2026-09-14 03:59 م

هـذا قـائـدكـم ،،، فـلا تـضـيـعـوه

2013-09-26
بقلم: سمير الفزاع
كثيراً ما نسمع سياسيين وكتاب وصحفيين ومواطنين ... يتحدثون عن صمود سوريا وصلابتها وتماسكها ، وحتمية إنتصارها ، وهم مستعدون للحديث مطولاً وذكر كلّ شيء عن مقومات النصر ، وأسباب هذه الصلابة التاريخيّة ، ومبررات هذا الصمود الأسطوري ، وعوامل هذا التماسك المذهل ... دون المرور - ولو سريعاً - على دور القائد في هذه الملحمة ! وكأن إغفال هذا الدور أمراً عادياً ، أو مبرر علميّاً وموضوعيّاً . ولهذا السلوك " غير السوي " أو المُبرر - تاريخياً وإجتماعيّاً وعلميّاً ووطنيّاً - أسباب عدة ، أذكر منها : 1 - يعتقد البعض بأنه سيكون موضوعيّاً أكثر لو تحدث عن دور الجيش والشعب دون المرور على دور القائد بشار حافظ الأسد . 2 - يُغفل البعض الآخر الحديث عن دور الرئيس بشار حافظ الأسد ليكون مقبولاً عند " الطرف الآخر " ، وغير مستفز " لمشاعرهم ومواقفهم . 3 - يتجنب جزء ثالث الحديث عن هذا الرجل - بشار حافظ الأسد - حتى لا يتهم " بتأليه " الأشخاص ، وصناعة الأصنام ! . 4 - البعض الآخر يحجم عن تناول هذا الدور ، لأن له " مواقف " سابقة من الراحل حافظ الأسد ، ويرى في الرئيس بشار حافظ الأسد إمتداد له ، أي هو غير قادر على فصل مواقفه ومشاعره بين الرجلين . 5 - هناك جزء من الناس وقع تحت تأثير الدعاية المسمومة والسوداء التي طالت هذا الرجل ، وجوهر قيادت وطبيعة سياساته ، فصار " يخاف " ويتردد من الخوض في هذا البواب ؛ وإن كان داخلياً مؤمن بهذا الرجل ومقتنع بما يفعل . 6 - لا ننسى هنا أن نذكر ذلك الجزء الذي أُشكل عليه المشهد وتعقد إلى الحدّ الذي جعله " يؤجل " تأييده ، و" يخفي " إعجابه ، و" يجمد " محبته . 7 - بكل تأكيد هناك جزء إختلط عليه الموقف لأن هناك مسؤلون حول سيادة الرئيس بشار حافظ الأسد إرتكبوا أخطاءاً - وكان بعضها كبيراً جداً - أو تهربوا من تحمل مسؤلياتهم ، أو حتى خانوا الوطن وقضاياه ... . بحيث لم يتمكن هذا الجزء من الفصل بين القائد ، وحتميّة تساقط بعض من مسؤلي الدولة في لحظات الأزمة وأوقات الحروب أو حتى في ظروف " الإسترخاء " والرغد - إن وجدت - . لكل هؤلاء أقول : إخوة يوسف " ع " هم من ألقوه في " غياهب الجب " ولا أحد غيرهم ، ولكن ذلك لم يمنع يوسف من أن يصبح " صديقاً نبيّاُ " ، وأميناً على خزائن مصر ، ومنقذها من الموت المحتم . يهوذا الإسخريوطي تلميذ المسيح عيسى بن مريم " ص " وأحد حوارييه هو من باع يسوع لبني يهود بعدة قطع نقدية ليصلبوه ، ولكن يسوع بقي روح الله والمخلص ، وكان صلبه بداية ثورة حقيقية على الظلم والقهر والنزعة " المادية " لدى بني إسرائيل . محمد بن عبد الله " ص " حارب رسالته أقرب الناس إليه ، ونفوه إلى شعاب مكة ثلاثة أعوام بلا أي مقوم من مقومات الحياة ، ثم طردوه من مكة بعد تآمرهم على قتله عدة مرات ، لكنه - ومن منفاه - بلّغ رسالته ، وعاد إلى مدينته - مكة - فاتحاً لا غازياً ، رحيماً لا متجبراً ، مُبلغاً لا قاهراً . وحديثاً ألم يقم بعض أبناء سورية بحمل خشبات عربة " غورو " وحبالها على ظهورهم وأكتافهم بدلاً عن الدواب ، ليظهروا لمن قتل وزير دفاعهم قبل ساعات كم هم " مسالمين " ، ولكن أعوام قليلة كانت كفيلة بإخراج هذا المستعمر مذلولاً مدحوراً لأن هناك شعباً حرّاً مقاوماً رأى في وزير دفاعه " المثال " الحق ، والنوذج الأولى بالإقتداء ، لا تلك القلة الخانعة المستسلمة الذليلة . ألم يقم أنور السادات بوضع السمّ في فنجان القهوة الذي صنعه بيديه لجمال عبد الناصر ؟ لكن هل تمكن السادات من محو ناصر من ذاكرة المصريين ؟ هل إستطاع أن يلغي حلمهم بالحرية والسيادة والإستقلال ؟ علماء ومفكرين وقادة كبار ، ودراسات علميّة وموضوعيّة عالجة قضيّة القائد ، وصفاته ، وأهميته ... كلها تؤكد بأن قيمة القائد " تطغى " ولا تُعطى ، والقائد ينتزع مكانه وموقعه ولا يُرسم له ، والقائد " يُشرق " من عتمة الأزمات الحوالك ... . يبهر الصديق قبل العدو برباطة الجأش عندما يتزلزل الرجال ، وببعد النظر عندما نغرق في الأحداث اليوميّة ، وبالصبر الطويل عند إستعجال الآخرين ، وبالقدرة على منح الشعور بالأمن بكلمة أو إطلالة أو إبتسامة ... عندما يصبح الأمل نادراً وعزيزاً ، ويفاجأنا - إن لزم الأمر - بقدرته على إتخاذ قرارات وفتح أبواب لم نفكر فيها سابقاً ، أو كنا نظنها قرارات لن تتخذ وأبواب لن تفتح . قد لا تحب القائد كلّ الوقت ولكنك تشعر بأنك " ملزم " بالثقة به ، وأنه حريّ بأن تؤمن به ، وأنه لن يخذلك إن ضاقت وأستحكمت . تفكر مطولاً بمعاتبته ولومه ونقده ... ولكن عندما تلتقي به لا تفكر إلا بالإقتراب منه ، ومحاولة التحدث إليه ، وشمّ عطره البشري ، وتجميع أكبر قدر ممكن من ذكريات اللحظة لتسترجعها لاحقاً ... . وأي شيء في هذا كلّه لا نجده في بشار حافظ الأسد ؟ لقد تعرض هذا الرجل لضغوط لو أرخت أحمالها على الجبال لضجت من حَملها ، وتعرض لطعنات من أشخاص كانوا حوله رفاق وفريق حكم ، وخسر أصدقاء ورفاق سلاح وأقرباء عزيزين جداً ، ورأى جزء مهم من وطنه يتهدم أمام عينيه بأيدي بعض من شعبه وأشقائه وجيرانه ، ورأى طوابير من شياطين الأرض قاطبة تتهافت لتدمير مقدرات وموارد بلده بلا أدنى شفقة أو رحمة ، وعانى من الجحود والخذلان والحقد والغيرة ، ووقف كنخل العراق أمام أقوى دول العالم وأكثرها همجيّة وعدوانية ... . صبر ، صابر ، سَهِر ، تعِب ، حَزِن ، تألم ، وربما بكى كأي إنسان آخر ، ولكن ذلك لم يمنعه من يبقى شامخاً كقاسيون ، صامداً كقلعة حلب والحصن ، هادراً كبحر اللاذقيّة وطرطوس ، صلباً كحجارة حوران والسويداء ، سمحاً كسهول إدلب ، كريماً كحقول الجزيرة ... قادراً على إدارة الدفة في بحر غضوب متلاطم الموج بمهارة نادرة ، متماسك حدّ الخرافة ، أبيّ مهما قسى الظرف ، وينتقل بحرفية عالية من نصر إلى نصر . للإنصاف - ختاماً - فإن هذا الرجل سيتوقف عنده التاريخ طويلاً جداً ، وسيكتب عنه الكثيرين ، وسينصفه المشرق العربي بل والإنسانيّة عاجلاً أو آجلاً ، لأن هذا الرجل كان نقطة فاصلة - وبصدق - بين تداعي المشرق العربي ، وعودة أسواق النخاسة ، وطوابير العبيد ، ومعارض الجواري ، وإهانات وسيطرة المندوب السامي ، وألف عام أخرى من " داحس والغبراء " ، ومئة عام أخرى تضاف لعمر أمريكا الإفتراضي وعملائها وأدواتها .... وبين مشرق ما زال يمتلك قراره ، ومستقبل مفتوح على إحتمالات أخرى غير " النخاسة والجواري وسلطة المندوبين الساميين الجدد ... " . يكفي الرئيس بشار حافظ الأسد مجداً أنه - بصموده وصبره الشخصي وتحمله المسؤليّة التاريخيّة - أبقى لنا حرّية إختيار الغد ، وأبقى على نافذة المستقبل مفتوحة . لذلك أرجوكم ، إكراماً لله والوطن وفقراء الناس لا تضيعوا هذا الرجل من إيديكم ، لا تخذلوا قادتكم كما فعل غيركم ، فيسقط من بين أيدينا حلم كبير ، ويتسرب منّا أمل عريض بغدِِ كريم عزيز ، فتندموا ونندم حيث لا ينفع بكاء ولا ندم .