2026-09-14 05:51 م

اعلان المجموعات الإرهابية الاخير وتداعياته على الازمة السورية

2013-09-27
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
أعلن ثلاثة عشر مجموعة من المجموعات الإرهابية والتكفيرية العاملة على الأراضي السورية وعلى رأسهم جبهة النصرة وتنظيم دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام عدم اعترافها بشرعية معارضة الخارج ممثلة بما يسمى "الائتلاف الوطني السوري" كما أنهم ضد كل التوجهات والترتيبات التي تجري الان للتحضير لمؤتمر جنيف 2. وكانت أن اندلعت اشتباكات عنيفة بين بعض هذه المجموعات الإرهابية وعناصر من الجيش الحر في العديد من المناطق في الداخل السوري، حيث تمكنت هذه المجموعات من طرد عناصر من "الجيش الحر" والاستيلاء على أسلحته. وما زالت المعارك محتدمة بين هذه المجموعات "والجيش الحر" لحين كتابة هذه السطور، مما استدعى "رئيس أركان الجيش الحر" المدعو سليم ادريس لقطع زيارته لفرنسا -التي أصبحت المحج الرئيسي للمعارضة – نظرا لخطورة الموقف. وكان أن أبدى الجربا رئيس الائتلاف قبل صدور الاعلان استعداد الائتلاف للذهاب الى جنيف2 شريطة تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، وقد قمنا بمناقشة هذا في مقال سابق على صفحات المنار. ويأتي الاعلان عن هذا التجمع الجديد ومواقفه المتشددة من أي حل سياسي للازمة السورية ضمن الاحداث المتسارعة في الملف السوري، والتي لا شك في أنها تمثل احدى الارتجاجات والارتدادات والتداعيات التي أحدثتها المبادرة الروسية على الساحة المحلية والاقليمية والدولية والتي تضمنت استعداد سوريا للانضمام الى منظمة حظر الاسلحة الكيميائية ووضع ما تملكه من هذه الأسلحة تحت الرقابة الدولية. هذا بالإضافة الى استعداد وموافقة الحكومة السورية للذهاب الى جنيف2 بدون شروط مسبقة. ولقد استطاعت هذه العناصر مجتمعة مدعمة بالرفض الدولي المتعاظم على مستوى الدول والشعوب للعدوان العسكري الذي تبيته الولايات المتحدة على سوريا والتي من أجله جمعت بوارجها وأساطيلها الحربية مقابل السواحل السورية منذرة بإشعال حرب في المنطقة برمتها، حرب غير محسوبة النتائج التي من الممكن أن تتطور الى حرب عالمية ثالثة كما رأى البعض. نقول أن كل هذه العوامل مجتمعة وضعت الازمة السورية على سكة الحل السياسي المتمثل بمؤتمر جنيف2 مرة أخرى، على الأقل في المدى المنظور، مما أعطى بارقة أمل حقيقية نسبية لتحقيق نوع من الانفراج على الساحة السورية. ومما لا شك فيه أن انضواء ثلاثة عشر فصيلا ارهابيا وعلى رأسهم جبهة النصرة وتنظيم دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام في هذه المجموعة ,انشقاق عدد من المجموعات المسلحة عن ما يسمى "بالجيش الحر" وانضمامها للتجمع الإرهابي الجديد مثل مجموعة المنتصر بالله في الرقة التي انضمت الى جبهة النصرة، ولواء صلاح الدين والكتيبة 313 التي انضمت الى تنظيم دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام، ولواء أمناء الرقة التي انضمت الى أحرار الشام ، كل هذا سيكون له تداعيات على المشهد السوري داخليا وخارجيا، والتي من المؤكد انها لن تصب في صالح فيما يسمى بالجيش الحر أو الائتلاف المعارض. أما بالنسبة للائتلاف المعارض الي يترأسه الجربا فمما لا شك فيه أن البيان الصادر عن هذه المجموعات الجهادية التكفيرية قد شكل صفعة وصدمة قوية له، من جهة التوقيت الذي يجري فيه المشاورات والتحضير لمؤتمر جنيف2 وفي حراك مكثف لأعضاء الائتلاف على الساحة الدولية والاجتماعات الجانبية للائتلاف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في واشنطن في استجداء الدعم السياسي والعسكري والتعبير عن انزعاج الائتلاف من عدم توجيه "الضربة" العسكرية لسوريا من قبل الولايات المتحدة. لقد أراد الائتلاف من ذهابه الى واشنطن وعقد الاجتماعات الجانبية مع عدد من الدول إعطاء الانطباع أنه يمتلك شرعية تمثيل الشعب السوري وأن له تواجد داخل الأرض السورية وأنه يسيطر على بعض هذه الأراضي. وجاء صدور البيان من المجموعات الإرهابية وخسارة "الجيش الحر" على الأرض والذي يسوقه الائتلاف أنه ينتمي اليها، جاء هذا ليدلل بشكل واضح بأن الائتلاف لم يعد كينونة واحدة أو البوتقة للتعامل معه سياسيا "كممثل شرعي" للأطياف المعارضة كما روج له وكما يريد أن يظهر على الساحة الدولية. وكل هذا يطرح تساؤلات عدة ليست فقط مرتبطة بمدى تمثيله للمعارضة بل أيضا على دوره وحجمه ومدى سيطرته على أرض الواقع في الداخل السوري. ولن يكون مستبعدا أن نرى العمل على استحداث جسما جديدا لتمثيل المعارضة، كما شهدنا في السابق بتدخلات إقليمية ودولية. أما بالنسبة "للجيش الحر" فالوضع ليس بأفضل حال من هذا. فقد جاء البيان وكذلك الاشتباكات مع المجموعات الإرهابية والتكفيرية ، والتي ما زالت تدور رحاها لغاية الان لتضعه في وضع لا يحسد عليه، وهو الذي رفض وبشكل مستمر أن يحدد موقفه من جبهة النصرة وتنظيم دولة الإسلام في العراق والشام، طمعا في ان يجير أي مكسب لهم على الأرض له في مرحلة مقبلة. هذا بالإضافة على ان الجيش الحر كان يعول على هذه المجموعات الإرهابية بالاسراع على اضعاف الجيش العربي السوري، لكون امتلاك عناصر هذه المجموعات على قدرات قتالية وعسكرية عالية بحكم خبراتها السابقة. أما وقد حدث ما حدث الان، فان على "الجيش الحر" أن يواجه تحديا قد يشكل مفصلا رئيسيا بعلاقته مع هذه المجموعات. وليس أمامه سوى أحد الخيارين وكلاهما مر بالنسبة اليه. فهو اما أن ينضوي ويتحالف مع هذه المجموعات التكفيرية وأكلة الأعضاء البشرية وهو بهذا يفقد ما تبقى من شرعيته ومصداقيته (التي لا يمتلكها أصلا) ويحكم على نفسه بالموت النهائي بالانغماس بهذا المنحى، واما أن يعيد انتاج نفسه وهيكليته ليتصدى الى هذه المجموعات الإرهابية والتكفيرية وإعلان الحرب عليها. ولكن من المبكر معرفة كيف ستتطور الأمور ولكن يبقى هذا الاحتمال قائما. ولا شك ان الخسارة التي مني بها "الجيش الحر" في بعض المناطق لصالح المجموعات الإرهابية والانشقاقات في صفوفه سيضع الكثير من التساؤلات حول تسليح هذا الجيش بما سمي "بالأسلحة النوعية" وبكمية الأسلحة المرسلة خوفا من أن تقع هذه الأسلحة بأيدي العناصر الاجرامية على حسب وسائل الاعلام الغربية. هذا بالرغم من اعتقادنا أن هنالك العديد من هذه الأسلحة قد أرسلت تباعا الى الداخل السوري أن لم يكن عن طريق الولايات المتحدة مباشرة فعن طريق عملائها وادواتها في المنطقة ,ان انكار ذلك انما هو هراء وكذب وخداع للرأي العام. هذا لا يعني أن تغير الوضع الان وبهذا الشكل سيجعل بعض الدول تتردد في أرسال السلاح الى الداخل السوري فما زالت أحداث أفغانستان ماثلة في الاذهان حين انقلب السحر على الساحر. فقد بينت الاشتباكات الأخيرة ان "الجيش الحر" ليس لديه القدرة أو الامكانية على الاحتفاظ بالأسلحة الموردة اليه. ليس هذا وحسب بل ان الدول الداعمة والمرسلة للسلاح ستتساءل عن فحوى ارسال الأسلحة اذا لم تحقق لها المكاسب السياسية المرجوة من هكذا عملية. هذه الدول التي استثمرت بالجيش الحر لأجندات خاصة بها تجد أن استثمارها قد قارب بأن ينتهي بكارثة ووباء عليها. لقد بات الوضع السوري وخاصة بعد تجذر العناصر الإرهابية في الداخل السوري يقلق تركيا وهي التي ساهمت منذ البداية وباندفاع يدل على غباء سياسي محكم وعدم تقدير للأمور والخروج عن كل ما اسمه دبلوماسيا وحسن الجوار. وكانت تأمل من وراء ذلك العمل على اسقاط الرئيس بشار الأسد والمساهمة في إيصال الاخوان المسلمين الى الحكم في سوريا ضمن مشروع أخونة الوطن العربي بالتعاون والتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة. فشل المشروع، وها هي العناصر الإرهابية تقاتل "الجيش الحر" في المناطق الحدودية التركية بالإضافة الى مقاتلتها للأكراد في تلك المناطق في سعيها للسيطرة على المعابر الحدودية. ومما لا شك فيه أن هذا سيخلق وضعا أمنيا صعبا للغاية لتركيا وذلك لطول الحدود مع سوريا وطبيعتها الجغرافية وبالتالي عدم القدرة على ضبطها ولاحتمال تمدد الإرهاب الى الداخل التركي وخاصة فيما إذا تمكنت هذه المجموعات فرض سيطرتها على هذه المناطق. ومما لا شك فيه أن تداعيات التطور الاخير تأتي في صالح الحكومة السورية والقيادة السياسية والعسكرية السورية، والتي ما دأبت من التحذير من تزايد اعداد ونفوذ المجموعات الإرهابية والتكفيرية في الداخل السوري، وعلى أنها تقاتل الإرهاب الدولي والإقليمي على أرضها التي جمع عليها أكبر تجمع للإرهابيين في العالم في أي حقبة زمنية أو مكان والذين جيء بهم من كل أنحاء المعمورة. وعلى أن الحرب الدائرة على الأراضي السورية ليست حربا أهلية على الاطلاق، بل هي حرب على الإرهاب الاقليمي والدولي، حرب يقودها الثالوث المقدس ممثلا بالجيش العربي السوري والقيادة السياسية والشعب السوري.