2026-09-14 03:59 م

"الائتلاف الوطني السوري" ومؤتمر جنيف 2

2013-09-25
بقلم: الدكتور بهجت سكاكيني
كشفت رسالة من رئيس ما يسمى بالائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا، لمجلس الأمن، التزام ائتلافه بحضور مؤتمر جنيف 2 بشرط أن يكون هدف المؤتمر تأسيس حكومة انتقالية بسلطات تنفيذية كاملة. الذي يبدو ان الخسائر المتلاحقة على الارض لما يسمى "بالجيش الحر" سواء على ايدي الجيش العربي السوري أو على يد أحباب العمر للائتلاف من جبهة النصرة ودولة الاسلام في العراق والشام ورفاق السلاح والذبح والنحر وأكل الأعضاء البشرية مع التكبير، دفعت بما سمي بالائتلاف الوطني السوري الى تبني هذا الموقف الجديد بعد كل هذه الزوبعة التي أثيرت حول تنحي الرئيس بشار الاسد كشرط أساسي للذهاب الى جنيف 2. لا شك أن الائتلاف راجع حساباته بشكل مدروس هذه المرة ورأى بانه اذا لم يتخذ هذا القرار الان فسيكون خارج اللعبة السياسية في خلال أسابيع ان لم تكن في الايام القليلة القادمة اذا ما عقد مؤتمر جنيف2 أم لم يعقد وربما هذا هو الأكثر ترجيحا لأسباب عدة سنأتي على تناولها لاحقا. اما إذا ما عدنا الى تصريح السيد الجربا ففي البداية نريد أن نفهم من يمثل هذا الائتلاف في الداخل السوري بالتحديد؟ وما هو حجمه الفعلي على الأرض؟ وهو الذي رفض تحت الذرائع المختلفة وباستمرار من ان يدخل في انتخابات مفتوحة للجميع دون استثناء تحت اشراف دولي. وأين هو موقع وموقف هذا الائتلاف المزعوم من المجموعات المسلحة والتي بلغ تعدادها بأكثر من 1000 مجموعة عاملة على الأرض السورية والتي تضم أكثر من 100000 مقاتل جمعوا من كافة أرجاء المعمورة بحسب مجلة الفورين بولسي الامريكية والمخابرات المركزية الامريكية، ولكل منهم أجندته الخاصة سواء إقليميا او دوليا، والتي تعيث فسادا وقتلا وتدميرا يوميا في الأرض السورية؟ وما هي تلك الأراضي التي يزعمون أنهم يسيطرون عليها بالكامل ومن أجلها ذهبوا لتكوين حكومتهم المزعومة والتي من المؤكد بأنها لن تكون بأحسن حال من سابقتها التي لم ترى النور أساسا؟ الحقيقة المرة التي لا يريد أن يتجرعها السيد الجربا ومن لف لفه أن هنالك مبدأ بسيط يفهمه رجل الشارع البسيط بحسه العفوي دون الحاجة الى الفذلكات الفكرية والتنظير، وهذا المبدأ قائم ببساطة على أن كل من نادى وتوسل واستجدى وانبطح على أبواب الاليزيه أو على أعتاب البيت الابيض لكي يشن الحرب والعدوان لتدمير وطنه وشعبه وناسه، لن ينعم له بال ولن يعطى أي فرصة بان يكون جزءا من الحل السياسي والوطن المنشود. فالاستقواء بالأجنبي وبأساطيله وبوارجه وصواريخه واسلحته الفتاكة التي يراد بها تدمير البشر والحجر، يرقى الى الخيانة الوطنية العظمى فهل يعطي الشعب فرصة لخائن أن يحكمه؟ كلمة الفصل هي كلمة الشعب السوري والتي لا بديل عنها في انتخابات حرة ونزيهة وليس في البيت الأبيض ولا في الاليزيه. أما بالنسبة الى مؤتمر جنيف 2، فهنالك بعض الوقائع على الأرض التي لا تشير الى إمكانية حدوث انفراج في الازمة السورية عن قريب على الرغم من تفاؤل البعض بانعقاد مؤتمر جنيف 2 قريبا، على حسب بعض التصريحات هنا وهناك. ولكن حتى إذا ما تم عقده، فان الدلائل والمعطيات على الساحة لا تشير الى إمكانية نجاحه في تحقيق أية خروقات تؤدي الى الانفراج المنشود من قبل الأطراف الداعمة فعلا للحل السلمي للأزمة. فالتهديدات الامريكية باستخدام القوة ما زال قائما خاصة وان الولايات المتحدة ما زالت تعمل مع فرنسا وبريطانيا على اصدار قرار بمجلس الامن خاص بالأسلحة الكيميائية السورية تحت البند السابع الذي ربما يتيح لها فرصة تكوين تحالف دولي ولو ممسوخ للعدوان على سوريا. فأمريكا بحاجة لإعطاء الانطباع أنها لا تتصرف لوحدها. والتأكيد على أن خيار استخدام القوة ما زال قائما فقد ذكر الرئيس أوباما في معرض خطابه مؤخرا في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن الولابات المتحدة ستستخدم كل الوسائل بما فيها استخدام القوة لضمان مصالحها الجوهرية في المنطقة ولتامين تدفق الطاقة الى العالم. والغريب هنا أنه لم يأتي على ذكر حماية وضمان أمن الكيان الصهيوني بشكل واضح حيث أنه يعتبر أن الامن القومي لهذا الكيان هو جزء من الامن القومي الأمريكي. ولم ينسى أن يذكر كل من إيران وروسيا بأن عليهم أن يدركوا بأن الرئيس بشار الأسد لا يمكن أن يكون بالسلطة إذا ما أريد "للحرب الاهلية" الدائرة في سوريا أن تحل بالوسائل السياسية. وهذا يعني ببساطة أن الولايات المتحدة ما زالت على موقفها في محاولة فرض الحلول في سوريا ووضع الشروط المسبقة وليس بصدد إعطاء فرصة لنجاح جنيف2. بالإضافة الى ذلك، وحتى لو افترضنا ذهاب المعارضة الداخلية والخارجية الى جنيف 2، فان وجود هذا الكم الهائل من الإرهابيين الأجانب على الأرض السورية واختلاف اجنداتهم الإقليمية والدولية وعملهم كمجموعات مستقلة صغيرة منفصلة وهلامية يصعب التحكم بها والسيطرة عليها مما يجعل الامور اكثر تعقيدا. ومما يزيد الأمور تعقيدا أيضا وجود دول إقليمية ليس لها مصلحة على الاطلاق في تحقيق أي نوع من المصالحة أو حلا سياسيا يبقي على الدولة السورية ودورها المقاوم، وخاصة تلك الدول التي انخرطت وبشكل محموم منذ البداية موظفة كل امكانياتها وطاقاتها المادية والعسكرية والإعلامية والسياسية في سبيل اسقاط النظام السوري وبالتحديد الرئيس بشار الأسد. هذا عدا عن أن مؤتمر جنيف 2 ما هو الا حلقة في سلسلة من الحلقات الإقليمية والدولية التي ما زالت تنتظر تفاهمات واتفاقيات بين روسيا وأمريكا بالدرجة الأولى. وبالتالي نحن أمام صفقة كبرى وجنيف 2 ما هو الى محطة على هذا الطريق. وفي هذا الاطار ستحاول الولايات المتحدة المراوغة والخداع ومحاولة الابتزاز السياسي لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب وذلك لأنها لا تريد أن تعطي الانطباع ان الدبلوماسية الروسية قد نجحت في لجم الثور الأمريكي الهائج وفرملة اندفاعه الغير مبرر والأرعن الى العدوان على سوريا ,إيقاف هذا العدوان، لأن هذا يعني ببساطة اعترافا ضمنيا أمريكيا بعودة روسيا الى الساحة الدولية كلاعب أساسي يتعامل الند بالند مع الولايات المتحدة ،وبهذا كسر لشوكة وهيمنة الولايات المتحدة على الساحة الدولية ,اختفاء القطبية الأحادية وظهور القطبية التعددية منتجا النظام العالمي الجديد. مما لا شك فيه ان الولايات المتحدة ستعمل جاهدة وبكل ما اوتيت من قوة على ان تؤجل الوصول الى هذه النتيجة. أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فقد أربك نتيجة التصريحات الروسية التي تميزت بالوضوح والجرأة السياسية بشأن ترسانته النووية، وعن انها السبب الكامن وراء امتلاك سوريا لأسلحتها الكيميائية وتطوريها هذا النوع من الأسلحة. ,لا بد من التأكيد هنا ان التصريحات الروسية بهذا المجال في المحافل الدولية ليست تصريحات عابرة أو اعتراضية بل أنها إشارة واضحة بأن الترسانة النووية الإسرائيلية ستوضع على طاولة مشروع جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل بشكل جدي في المحافل الدولية وأن هذا الملف سيشكل احدى الملفات الساخنة في المنطقة التي تتطلب تفاهمات وحلول. ولا شك أن بقاء الرئيس الأسد على رأس القيادة السياسية في سوريا على المدى المنظور ضمن أي حل مرتقب يتم فيه التخلص من الأسلحة الكيميائية السورية وإمكانية إيجاد تفاهمات حول البرنامج النووي الإيراني سيشكل عاملا ضاغطا على إسرائيل ويعطي مشروع جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل زخما دوليا ويحرج أمريكا والدول الأوروبية الداعمة للكيان الصهيوني والتي استظل بها هذا الكيان الغاصب لعقود من الزمن تحت حجج واهية مرتبطة بأمنه، والتي استثمرها لابتزاز مواقف هذه الدول لمصالحه الإقليمية والدولية. وفي الخلاصة نود ان نقول بأن الظروف الموضوعية والذاتية لم تنضج بعد لعقد هذه الصفقة المتكاملة لذلك ما سنراه على المدى المنظور هو العمل على اطالة الحرب في الداخل السوري ومزيد من سقوط الشهداء والضحايا والدمار، وهذا الثمن المؤلم لا مفر منه لدحر العدوان الغاشم والبربري، واسقاط المخططات الاستعمارية الجديدة للمنطقة، ووأد الأحادية القطبية ولتأسيس نظام عالمي جديد قائم على التعددية القطبية واحترام الشرعية الدولية.