لم تكن المبادرة الروسية التي طبخت في قمة العشرين رغبة روسية لإجهاض العدوان, بقدر ما كانت رغبة أمريكية سارعت الولايات المتحدة لتلقفها والتمسك بها كتمسك الغريق بالقشة باعتبارها الطريق الأسلم لاستعادة الهيبة, لاسيما أن الضربة العسكرية ضد سورية التي تكاثر ذكرها على لسان الأطراف الدولية والاقليمية المشتبكة في الملف السوري قد تحولت في زمن قياسي من ضربة محدودة إلى مساءلة القيادة السورية بطريقة هادئة ومحدودة كما وصفها كيري اثناء المؤتمر الصحفي مع نظيره وليم هيغ قبل الاعلان عن المبادرة, إضافة لمأزق أوباما الذي صرح عنه كيري خلال المؤتمر نفسه بأن الرئيس قد اتخذ قراراً صعباً بتوجيه ضرية ضد سورية ويعرف أن تمريره عبر الكونغرس لن يكون بالأمر السهل.
السرعة في مباركة المبادرة الروسية من قبل القيادة السورية لجهة وضع سلاحها الكيميائي تحت الرقابة الدولية جاءت باعتقادنا نتيجة سببين رئيسين:
- اعتبار جبهة المقاومة أن ماهية الصراع مع الكيان الصهيوني خلال المرحلة القادمة لن تكون إلا في إطار حرب التنظيمات والحركات المقاومة والتي لا حاجة فيها للسلاح الكيميائي من أجل إيلام العدو ولجم عدوانه, إذ أعلنت القيادة السورية في السابق عن فتح جبهة الجولان لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الكيان الصهيوني واعتبرته رداً استراتيجياً على الغارت الاسرائيلية التي استهدفت موقع للبحث العلمي في جمرايا بريف دمشق وعليه فإن استراتيجية المواجهة المباشرة مع الكيان الصهيوني لن تكون حاضرة في فكر جبهة المقاومة خلال الفترة الحالية على أقل تقدير وبالتأكيد لجبهة المقومة أسبابها الخاصة لانتهاج مثل هذه الاستراتيجية في الصراع مع العدو الاسرائيلي والتي لانتفق معها من وجهة نظر شخصية إذ نعتقد جازمين أن المواجهة " النظامية" مع " إسرائيل" آتية عاجلاً أم آجلاً وإذا لم نبدأها نحن اليوم سيبدؤها هو في الغد.
- إدراك جبهة المقاومة أن وضع سلاحها الكيميائي تحت الرقابة الدولية أو حتى التضحية به لن يكون مجاناً ولن يخل بالتوازن الاستراتيجي مع العدو الاسرائيلي في ميزان الردع لأن التعويض عنه بأسلحة نوعية أخرى كاسرة للتوازن من قبل الروسي سيكون حاضراً بلا أدنى شك في مشهدية الحرب الباردة بين الروسي والأمريكي, إذ كشفت صحيفة كومرسانت الروسية في 11/9/2013 أن بوتين سيعرض في لقائه مع روحاني تزويد إيران بخمسة أنظمة صواريخ أرض جو من طراز إس 300 والأهم من ذلك إقامة مفاعل نووي ثان ٍ في محطة بوشهر وهذا ما تناغم مع تصريحات القيادة الايرانية بأن ايران لن تتخلى عن حقوقها النووية قيد أنملة.
باعتقادنا أن المبادرة الروسية سيتعامل معها الأمريكي فقط كمخرج مشرف وآمن من مٍأزق التراجع عن العدوان وليس من أجل الانخراط الكامل في تسوية كبرى على المقاس الروسي, ولعل تجربة جنيف(1) تمثل خير دليل على عدم صدقية النيات الأمريكية في تبني الحل السياسي إذ خرج لافروف بعد فترة قصيرة من توقيع جنيف (1 ) ليقول أن الولايات المتحدة وقعت جنيف(1) بيد ودعمت الارهاب باليد الأخرى إضافة إلى أنه وبالتزامن مع إطلاق المبادرة الروسية أعلن مايسمى الائتلاف السوري المعارض عن بدء تسلمه أسلحة فتاكة مصدرها الولايات المتحدة.
الثابت باعتقادنا في الفكر الأمريكي هو دعم ديمومة الصراع في سورية بين الجيش العربي السوري وأدواته الإسلاموية بما يحقق الاستنزاف الممنهج لبنية المؤسسة العسكرية وقدرات الدولة السورية المترافق مع مشهدية مماثلة تماماً على الساحة العراقية تمهيداً لحربه مع إيران.
نحن هنا لا نؤطر حديثنا بإطار التكهنات والتوقعات إذ أعلنت القيادة السورية أن تنفيذ المبادرة الروسية لن يكون إجراءات من طرف سورية فقط إنما يجب أن يقترن مع تظهير النيات الأمريكية الحسنة لجهة وقف دعم المجموعات المسلحة في الداخل السوري.
فهل تستمر سياسة الكيل بمكيالين المتأصلة في السلوك الأمريكي وتالياً يستمر معها مسلسل الأزمة في إطار نفس السيناريو المتواصل منذ أكثر من سنتين لاسيما أن كيري أعلنها بوضوح في المؤتمر الصحفي مع هيغ أن تحقيق الحل السياسي للأزمة السورية سيحتاج لسنوات إذا لم "نواجه" الرئيس الأسد الآن ؟؟؟ أم إن الأمريكي أدرك أن التفرد بقيادة العالم قد ذهب أدراج الرياح وأن التسليم بالثنائية القطبية بات قدراً محتوماً لايمكن الهروب منه؟؟ وبالتأكيد للحديث صلة.
المبادرة الروسية..تبددٌ لغيوم الحرب .. واستمرارٌ لمسلسل الأزمة
2013-09-14
بقلم : محمد بكر

