2026-09-14 01:05 م

الوجه الخفي للعدوان الهمجي على سوريا

2013-09-23
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
ان المتفحص لطبيعة الصراعات والحروب في العالم لا بد أن يصل الى نتيجة فحواها أن كافة هذه الصراعات جوهرها إقتصاديا محض الى حد كبير على الرغم من محاولة الباسها طابعا عرقيا أو طائفيا أو مذهبيا وهو ما يظهر على العلن، وتجند لأجله جوقة متكاملة من الكتاب المرتزقة والإعلاميين الذين باعوا ضمائرهم وكافة وسائل الاعلام المرئية والمقروئة والمسموعة لخداع الجماهير الشعبية والرأي العام العالمي لاظهار أن هذه الحرب انما تأتي للدفاع عن الحرية والكرامة والديمقراطية وحقوق الانسان وغيرها من الكلمات المعسولة والرنانة عندما تصدر من هؤلاء المأجورين، ليتضح بعد عقود من الزمن أن هذه الحرب خيضت من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية والخام وطرق الامداد أو الأسواق العالمية بمعنى أن الحروب تخاض لتحقيق بلايين الدولارات للمجمعات الصناعية والعسكرية والشركات الكبيرة العملاقة العالمية بعد توحد رأس المال العالمي متخطيا الحدود والدول والقارات والأعراق والأجناس وهو ما أنتج ما يمكن تسميته بالعولمة الاقتصادية إذا جاز التعبير والتي ما هي الا عملية إعادة توزيع وإقتسام الثروة ما بين الشركات العالمية العملاقة على المستوى العالمي وليس المحلي أو الإقليمي. وقد يتساءل البعض وما دعوة ما يحدث في سوريا بهذه المقدمة. في الواقع ان ما يحدث في سوريا له إرتباط عضوي بما ذكر هنا بالتحديد. بدأ نقول اننا لسنا بحاجة الى أبحاث لنخلص ونستنتج بأن الطاقة هي المحرك والدافع الرئيسي للاقتصاد المحلي والإقليمي والدولي وأن أمن الطاقة يشكل جزءا أساسيا من الامن القومي لأي دولة من الدول مهما كبرت أو صغرت ,أن هذا الامن مرتبط بالتعويل على امكانية الحصول على الطاقة بشكل منتظم ودون إنقطاع يذكر سواء بالكمية او الشكل المطلوب، هذا بالإضافة الى إمكانية الحصول على مصدر أو مصادر الطاقة بالأسعار التي تكفل استمرار النمو الاقتصادي. وبالتالي ليس من المستغرب أن يكون الجزء الأكبر من الصراعات الدائرة في عالمنا اليوم هي بالأصل والجوهر صراعات على مصادر الطاقة وعلى طرق إمدادها. وربما كانت الولايات المتحدة السباقة في إستيعاب هذا المفهوم وأهميته لأمنها القومي عندما وقعت إتفاقية مع العاهل السعودي الراحل الملك عبد العزيز عام 1932 والتي بموجبها سمحت المملكة العربية السعودية للولايات المتحدة بالوصول والتحكم بآبار البترول السعودية في مقابل ضمان الولايات المتحدة للأمن الاقتصادي والسياسي والعسكري السعودي. السؤال الذي حير الكثير منا لماذا هذا الإصرار الغير مسبوق لكل من قطر والسعودية للتكالب على سوريا وصرف بلايين البترودولار في محاولات مستميتة لإسقاط النظام السوري وبالتحديد اسقاط بشار الأسد. ولماذا هذه التحركات المكوكية لأمير الارهابيين الجديد السعودي الامير بندر بن سلطان بين الداخل السوري للاجتماع بالارهابيين والتكفيريين وأكلة أعضاء البشر من جبهة النصرة والقاعدة، وبين قصر الاليزيه في باريس وموسكو. ولماذا إرتضوا (السعودية وقطر) بأن يكونوا أدوات وعملاء يعملون بالعلن وليس بالخفاء كما دأبت عليها السياسة الخارجية السعودية بشكل عام. يريدون منا أن ننجر مع وسائل إعلامهم كما هو الحال بوسائل الاعلام الغربية خلف مقولة ان الصراع هو صراع مذهبي بين الشيعة والسنة وهو صراع مع "المجوس" هذه الكلمة البغيضة التي وللأسف الشديد نرى البعض يرى في الصراع الجاري حاليا من هذا المنظور الضيق والخاطىء والمضلل. ولماذا هذا الإصرار الأمريكي على التصميم على تركيع الدولة السورية أو العدوان العسكري عليها تحت منظور شريعة الغاب؟ القضية ليست قضية الأسلحة الكيميائية وليست قضية صراع بين السنة والشيعة أنما هي في حقيقة الامر صراع على مناطق النفوذ وصراع على مصادر الغاز والبترول وطرق الامداد والمصالح المرتبطة بهذا. الكل بات يعلم بالمحاولات الحثيثة التي سلكتها دولة قطر - وهي التي تعد أكبر مصدر للغاز الطبيعي السائل في العالم - لبناء خطوط إمداد التي تؤهلها لتصدير الغاز الطبيعي الى الدول الأوروبية المتعطشة لمصادر الطاقة. وكانت هنالك مباحثات جدية بهذا الشأن مع تركيا أردوغان عام 2009 وكان من المفترض أن تتصل أنابيب الغاز مع مشروع خط أنابيب الغاز الذي أطلق عليه أسم نابوكو الذي من المفترض ان يقوم بنقل الغاز من دول آسيا الوسطى وبالتحديد من أذربيجان الى تركيا ومن ثم الى أوروبا متجاوزا روسيا. ولقد إستثمرت قطر بهذا الخط بلايين من الدولارات. وكانت الولايات المتحدة أن شجعت هذا المشروع ورأت فيه نوع من فك الارتباط بين الدول الأوروبية وروسيا المصدر الرئيسي للطاقة الى أوروبا وضربة للاقتصاد الروسي المتصاعد وبالتالي إضعافا لموقعها على الساحة الدولية الذي بدا يتنامى بالتوازي مع موقعها الاقتصادي المتنامي نتيجة تصدير كميات كبيرة من الغاز الطبيعي. وكان أمام قطر إما أن تعمد على بناء خط للأنابيب بحيث يمر بالسعودية والكويت والعراق وينتهي في تركيا لتغذية خط نابوكو أو خط بديل يمر عبر الأراضي العراقية السورية وينتهي بتركيا. رفضت السعودية تمرير خط الانابيب في أراضيها من واقع المنافسة لغازها ورفضت سوريا العرض القطري أيضا. وفي عام 2012 وقعت كل من سوريا والعراق وإيران على مشروع بناء خط لأنابيب غاز يصل الآبار الإيرانية بالسواحل السورية لتصديره الى الدول الأوروبية متجاوزا تركيا بالطبع. وقد أثار هذا الاتفاق غضب وحفيظة قطر وتركيا في أن واحد. وهذا ما يفسر الاندفاع الجنوني لقطر والإنغماس حتى النخاع في محاولة إسقاط الدولة السورية وصرفت لذلك على حسب التقديرات المتواضعة ما يقرب من ثلاثة مليارات دولار لغاية الان. وهذا ما يفسر أيضا ولو جزئيا الموقف التركي وانخراطه في الوحل السوري، فقد خسرت تركيا استغلال الموقع الجغرافي لسوريا كركيزة لتمرير نفط وغاز الدول الخليجية اليها ومنها للأسواق الأوروبية وربما الاسيوية، مما يعزز موقعها كلاعب محوري وبؤرة ارتكاز لا يمكن الاستغناء عنها في استراتيجية الطاقة العالمية مما يدعم دورها الإقليمي والدولي والتعامل معها وبخاصة مع أردوغان على هذا الأساس. وما قيل عن قطر يمكن تطبيقه على السعودية والتي تصدر أكثر من 54% من صادراتها النفطية الى الدول الاسيوية وبالدرجة الأولى الى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية بالبواخر التي تحمل هذا النفط من ميناء رأس التنورة عبر مضيق هرمز ومن ثم الى بحر العرب فالمحيط الهندي. وهذا يعني أنه في حالة نشوب أية توترات او اشتباكات في تلك المنطقة فإن إيران قد تسعى لأقفال هذا الطريق والذي سيؤثر سلبا على الاقتصاد السعودي بشكل موجع. وفي ظل العلاقات المتوترة أصلا بين السعودية وإيران والصراعات الدائرة في المنطقة تبقى كل الاحتمالات مفتوحة وقائمة. ودخول السعودية على الخط السوري هو جزء من صراعها مع إيران وربما أيضا لإيجاد طرق بديلة أقل كلفة وأكثر أمنا لنقل مواردها من الطاقة وتمثل سوريا بموقعها الجغرافي البديل المثالي فيما لو استطاعت إيجاد حكومة دمية تقع تحت سيطرتها أو تستطيع من خلالها أن تمرر مشاريعها. يضاف الى كل ما ورد، المعلومات التي قد نشرت على الانترنت وكانت موضوع حديث في حلقة خاصة على إحدى المحطات التلفزيونية (الميادين) حول تواجد حقول من الغاز الطبيعي ونفط مقابل السواحل السورية التي تقع ضمن مياهها الإقليمية وهذه الحقول تحتوي على مخزون بكميات هائلة من عناصر الطاقة هذه والتي على حسب الدراسة والمسح الجيولوجي تفوق أكثر ما تمتلكه بعض الدول الخليجية وهذا ما يفتح شهية الشركات الامريكية والغربية لتوقيع عقود الاستخراج والتسويق والتي ستحقق من وراءها بلايين الدولارات. وقد يفسر هذا أيضا الإصرار الأمريكي على القضاء على النظام السوري وإقامة نظام عميل يسمح للشركات الامريكية بنهب ثروات البلد كما حدث في العراق التي ما زالت حكومتها ترزح تحت الضوابط والتعهدات والاتفاقيات الموقعة مع الولايات المتحدة ليومنا هذا وحتى بعد انقضاء ما يقرب أكثر من العشرة أعوام على الاحتلال وعلى الرغم من انسحاب معظم القوات الامريكية من الأراضي العراق. كما أن السيطرة على سوريا أخر دولة عربية مقاومة من شأنه ان يشكل مزيد من محاصرة روسيا وتهديدا لأمنها القومي، وإضعاف محور المقاومة وسقوط سندا أساسيا في الصراع مع العدو الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية على المدى المنظور. وفي الخلاصة نود أن نؤكد على ان الصراع الدائر في سوريا هو صراع جيوبوليتيكي بإمتياز حول الموارد الطبيعية وبالتحديد الغاز والبترول وطرق الامداد ومحاولة السيطرة عليها لكونها تشكل العصب الرئيسي للقوة الاقتصادية والسياسية لمن يمتلكها أو يتحكم بها. كما وأن الطاقة ومكوناتها كانت وما زالت وستبقى المصدر والمحرك الأساسي للصراعات والحروب في العالم.