتحدة عن ذلك. والجميع يعلم واولهم نتنياهو أنه ليس بمقدوره أن يفعل ذلك لأنه غير قادر وجبان كما وصفه أحد الساسة الإسرائيليين. الرئيس أوباما تعلم الدرس من سوريا والكل حفظ خطوطه الحمراء الذي جعلته مهزلة "للرايح والجاي" على قول المثل الفلسطيني، وحان الوقت لنتنياهو أن يتعلم الدرس عاجلا ام اجلا.
استرسل السيد نتنياهو في الحديث عن إيران "وفش غله" وبين حقده الدفين حتى اعمي عقله وبصره، وكاد أن ينسى او تناسى الموضوع الفلسطيني فكان ان خصص له فقرة من كم سطر. وحتى لا نكون مجافين للحقيقة ونتهم بظلم نتنياهو من قبل الرعاع من المتصهينين العرب وما هم بعرب، نقول بأن السيد نتنياهو قد تكرم وخصص مشكورا 53 كلمة (من أصل خطاب احتوى على 3138 كلمة) كلمة في نهاية خطابه ليعبر عن رغبته للتعامل مع الفلسطينيين الذين ما زالوا يرفضون تقديم التنازلات التاريخية لتحقيق التسوية . بينما كرس 94 كلمة من حديثه للشروط التي يجب على الفلسطينيين على القبول بها حتى يتسنى إتمام عملية التسوية التاريخية. ولا يخفى على أحد ان هذه الشروط التعجيزية لن يستطيع أي طرف فلسطيني القبول بها مهما كان موقفه السياسي لان ذلك سيرقى الى الخيانة العظمى للشعب والوطن والقضية. فالاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية والتخلي عن حق العودة والقدس والتخلي عن الاغوار وإبقاء المستوطنات اليهودية الكبرى تحت السيطرة الاسرائيلية وغيرها من المتطلبات الأمنية والتي تستدعي التخلي عن أي سيادة فلسطينية حقيقية حتى على الفتات المطروح والتي لا يتجاوز ما بين 12-15% من مساحة فلسطين التاريخية، يعني بيع القضية بأيدي فلسطينية فهل يقوى أي زعيم أو فصيل فلسطيني أن يقبل بهذا؟
التقارب الصهيوني –الخليجي وخطاب نتنياهو الأخير في الجمعية العمومية
2013-10-03
بقلم: بهيج سكاكيني

