2026-09-15 02:48 ص

كـلام " كـيـمـائـــي " ،،، بـرؤيـة مـغـايـرة

2013-09-22
بقلم: سمير الفزاع
تقوم الدول بتصنيع الأسلحة وشرائها لحماية حدودها ، وحفظ سيادتها ، وحراسة مصالحها وكبت النزعات العدوانية لدى أعدائها ، وإذا ما نشبت الحروب معهم تكون لها الكلمة العليا فيها . لم تكن الأسلحة يوماً غاية بحد بذاتها ، بل هي أداة " حادة ومميتة " يتم تسخيرها لتحقيق أهداف سياسية – إقتصادية ، وسياسية - وطنيّة ، وسياسية – ردعيّة ... فالسلاح – في التحليل النهائي – أداة سياسية عنيفة ودامية . تجتهد الدول على تطوير أسلحتها على الدوام لمواكبة تطور أسلحة الأعداء ، ولكبت النوايا العدوانية والأطماع المتنامية لديهم بفعل الحاجات المتزايدة للطاقة والغذاء ... ، ولمقاومة الرغبات الجامحة عند الدوائر الطامعة ببسط سيطرتها على " الرقع الجيوسياسية " الكبرى ، ومدّ نفوذها إلى مناطق جديدة لم تكن يوماً ضمن مظلة هذا النفوذ . وصناعة السلاح في تطور دائم ، فسلاح اليوم سيفقد حتماً جزء من قيمته الميدانية والفنية غداً ، وسيفقد بعد غد جزء آخر ، حتى نصل إلى النقطة التي يصبح فيها هذا السلاح مجرد " عبء " عسكرياً ، وخردة ميدانيّاً وفنيّاً . كم هو عدد الدبابات والطائرات والصواريخ البالستية والكيمائية والنووية ... التي أقدمت دول كبرى على تفكيكها وتدميرها ؟ لقد تجاوزها الزمن لصالح أسلحة أكثر حداثة ، بمديات أكبر ، وقدرات تدميريّة أضخم ، ودقة إصابة أعلى ، مع التقليل من تدخلات العنصر البشري ، وكُلف التشغيل والصيانة . عملت على هذه المقدمة النظرية لتوضيح بعض العناصر التي يدور حولها الكثير من المغالطات عن غير قصد حيناً ، وعن قصد في أحيان كثيرة أخرى . * بعد هذه المقدمة المتواضعة لنذهب للإجابة عن بعض الأسئلة ذات العلاقة : أ - ما هي القيمة الميدانية للسلاح الكيمائي في حرب سوريا مع أدوات مشروع العدوان الصهيوأمريكي – الرجعي العربي ؟ لم تقدم هذه الأسلحة أية قيمة مضافة لجهد الجيش العربي السوري ميدانيّاً ، بل كانت مصدر " قلق " دائم لهذا الجيش والقوى الأمنية ، فهناك خوف حقيقي من وقوع أي من أماكن تصنيع أو تجميع أو تخزين هذه الأسلحة كما حصل مع مصنع " الكلورين " عندما تمكن إرهابيو "جبهة النصرة" ، بتوجيه من المخابرات التركية ، من الاستيلاء على المعمل الوحيد من نوعه في سوريا في مجال تعبئة غاز الكلور المسال . وهو مصنع يقع على بعد حوالي 50 كم شرقي حلب (على طريق حلب ـ الرقة) . ب – ما هي القيمة الميدانية للسلاح الكيمائي السوري في حرب سوريا مع أعدائها وخصومها الإقليميين والدوليين ؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال بطريقة غير تقليدية . تقوم الدولة بالتسلح كي تتمكن من إستخدام هذه الأسلحة وقت الحاجة إليها ، أي أن للسلاح وظيفة وهدف ، فإذا ما تحققت هذه الوظيفة وأنجز هذا الهدف دون إستخدام فعلي للسلاح فإن هذا إنجاز عظيم . إنجاز عظيم لأن الخسائر البشرية والإقتصادية والسياسيّة تساوي صفر . فأنت منعت العدوان قبل حتى أن تستخدم ما لديك من أسلحة . هذا من الناحية المبدئيّة ، وأما من الناحية الواقعيّة فقبل بضعة أيام قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين " إن السلاح الكيميائي السوري ظهر كرد على القدرات النووية الإسرائيلية " ، مشدداً على وجوب " العمل على نزع صفة النووي عن مناطق معينة ، وخصوصا الشرق الاوسط " . وهذا الكلام له عدة معان منها : 1 - تفكيك الكيماوي السوري مقدمة لتفكيك النووي الصهيوني ، ليس لأن هذا الكيان سيرضى بهذا التفكيك بل لأن هناك نسق جديد يتشكل في الإقليم ، و" توازن عالمي جديد يُخلق " كما قال الرئيس بشار حافظ الأسد . 2 - إستجابة سوريا للمبادرة الروسيّة يرتب على الفدراليّة الروسيّة إلتزامات قانونيّة وسياسيّة وأخلاقيّة ... أقلها تزويد سوريا بأسلحة تم التعاقد عليها منذ العام 2007 ، ومن ضمنها صواريخ s- 300 وصواريخ إسكندر وغيرها . و" يقال " بأن منظومات من هذه الصواريخ قد وصل قبل المبادرة الروسيّة ، وما تبقى فهو مستمر بالوصول بعدها بوتائر أسرع . 3 - سوريا لن تكون " مجبرة " على التخلي عن كلّ شيء إذا لم يُنزع السلاح النووي الصهيوني . وهذا الإستنتاج الخطير متروك للزمن . ج - ماذا عن مفاوضات لافروف - كيري ؟ وما هي دلالة بنودها سياسيّاً ؟ عندما يجلس السياسيون على طاولة التفاوض ، يجلس معهم الخبراء العسكريين ، وفي حقائبهم يحملون خرائطهم ومعلوماتهم الميدانيّة ، وتقديراتهم لموازين القوى ... ليتم ترجمة كلّ هذه العناصر في بنود سياسية . من كلّ بند تفوح رائحة البارود ، وعطر النصر أو ريح الهزيمة ، وترتسم في كلّ بند أثار أقدام الجنود ، والمتاريس التي يتحصنون خلفها ، ومديات بنادقهم ومدافعهم وصواريخهم ... . ولنكون أكثر دقة ، لنسأل إلى أي جانب تميل الكفة في بنود الإتفاق ؟ 1 - إتفق الجانبان على الكميات التي تملكها الجمهورية العربية السورية من السلاح الكيمائي . أي ممنوع البحث عن غرام واحد خارج الكمية المتفق عليها !!! وهذه سابقة حقيقية ، حيث أن خصم كيري - سوريا - هي " المتهم " والحكم . وهي من يحدد الكميات الخاضعة لهذه الإتفاقيّة !!! ، لا تعليق . 2 - إتفق الجانبان على الأماكن الموجود فيها هذا السلاح ، فلا بحث ولو لسانتيمتر واحد خارج هذه المواقع . وهذه سابقة أخرى ، ولنتذكر هنا مآسي العراق مع فرق التفتيش . 3 - سيكون الروسي شريكاً أمنيّاً كاملاً في الإشراف على نقل وتجميع وترحيل هذه الأسلحة ، وهذا أمر ضروري لمنع أي تلاعب ، وليكون ضامناً لحسن التنفيذ ، وضامناً أيضاً على تحقيق نتائج هذا الإتفاق على نحو تام . أي أن الروسي هو الشاهد الملك على تحقيق هذا الإتفاق . 4 - سوريا لن تدفع ليرة واحدة في هذه العمليّة ، ولن يفكك على أرضها أي من هذه الأسلحة ، ولا تقدم في تنفيذ هذا الإتفاق إلا بالتزامن مع التقدم برفع أوجه العدوان على سوريا تمويلاً وتسليحاً وإيواءاً ورفداً بالقتلة والإرهابيين ... . 5 - من شبه المؤكد بأن المعبر الوحيد لتنفيذ هذا الإتفاق ، هو إتفاق سياسي كبير على مستوى الإقليم ، وفي المقدمة منه التسليم بسقوط الخيار العسكري في الحرب على سوريا حتى قبل أن يندلع ، والإقرار بالهزيمة أمام سوريا وحلفائها ، وتهاوي مشروع " الربيع العربي " الدموي نهائياً . وهذا هو فحوى التفاوض السياسي في جنيف - 2 . 6 - تحتاج هذه الإتفاقيّة إلى عام كامل - في الحدّ الأدنى - حتى يتم تنفيذها ، وخلال هذه المدة سيكون على الطرف الآخر إثبات حسن نواياه بأفعال ضرورية مثل ، وقف تدفق القتلة والإرهابيين ، وقف تدفق السلاح ، التعامل مع الحكومة الشرعيّة التي إلتزمت بهذا الإتفاق ، رفع الحصار المالي والإقتصادي عن الشعب السوري ... . 7 - منظمة حظر الأسلحة الكيمائيّة هي الجهة الوحيدة المخولة بالنظر في أي خلاف ينشأ عند الشروع بتنفيذ هذا الإتفاق ، وفي حال عجز المنظمة يرفع الأمر لمجلس الأمن . أي مرة أخرى للساحة التي للشريكين الروسي والصيني الكلمة الفصل فيها ، وليس الكونغرس الأمريكي أو الحلف الأطلسي أو جامعة الدول العربية . إن هذه البنود تصرخ بأعلى صوتها بأن سوريا هي المنتصرة ، وأن الحرب الكونيّة عليها فشلت في تحقيق أهدافها . ما يجري اليوم هو رسم لخرائط المصالح والنفوذ على وقع ميدان لسوريا وحلفائها الكلمة واليد العليا فيه ، ليس لأني طَرِب منتشي لهذه النتيجة ، بل لأن هذه هي الوقائع والحقائق الصلبة التي لا تقبل التجاهل أو المماطلة . إن أحد أهم أهداف " كيماوي الغوطة " هو بلوغ الذروة في الحرب على سوريا دون الإنزلاق لحرب سيكون لسوريا الرصاصة الأخيرة والقتلة فيها - وإن كان الثمن الذي ستدفعه سوريا باهضاً جداً جداً - والدخول إلى تسوية فيها نوع من التوازن . لكن سوريا رفضت حصول هذا التوازن برفضها " تحمل " أيّة ضربة أمريكية مهما كانت محدودة ، وإصرارها على بلوغ التسوية السياسية بعيداً عن المس بسيادتها وكرامتها الوطنيّة ، أو فلتكن الحرب . عندما غزا الإتحاد السوفيتي أفغانستان ، هزمته مجموعات تشبه كثيراً المجموعات التي يقاتلها ويهزمها الجيش العربي السوري اليوم . ولم يكتفي أعداء سوريا بإستخدام كلّ قتلة الأرض وأبالستها فقط لهزيمة هذا الجيش ، ومحاربة هذه الدولة ، وتمزيق هذا الوطن ، وإسقاط هذا " الأسد " ولكنهم رصدوا مبلغ وصل إلى ( 35 ) خمسة وثلاثون مليار دولار " لشراء " ذمة وضمير ( 17 ) سبعة عشر ألف موظف مدني وعسكري سوري ، لإسقاط الدولة وتمزيق الوطن وهزيمة الجيش والأسد ... تخيلوا فقط حجم الحرب الخفي والبعيد عن العيون والميادين والساحات ، مع كلّ هذا إنتصرنا . ختاما ، لا يمكن أن نحقق كلّ أهدافنا دفعة واحدة ، فهذه ليست آخر معاركنا ، ولا يمكن أن نحقق نصراً هائلاً وتاريخيّاً بحجم هذا الإنتصار دون " خسائر " . المهم أن نحسن التعامل مع النصر ، ونجيد تعويض الخسائر مهما كانت ضئيلة ، ونعالج بصدق وموضوعيّة مشاكلنا الذاتيّة ، ونطور صيغنا الوطنيّة الجامعة ... ولنا مع ما تبقى منهم لقاء قريب .