2026-09-01 09:32 م

الاقتصاد السياسي بوصفه أحد ميادين أزمة المشروع الوطني الفلسطيني

2026-09-01

غانية ملحيس
ملخص تنفيذي

ينطلق هذا المقال من فرضية أن أزمة الاقتصاد السياسي الفلسطيني ليست أزمة قطاع اقتصادي معزول، وإنما تمثل أحد تجليات أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وتتداخل مع أبعاده التأسيسية، والبنيوية، والوظيفية، والاستراتيجية. ويجادل بأن الاقتصاد الفلسطيني لم يكن يوما مجالا تقنيا منفصلا عن الصراع، بل شكّل أحد ميادين المواجهة حول الأرض والموارد والقدرة على البقاء وتقرير المصير.

يتتبع المقال التحولات التاريخية التي مر بها الاقتصاد الفلسطيني منذ فترة الانتداب البريطاني، مرورا بالنكبة عام 1948 واحتلال عام 1967، وصولا إلى اتفاق أوسلو وما أفرزه من إعادة تشكيل للاقتصاد ضمن ترتيبات حكم ذاتي محدود ومجزأ السيادة، كرّسها بروتوكول باريس الاقتصادي. ويبين أن التحول الجوهري لم يقتصر على الأدوات والسياسات الاقتصادية، بل شمل وظيفة الاقتصاد نفسها، إذ انتقل تدريجيا من كونه أداة لبناء القدرة الوطنية وتعزيز الصمود في إطار مشروع التحرر، إلى اقتصاد يركز على إدارة واقع يقوم على التبعية والاعتماد واستمرارية المؤسسات.

كما يناقش آثار هذا التحول على القرار السياسي، من خلال إبراز العلاقة بين التبعية الاقتصادية والمالية وتراجع هامش الاستقلال في صنع القرار، وإعادة تشكيل الأولويات الوطنية بما يجعل الحفاظ على الاستقرار الإداري والمالي يتقدم على بناء مقومات السيادة الاقتصادية. ويرى أن هذه التحولات أسهمت في إنتاج نموذج يمكن وصفه بـ«اقتصاد إدارة التبعية»، الذي يملك مؤسسات إدارية لكنه يفتقر إلى السيطرة على المقومات الأساسية للاقتصاد.

ويخلص المقال إلى أن التحولات التي فرضتها حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة وما رافقها من محاولات لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، كشفت حدود النموذج الاقتصادي الذي تشكل بعد أوسلو، وأعادت طرح سؤال الاقتصاد بوصفه أحد شروط البقاء والصمود والسيادة الوطنية. ومن ثم يدعو إلى إعادة تعريف وظيفة الاقتصاد الفلسطيني بوصفه أداة لبناء القدرة الوطنية، عبر تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليص التبعية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتنويع العلاقات الاقتصادية العربية والدولية، بما يسهم في إعادة بناء المشروع الوطني على أسس أكثر قدرة على الصمود والاستقلال.

ويخلص المقال إلى أن الانتقال من اقتصاد إدارة التبعية إلى اقتصاد بناء القدرة الوطنية رهناً بترجمة هذا التحول في الرؤية إلى سياسات اقتصادية ملموسة تعيد توجيه الاقتصاد والاستثمار والموارد نحو بناء عناصر القوة الذاتية. ويدعو إلى تصويب بوصلة النقاش الفلسطيني من الانشغال بأعراض الأزمة، دون التقليل من اهمية حلها، إلى مساءلة النموذج الاقتصادي الذي أعاد إنتاجها وعزّز آثارها، وإعادة تعريف وظيفة الاقتصاد بوصفه أحد أدوات بناء القدرة الوطنية في إطار مشروع التحرر الوطني. 

المقال الكامل: الاقتصاد السياسي بوصفه أحد ميادين أزمة المشروع الوطني الفلسطيني

 مقدمة

ينطلق هذا المقال التحليلي من الإطار النظري الذي اقترح أن أزمات المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن فهمها باعتبارها أزمات منفصلة أو متجاورة، بل مستويات مترابطة من الاختلالات التأسيسية والبنيوية والوظيفية والاستراتيجية، تتفاعل فيما بينها وتعيد إنتاج بعضها بعضا.

وفي هذا السياق، يندرج الاقتصاد السياسي ضمن مستوى الأزمات الوظيفية في بنية المشروع الوطني، بوصفه المجال الذي تظهر فيه اختلالات السياسات العامة وأداء المؤسسات وقدرتها على إدارة الموارد وتلبية الاحتياجات اليومية للمجتمع. 

غير أن خصوصية الاقتصاد الفلسطيني تجعله يتجاوز هذا المستوى الوظيفي، لأنه يرتبط بصورة مباشرة بأسئلة السيادة والشرعية والقدرة على اتخاذ القرار الوطني، وبطبيعة الخيارات الاستراتيجية التي تحدد مسار المشروع الوطني الفلسطيني ومستقبله.

ولا يعني ذلك أن الأزمة الاقتصادية تفسر وحدها أزمة المشروع الوطني، بل إنها تمثل أحد المجالات التي تتجسد فيها الاختلالات التأسيسية والبنيوية والاستراتيجية، كما تساهم في إعادة إنتاجها. فالاقتصاد في الحالة الفلسطينية لم يكن يوما مجالا تقنيا منفصلا عن الصراع، وإنما كان وما يزال أحد ميادين المواجهة حول الأرض والموارد والحركة والقدرة على تقرير المصير.

ومن هنا، فإن معالجة الأزمات الاقتصادية الراهنة، من المقاصة، والرواتب، والطاقة، وتكدس الشيكل، والعلاقات المصرفية، والجسر، إلى البطالة، والفقر، وتراجع القدرة الإنتاجية وغيرها، لا ينبغي أن تقتصر على البحث عن حلول إدارية أو مالية جزئية، رغم ضرورتها وإلحاحها.

كما لا يجوز تأجيلها بحجة انتظار حل سياسي شامل؛ فالمواطن لا يعيش في مستوى التاريخ فقط، بل يعيش أيضا في مستوى حاجاته اليومية.

غير أن قيمة أي معالجة جزئية لا تتحدد فقط بقدرتها على تخفيف أعراض الأزمة، بل بمدى اندراجها ضمن مسار يعيد بناء القدرة الوطنية. 

ولذلك فإن السؤال الذي يحكم هذا المقال ليس فقط: كيف نعالج الأزمات الاقتصادية الراهنة؟ بل: أي اقتصاد يخدم المشروع الوطني الفلسطيني؟

هل هو اقتصاد يهدف إلى إدارة واقع مقيد ومحدود ومجزأ السيادة والتكيف مع شروطه؟ 

أم اقتصاد يسعى إلى بناء قدرة وطنية تدريجية تقلل من الارتهان والتبعية، وتعزز القدرة على الصمود والتحرر؟

يجادل المقال بأن أزمة الاقتصاد السياسي الفلسطيني لا تكمن فقط في ضعف الأداء أو نقص الموارد، بل في التحول التاريخي الذي طرأ على وظيفة الاقتصاد: من كونه أحد أدوات بناء القدرة الوطنية وتعزيز الصمود في سياق التحرر، إلى كونه، بدرجات متفاوتة، أداة لإدارة واقع اقتصادي نشأ داخل منظومة من القيود الاستعمارية والسياسية.

وعليه، يسعى المقال إلى تتبع التحولات التي أصابت الاقتصاد الفلسطيني، من محاولات بناء اقتصاد يخدم المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الصهيوني خلال فترة الانتداب البريطاني 1922-1948، والتحولات البنيوية بعد النكبة عام 1948 ، مرورا بالتطورات التي أعقبت احتلال باقي اجزاء فلسطين الانتدابية ( الضفة الغربية وقطاع غزة) عام 1967،  ثم  إعادة تشكيل الاقتصاد ضمن ترتيبات الحكم الذاتي المحدود والمجزأ السيادة، وصولا إلى  حرب الإبادة  الجماعية  والتطهير العرقي في قطاع غزة وامتدادها الى الضفة  الغربية والتحديات الراهنة،

بهدف تقديم قراءة تربط بين الاقتصاد السياسي وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية.  وتبحث في شروط الانتقال من اقتصاد إدارة التبعية، إلى اقتصاد بناء القدرة الوطنية.

لم يكن الاقتصاد الفلسطيني، منذ بدء الغزو الاستعماري الغربي لفلسطين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مجرد مجال للنشاط الإنتاجي أو التبادل التجاري، بل كان أحد ميادين الصراع على الأرض والموارد والقدرة على البقاء. فقد أدرك المستعمرون مبكرا أن السيطرة السياسية والجغرافية لا يمكن تثبيتها دون إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على إنتاج شروط بقائه واستقلاله الاقتصادي والاجتماعي.

وعليه، لم يكن الاقتصاد الفلسطيني مجرد ميدان لإدارة الموارد أو تحسين مستوى المعيشة، بل كان، منذ بدايات الصراع أحد ميادين المواجهة الرئيسية بين مشروعين متناقضين:

مشروع وطني مقاوم يسعى إلى بناء قدرة مستقلة تمكّن الشعب الفلسطيني من الصمود والتحرر.

ومشروع استعماري غربي صهيوني يسعى إلى فك ارتباط الشعب العربي الفلسطيني بمقومات وجوده المادية والاقتصادية للتأسيس لاقتلاعه، عبر تدمير مرتكزات عيشه، وإخضاع اقتصاده لمنظومة التبعية والاعتماد الخارجي، بما يحد من قدرته على البقاء والصمود في أرضه، والحيلولة دون بناء اقتصاد وطني يؤسس للاستقلال السياسي.

فالسيطرة على الأرض لا تقتصر على السيطرة العسكرية أو الجغرافية، وإنما تشمل أيضا السيطرة على الموارد الطبيعية، وشروط الإنتاج، والعمل، وحركة التجارة، والبنية التحتية، والأسواق، وأنماط الاستهلاك، ومصادر التمويل. 

ولذلك فإن الاقتصاد، في الحالة الفلسطينية، لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع الوجودي نفسه، لأنه يشكل إحدى ميادين الصراع، والأداة الرئيسة التي تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي والسياسي والاجتماعي، بما يخدم أهداف المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الوظيفي.

ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع تحرري يحتاج إلى اقتصاد سياسي قادر على حماية وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين وتعزيز تماسك وصمود المجتمع الفلسطيني على أرضه، وتطوير قدراته الذاتية، وتعزيز مناعته، وتقليص كلفة المقاومة، عبر ربط التنمية الاقتصادية بالتحرر الوطني. 

أولًا: الاقتصاد السياسي الفلسطيني: من فرض التبعية الاستعمارية إلى محاولة بناء القدرة الذاتية

لا يمكن أن تُفهم التنمية في ظل السيطرة الاستعمارية باعتبارها عملية تقنية محايدة، بل باعتبارها جزءا من سؤال السيادة: 

من يملك القدرة على تحديد الأولويات الاقتصادية؟ ومن يسيطر على الموارد؟ ومن يحدد علاقات الإنتاج والتجارة؟

ومن هنا، ارتبطت عملية السيطرة على فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني (1922-1948)، الذي جاء في سياق النظام الدولي الذي استحدثته القوى الدولية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، والذي أوكل إلى بريطانيا مهمة تنفيذ المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، والتأسيس لاستبدال فلسطين بإسرائيل واستبدال شعبها العربي الفلسطيني بالمستوطنين اليهود الأجانب، بوصف ذلك جزءا من المشروع الإمبريالي الأوسع للسيطرة على المنطقة العربية - الإسلامية، وإدامة الهيمنة على النظام الدولي. ولم ترتبط هذه العملية بالاستيلاء على الأرض فقط، بل كذلك بإعادة تشكيل البنية الجغرافية، والديموغرافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.

وقد شكل فك ارتباط الشعب الفلسطيني بمقومات وجوده المادية أحد الشروط الأساسية لإضعاف قدرته على مقاومة الإقصاء والاقتلاع، وذلك عبر السيطرة على الموارد الطبيعية، وإضعاف القطاعات الإنتاجية الفلسطينية، وإعادة توجيه علاقات الإنتاج والتجارة والعمل. وقد شكلت هذه الأدوات مجتمعة وسائل لتدمير الاقتصاد الفلسطيني وإدماج ما يتبقى منه في علاقة تبعية للمركز الاستعماري، والحد من قدرته على بناء قاعدة مادية لمشروع وطني مستقل في أي جزء من فلسطين.

وفي العام 1948، تم الاستيلاء على 78% من فلسطين، وطرد الغالبية الساحقة من السكان الفلسطينيين خارج وطنهم، والاستحواذ على الأرض والموارد والممتلكات، وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد.

 ولم تقتصر آثار ذلك على الجزء الفلسطيني المحتل عام 1948، الذي أُنشئت إسرائيل فوق أنقاضه، بل امتدت إلى الأجزاء الفلسطينية التي بقيت خارج الاحتلال (الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس، وقطاع غزة). وتعمقت هذه التحولات مع تقسيم الشعب الفلسطيني وإلحاق أجزاء منه بمنظومات اقتصادية وسياسية مختلفة.

وأدى الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 لبقية اجزاء فلسطين الانتدابية (الضفة الغربية وقطاع غزة) إلى إخضاع اقتصادهما لبنية جديدة من السيطرة الإسرائيلية المباشرة، فتم قطع علاقاته بعمقه العربي، وتدمير الروابط الاقتصادية الداخلية الأمامية والخلفية، وإعادة ربط جزئياته بصورة متزايدة بالاقتصاد الإسرائيلي. وتحول الاقتصاد إلى جزء من منظومة السيطرة الاستعمارية، حيث تسيطر اسرائيل على الحدود، والموارد، وحركة الأفراد والأسواق وفرص الإنتاج.

ومع ذلك، لم يكن المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة مجرد متلق لهذه البنية المفروضة، بل ظهرت محاولات متعددة لبناء مقومات اقتصادية تخدم الصمود الوطني، سواء عبر تطوير المؤسسات الوطنية، أو دعم التعليم والكفاءات، أو إنشاء قطاعات إنتاجية ومؤسسات اجتماعية واقتصادية مرتبطة بمشروع التحرر الوطني.

وكان الهدف الأساسي لهذه المحاولات يتجاوز التنمية الاقتصادية بمعناها التقني، ليصل إلى بناء قدرة مجتمعية تعزز الصمود، وتقلل من قابلية المجتمع الفلسطيني للابتزاز السياسي والاقتصادي.

وفي إطار مشروع التحرر الوطني، كان الاقتصاد الفلسطيني يُنظر إليه بوصفه أحد عناصر القوة الوطنية، لا بوصفه مجالا منفصلا عن السياسة. فالمجتمع الذي لا يمتلك القدرة على إنتاج احتياجاته الأساسية، وحماية موارده، وبناء مؤسساته، يصبح أكثر عرضة للارتهان لشروط القوى الاستعمارية المسيطرة.

ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الفلسطيني قبل أوسلو لم يكن فقط: كيف نحقق النمو؟ بل كان سؤالا سياسيا أعمق: كيف نبني اقتصادا قادرا على خدمة مشروع التحرر الوطني، وليس اقتصادا يتكيف مع شروط السيطرة القائمة؟

ومن أبرز التعبيرات عن هذا التوجه كان أول مؤتمر للتنمية والصمود الذي أشرف عليه الملتقى الفكري العربي في القدس عام 1982، حيث استهدف تعزيز صمود الشعب الفلسطيني من خلال:

دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تشجيع الاعتماد على الموارد الذاتية.
تقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.
وضع رؤى وبرامج تنموية تخدم المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال.
وكان لوثائق المؤتمر تأثير فكري وسياساتي مهم على تصور التنمية الاقتصادية الفلسطينية، حتى وإن لم تُحدث تحولا اقتصاديا مباشرا بسبب ظروف الاحتلال. فقد أسست لرؤية جديدة تقوم على اعتبار التنمية وسيلة لتعزيز الصمود الوطني، لا مجرد أداة لتحسين مستوى المعيشة. وقد دعت الوثائق إلى:

تعزيز مفهوم الاعتماد على الذات من خلال تقوية الإنتاج المحلي، خاصة في الزراعة والصناعات الصغيرة الموجهة لتلبية الاستهلاك المحلي، وتوسيع القاعدة التشغيلية لتقليل الاعتماد على العمل في الاقتصاد الإسرائيلي، وزيادة قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود.
توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، عبر إعطاء الأولوية لتمويل الزراعة والصناعة والبنى التحتية والتعاونيات، بدل التركيز على الاستهلاك والمشروعات غير المنتجة، بهدف خلق اقتصاد أكثر استدامة.
دعم المؤسسات الوطنية من خلال إنشاء وتقوية المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، مثل المجالس المتخصصة والهيئات التنموية، والجمعيات التعاونية، لتوفير فرص عمل وخدمات للمجتمع الفلسطيني.
الربط بين التنمية والصمود الوطني، باعتبار أن التنمية ليست هدفا اقتصاديا فقط، بل وسيلة للحفاظ على وجود الفلسطينيين في أرضهم، وتعزيز قدرتهم على مواجهة سياسات الاحتلال.
التأثير في الفكر التنموي الفلسطيني، فقد أسهمت الوثائق في بلورة مفهوم “التنمية من أجل الصمود”، الذي تبنته لاحقا العديد من المؤسسات الفلسطينية والباحثين، وأصبح مفهوما مؤثرا في برامج التنمية الفلسطينية خلال الثمانينيات، ولاحقا خلال فترة الانتفاضة الأولى.
ومن هنا يمكن فهم أن التحول الذي حدث بعد أوسلو لم يكن مجرد تغيير في نمط الإدارة الاقتصادية، بل انتقالا في  وظيفة الاقتصاد نفسه: من سؤال بناء القدرة الاقتصادية للتحرر والصمود، إلى سؤال إدارة اقتصاد محدود ومجزأ السيادة، داخل ترتيبات سياسية واقتصادية انتقالية، تحولت لاحقا إلى بنية مستمرة.

ثانيا: كيف أعاد اتفاق أوسلو تشكيل الاقتصاد الفلسطيني؟

أ.    من اقتصاد تحت الاحتلال إلى اقتصاد تحت ترتيبات حكم ذاتي محدود السيادة

لم يكن التحول الاقتصادي الذي رافق اتفاق أوسلو مجرد انتقال من مرحلة الاحتلال المباشر إلى مرحلة تتولى فيها مؤسسات فلسطينية إدارة بعض الشؤون الاقتصادية، بل كان إعادة تشكيل لطبيعة الاقتصاد الفلسطيني ضمن إطار سياسي جديد جمع بين نشوء مؤسسات فلسطينية للإدارة وبين استمرار السيطرة الإسرائيلية على العديد من المحددات الأساسية التي تتحكم في قدرة أي اقتصاد على الاستقلال والحركة.

فقد نشأت السلطة الفلسطينية في سياق لم تكن فيه مقومات السيادة الاقتصادية متوفرة. إذ لم تنتقل إليها السيطرة على الحدود، أو المجال الجوي، أو المياه الإقليمية، أو الموارد الطبيعية الأساسية، أو حرية حركة الأشخاص والبضائع بين القدس والضفة الغربية وقطاع غزة ومع العالم الخارجي. 

وهذه العناصر ليست مجرد أدوات إدارية، بل تمثل في العادة الأساس المادي الذي تقوم عليه قدرة أي اقتصاد وطني على صياغة سياساته واتخاذ قراراته المستقلة.

ومن هنا وجد الاقتصاد الفلسطيني نفسه أمام وضع مركب: وجود مؤسسات فلسطينية تتولى مسؤوليات اقتصادية ومالية وإدارية واسعة، دون امتلاك الأدوات السيادية اللازمة لبناء اقتصاد مستقل أو إعادة توجيه مساره وفق أولويات وطنية مستقلة.

ب.  بروتوكول باريس الاقتصادي: تنظيم وتكريس التبعية بدل إنهائها

جاء بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994 ليشكل الإطار المنظم للعلاقة الاقتصادية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية التي أعقبت اتفاق أوسلو. ومن المهم النظر إلى البروتوكول ضمن سياقه التاريخي والسياسي؛ ولعل الجانب الأكثر أهمية أن الاتفاق الاقتصادي، لم يكن ترتيبا لاحقا أو متصلا بالمسار السياسي، بل جاء التفاوض عليه بالتوازي وبمعزل عن الاتفاق السياسي في أوسلو، بحيث أصبح الإطار الاقتصادي المنظم للمرحلة الانتقالية. وكشف هذا التوازي عن تناقض أساسي: 

ففي حين اتجه الاتفاق السياسي نحو إعادة تنظيم العلاقة السياسية والإدارية بين الطرفين على أساس انسحاب إسرائيلي تدريجي وبناء مؤسسات فلسطينية انتقالية، جاء الإطار الاقتصادي ليحافظ على درجة عالية من الترابط الاقتصادي الفلسطيني، وليعمق اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي في المجالات الانتاجية والتجارية، والمالية، والنقدية، والعمل.

فقد نظم بروتوكول باريس قضايا أساسية مثل التجارة الخارجية، والمقاصة، وحركة السلع، والعمل، والطاقة، والمياه، والاتصالات، والعلاقات التجارية، والعملة، وأبقى العديد من هذه المجالات ضمن ترتيبات ترهن الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، وتحد من قدرته على بناء سياسة اقتصادية مستقلة.

ومن هنا تكمن خصوصية نموذج أوسلو الاقتصادي: فقد أنشأ بنية حكم وإدارة اقتصادية، لكنه لم ينشئ بنية استقلال اقتصادي. وأصبح بالإمكان بناء وزارات ومؤسسات وموازنات وأجهزة إدارية فلسطينية، بينما بقيت العديد من شروط الاقتصاد الكلي - مثل التحكم بالحدود، والموارد، والعمل، وحركة التجارة، والسياسات المالية والنقدية ــ مرتبطة بالقرار الاسرائيلي والمانحين الدوليين. وزاد من انكشاف الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني لإسرائيل والخارج.

وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الأدوات الاقتصادية، بل كان تحولا في وظيفة الاقتصاد ذاته؛ إذ انتقل مركز الاهتمام تدريجيا من بناء القدرة الذاتية الإنتاجية والتشغيلية والاستقلال الاقتصادي، إلى إدارة الاعتماد والتبعية، والمحافظة على استمرارية المؤسسات في ظل القيود القائمة.

ولم يكن مجرد اتفاق لتنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية التجارية بين اقتصادين متجاورين، بل كان جزءا من بنية سياسية واقتصادية أوسع، هدفت إلى إدارة المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تقود بعد خمس سنوات إلى تسوية نهائية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

وقد انعكس ذلك في استمرار الدور المركزي لإسرائيل في مجالات حاسمة مثل التجارة الخارجية، والسياسة الجمركية، والعملة، والطاقة، والمعابر، وحركة السلع والأشخاص وغيرها من القضايا التي تشكل عناصر أساسية في قدرة أي اقتصاد على اتخاذ قرارات مستقلة. وأدى هذا الوضع إلى نشوء فجوة بنيوية بين ما تتحمله السلطة الفلسطينية من مسؤوليات وما تملكه من أدوات.

 فقد أصبحت السلطة مسؤولة عن إدارة قطاعات واسعة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير الخدمات العامة، وبناء المؤسسات، وتحقيق قدر من الاستقرار المالي والاجتماعي، في حين بقيت محددات أساسية تؤثر في النمو الاقتصادي وفرص الإنتاج والتجارة خارج نطاق سيطرتها.

ومن هنا فإن المشكلة المركزية في بروتوكول باريس لم تكن في مبدأ وجود ترتيبات اقتصادية انتقالية، وإنما في طبيعة العلاقة التبعية التي كرّسها بين اقتصاد قائم تحت الاحتلال، والاقتصاد الإسرائيلي الذي يمتلك أدوات السيطرة على المجال الاقتصادي الفلسطيني. ولهذا أصبح الترابط الاقتصادي لا يعمل فقط كأداة للتعاون الذي حمله عنوان البروتوكول، بل كأحد العوامل التي تقيد حدود القدرة الفلسطينية على بناء مسار اقتصادي مستقل.

وعليه، يمكن القول إن بروتوكول باريس لم يؤسس تبعية اقتصادية جديدة من الصفر، بل أعاد تنظيم هذا الارتباط التبعيّ ضمن إطار قانوني ومؤسساتي جديد. فبدل أن يكون الارتباط نتيجة مباشرة لواقع الاحتلال العسكري، أصبح جزءا من ترتيبات اقتصادية رسمية تحكم العلاقة الفلسطينية - الإسرائيلية خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما جعل التحدي الأساسي أمام الاقتصاد الفلسطيني ليس فقط تحقيق النمو، بل بناء قدرة اقتصادية تقلل من الارتهان الاقتصادي والمعيشي الفلسطيني وتوسع هامش القرار الوطني.

ج.  اقتصاد السلطة: من اقتصاد التحرر إلى اقتصاد الإدارة

أدى قيام السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاق أوسلو إلى تغير عميق في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة داخل المشروع الوطني الفلسطيني. فلم يعد الاقتصاد يعمل فقط ضمن منطق مواجهة الاحتلال وتعزيز القدرة على الصمود، كما كان الحال في مراحل سابقة، بل أصبح مرتبطا بإدارة كيان سياسي جديد يمتلك صلاحيات محدودة، ضمن بيئة ما تزال تخضع بدرجات مختلفة للسيطرة الإسرائيلية.

ففي سياق حركات التحرر الوطني، يُنظر إلى الاقتصاد باعتباره أحد أدوات بناء القوة الوطنية؛ فهو لا يقتصر على تحقيق النمو أو توفير الخدمات، بل يرتبط بقدرة المجتمع على حماية موارده، وتعزيز إنتاجه المحلي، وتقليل اعتماده على الطرف المسيطر، وبناء مقومات الاستقلال السياسي. ولهذا كان مفهوم الاقتصاد في التجربة الفلسطينية قبل أوسلو مرتبطا بدرجة كبيرة بفكرة الصمود: أي استخدام الموارد المتاحة لتعزيز قدرة المجتمع على البقاء والحفاظ على عناصر القوة الذاتية في مواجهة الاحتلال.

أما في سياق الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والمجزأ السيادة، فقد تغيرت وظيفة الاقتصاد تدريجيا. إذ أصبح التركيز الأساسي منصبا على إدارة المؤسسات الجديدة، وتوفير الخدمات العامة، والحفاظ على الاستقرار المالي والإداري أكثر من تركيزه على بناء اقتصاد قادر على فك الارتباط البنيوي مع الاقتصاد الإسرائيلي.

ولا تكمن الإشكالية في وجود سلطة تدير الاقتصاد؛ فبناء المؤسسات الاقتصادية والإدارية يمثل ضرورة لأي مشروع سياسي يسعى إلى بناء الدولة. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح وظيفة الإدارة منفصلة عن مشروع بناء القدرة الوطنية، بحيث يتحول الاقتصاد من أداة لتعزيز الاستقلال، إلى أداة للتكيف مع واقع سياسي واقتصادي مفروض. ومن هنا انتقل السؤال المركزي من:

كيف نبني اقتصادًا قادرا على دعم مشروع التحرر الوطني وتعزيز القدرة على الاستقلال؟

إلى: كيف نحافظ على استمرارية مؤسسات تعمل ضمن حدود سياسية واقتصادية ضيقة؟

وهذا التحول انعكس بصورة مباشرة على طبيعة الأولويات الاقتصادية. ففي مرحلة التحرر الوطني، تُقاس فعالية الاقتصاد بقدرته على:

حماية الأرض وتعزيز الارتباط بها.
دعم الإنتاج المحلي.
تطوير القطاعات الاستراتيجية.
تقليل الاعتماد الاقتصادي على الخارج.
بناء قدرة مجتمعية على الصمود الطويل.
أما في إطار السلطة ذات الصلاحيات المحدودة، فقد أصبحت الأولويات العملية تتمحور حول:

دفع رواتب الموظفين.
تقديم الخدمات الأساسية.
الحفاظ على الاستقرار المالي.
إدارة الموازنة العامة.
التعامل مع متطلبات المانحين الدوليين.
التكيف مع القيود المفروضة على الحركة والتجارة والموارد.
وهذه الوظائف ليست سلبية بحد ذاتها؛ فكل مجتمع يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة حياته اليومية وتقديم الخدمات للمواطنين. إلا أن الإشكالية البنيوية تظهر عندما تتحول هذه الوظائف الإدارية من مرحلة مؤقتة إلى الإطار الدائم الذي يحكم الاقتصاد، بحيث يصبح الحفاظ على استمرارية المؤسسات هدفا قائما بذاته، بدل أن تكون المؤسسات وسيلة لبناء اقتصاد أكثر استقلالا وقدرة على تغيير شروط الواقع.

وقد تعزز هذا الاتجاه مع تزايد الاعتماد على مجموعة من الأدوات والموارد المرتبطة بالبنية التي نشأت بعد أوسلو، ومنها:

عائدات المقاصة المرتبطة بالعلاقة الاقتصادية مع إسرائيل.
التجارة والعمل والطاقة والاتصالات المرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي.
قطاع عام أصبح أحد المكونات الرئيسية في النشاط الاقتصادي.
المساعدات الخارجية والتمويل الدولي.
وقد ساهمت هذه الموارد في الحفاظ على استمرارية المؤسسات الفلسطينية وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لكنها في الوقت ذاته خلقت أنماطا جديدة من الاعتماد والتبعية، وجعلت قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الحركة مرتبطة بدرجة كبيرة بعوامل لا تخضع في غالبيتها للقرار الفلسطيني.

د. اقتصاد السلطة: عندما يتحول المؤقت إلى بنية مستقرة

نشأت السلطة الفلسطينية، وفق التصور الأصلي لاتفاق أوسلو، باعتبارها مرحلة انتقالية يفترض أن تقود بعد خمس سنوات إلى تسوية سياسية نهائية تنهي الاحتلال وتفتح الطريق أمام قيام كيان فلسطيني ذي سيادة. ولذلك كان من المفترض أن يكون الاقتصاد المرتبط بهذه المرحلة اقتصادا انتقاليا، تتمثل وظيفته الأساسية في بناء المؤسسات، وتطوير القدرات الإدارية والاقتصادية، وتهيئة الظروف التي تسمح بالانتقال من الحكم الذاتي المحدود إلى مرحلة الاستقلال.

إلا أن استمرار المرحلة الانتقالية لأكثر من ثلاثة عقود، وتحولها عمليا إلى وضع طويل الأمد، أدى إلى تغير جوهري في وظيفة هذا الاقتصاد. فلم يعد اقتصاد السلطة مجرد أداة مؤقتة لبناء مقومات السيادة، بل أصبح إطارا لإدارة واقع سياسي واقتصادي مستمر يجمع بين وجود مؤسسات فلسطينية تمارس وظائف الحكم والإدارة، وبين استمرار السيطرة الإسرائيلية على عناصر أساسية من الأرض والموارد والحركة والاقتصاد، بالتزامن مع التوسع الاستيطاني الجغرافي والديموغرافي.

وهنا يكمن التحول الأساسي: فالاقتصاد الذي كان يفترض أن يكون وسيلة للانتقال نحو الاستقلال، أصبح يعمل داخل بيئة ما تزال محددة بشروط المرحلة الانتقالية نفسها. وهذا التحول لم يكن مجرد تغير في الأولويات الاقتصادية، بل كان انعكاسا لتحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والمشروع الوطني. فحين يكون الاقتصاد جزءا من مشروع تحرر وطني، تكون وظيفته الأساسية بناء عناصر القوة الذاتية، وتعزيز القدرة على الصمود، وتقليل الاعتماد على الطرف المسيطر. أما عندما يعمل الاقتصاد ضمن إطار حكم محدود ومجزأ السيادة، فإن الأولويات تميل تدريجيا نحو إدارة الواقع القائم والحفاظ على استمرارية المؤسسات العاملة داخله.

ومن هنا انتقل مركز الثقل الاقتصادي من اقتصاد الصمود وبناء القدرة إلى اقتصاد الاستقرار الإداري.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في تجربة اقتصاد السلطة: فالمؤسسات التي نشأت بهدف التحضير للاستقلال وجدت نفسها تعمل لفترة طويلة ضمن غياب الاستقلال. ومع مرور الوقت، أصبح استمرار هذه المؤسسات مرتبطا بدرجة من الاعتماد على مصادر وشروط خارجية، الأمر الذي جعل الانتقال من مرحلة الإدارة إلى مرحلة بناء القدرة الوطنية أكثر تعقيدا.

وبالتالي فإن المشكلة لا تتمثل في وجود اقتصاد تديره سلطة فلسطينية، ولا في بناء مؤسسات إدارية ومالية فلسطينية؛ فهذه عناصر ضرورية لأي مشروع سياسي. وإنما تكمن المشكلة في أن هذه البنية الاقتصادية نشأت داخل إطار محدود ومجزأ السيادة، واستمرت بعد تجاوز مدتها الانتقالية المفترضة، مما أدى إلى تحول وظيفتها من بناء شروط الاستقلال إلى إدارة واقع سياسي واقتصادي مقيد بشروط الاحتلال.

وهذا التحول يفسر جانبا أساسيا من طبيعة الاقتصاد الفلسطيني بعد أوسلو: فهو ليس اقتصادا بلا مؤسسات، بل اقتصاد يمتلك مؤسسات إدارية واسعة، لكنه يعمل ضمن حدود تحد من قدرته على استخدام هذه المؤسسات لبناء استقلال اقتصادي فعلي.

ه.    نشوء مصالح مرتبطة باستمرار الوضع القائم

من التحولات المهمة التي رافقت تطور نموذج الحكم الذاتي الفلسطيني طويل الأمد ظهور شبكة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة باستمرار مؤسسات الحكم الذاتي القائمة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه المصالح نشأت نتيجة توجهات سياسية مقصودة، أو أن الفئات المستفيدة منها تتعارض مع المشروع الوطني؛ وإنما يشير إلى ظاهرة بنيوية ترافق عادة نشوء أي نظام إداري طويل الأمد، حيث تتشكل حوله علاقات اقتصادية واجتماعية تعتمد على استمراره ووظائفه.

فمع توسع مؤسسات السلطة الفلسطينية وتثبيت دورها الإداري، نشأت قطاعات وفئات اجتماعية واسعة أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بالبنية الاقتصادية التي تشكلت بعد أوسلو، سواء من خلال:

الوظيفة العامة.
الإنفاق الحكومي.
المشاريع الممولة خارجيا.
شبكات التعاقد والخدمات المرتبطة بالمؤسسات العامة.
النشاط الاقتصادي المرتبط بالإدارة الحكومية والمنظمات المانحة.
وقد لعبت هذه القطاعات دورا مهما في الحفاظ على استمرارية المجتمع والمؤسسات، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة. فالوظيفة العامة، على سبيل المثال، لم تكن مجرد مصدر دخل للأفراد، بل أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتوفير الخدمات الأساسية، في ظل تزايد محدودية قدرة القطاع الخاص الفلسطيني والقيود المفروضة على النشاط الاقتصادي.

لكن التحليل الاقتصادي لا يتوقف عند الوظيفة المباشرة لهذه القطاعات، بل ينظر أيضا إلى أثر تشكلها على طبيعة الاقتصاد نفسه. فعندما تصبح شرائح واسعة من المجتمع مرتبطة باستمرار نموذج اقتصادي قائم على الإدارة والإنفاق العام والتمويل الخارجي، فإن بنية اقتصادية واجتماعية جديدة تنشأ حول وظيفة الإدارة ذاتها، وليس بالضرورة حول عملية الإنتاج وتعزيز القطاعات الاستراتيجية.

وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في اقتصاد السلطة: فالمؤسسات التي نشأت باعتبارها أدوات انتقالية لبناء مقومات الدولة أصبحت، مع مرور الوقت، تمثل مصدر استقرار اقتصادي واجتماعي لفئات واسعة. وهذا خلق علاقة مركبة بين الحاجة إلى تغيير سياسي واقتصادي عميق، وبين الحاجة إلى الحفاظ على استقراراجتماعي يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار هذه البنية.

ولا يعني ذلك أن الاستقرار المؤسسي أو الاعتماد على الوظيفة العامة أو التمويل الخارجي يمثل مشكلة بحد ذاته؛ فمعظم الاقتصادات الناشئة تعتمد بدرجات مختلفة على القطاع العام أو التمويل الخارجي أو شبكات الخدمات العامة. لكن الإشكالية في الحالة الفلسطينية ترتبط بالسياق الذي نشأت فيه هذ الاعتماد: اقتصاد يعمل تحت استعمار استيطاني إحلالي يتمدد جغرافيا وديموغرافيا، دون سيطرة على الموارد والحدود وأدوات السياسات الاقتصادية والمالية.

وبالتالي فإن القضية ليست وجود فئات أو مصالح تستفيد من استمرار المؤسسات الفلسطينية، بل إن التحدي يكمن في تحول بنية مؤسساتية انتقالية إلى بنية مستقرة لها منطقها الاقتصادي والاجتماعي الخاص. فعندما تصبح استمرارية النظام الإداري شرطا لاستقرار مصالح فئات واسعة، قد ينشأ توتر بين الحاجة إلى إعادة بناء شروط السيادة الاقتصادية، وبين الخوف من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لأي تغيير جذري. وهنا تظهر المعضلة الاستراتيجية:

كيف يمكن لمؤسسات نشأت ضمن شروط محدودة ومجزأة السيادة أن تتحول إلى أدوات لبناء السيادة، بينما أصبحت استمراريتها مرتبطة جزئيا بالشروط التي تحد من هذه السيادة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بإصلاح أداء المؤسسات أو تحسين الإدارة المالية، بل تتطلب إعادة النظر في وظيفة الاقتصاد نفسه:

هل يهدف فقط إلى ضمان استمرارية الإدارة وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار؟

أم أنه قادر على التحول إلى أداة لبناء القوة الاقتصادية الوطنية وتقليل الاعتماد والتبعية؟

ومن هذا المنظور، فإن نشوء المصالح المرتبطة بالوضع القائم لا يُفهم كمسألة أخلاقية، أو كحكم على الأفراد والمؤسسات، بل كظاهرة اقتصادية وسياسية تنتج عن استمرار نموذج معين من الحكم والتمويل والعلاقات الاقتصادية. ولذلك فإن تجاوزها يتطلب تغيير البنية التي تولد الاعتماد، وليس فقط معالجة مظاهرها.

ثالثا:   أثر التبعية الاقتصادية والمالية على القرار السياسي الوطني

الاقتصاد بوصفه أحد شروط السيادة السياسية
لا يمكن فصل الاستقلال السياسي عن القدرة على التحكم بالموارد وشروط الإنتاج والحركة الاقتصادية. فالقرار السياسي لا يتشكل في فراغ، بل يستند دائما إلى قاعدة مادية تحدد قدرة المجتمع أو الحركة الوطنية أو السلطة على تحمل الضغوط، وتمويل خياراتها، والحفاظ على هامش من الاستقلال في مواجهة القوى المؤثرة.

ومن هذا المنطلق، فإن التبعية الاقتصادية لا تعني فقط نقص الموارد أو الحاجة إلى مصادر تمويل خارجية، بل تعني أن جزءا من القدرة على اتخاذ القرار السياسي يصبح مرتبطا بعوامل لا تخضع للإرادة الوطنية.

وهنا تظهر العلاقة العميقة بين الاقتصاد والسيادة؛ فالسيادة السياسية لا تقوم فقط على وجود مؤسسات رسمية أو اعتراف قانوني، بل تحتاج أيضا إلى قدرة مادية تمكن هذه المؤسسات من ممارسة خياراتها. فالاقتصاد ليس مجرد مجال خدمي أو تقني منفصل عن السياسة، وإنما يمثل أحد الشروط الأساسية التي تحدد قدرة أي مشروع وطني على الحفاظ على استقلال قراره.

وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة بسبب طبيعة الصراع القائم؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بخلاف سياسي حول إدارة الموارد أو توزيع الصلاحيات، بل بصراع يرتبط بالأرض والموارد والقدرة على البقاء والتحكم بمقومات الوجود الوطني. ولذلك فإن بناء القدرة الاقتصادية لا يمثل مجرد هدف تنموي لتحسين مستويات المعيشة، بل يصبح جزءا من بناء القدرة على البقاء وحماية عناصر المشروع الوطني والصمود في مواجهة الإبادة والاقتلاع.

وهنا من الضروري التمييز بين الاعتماد الاقتصادي وفقدان القرار الوطني؛ فوجود علاقات اقتصادية خارجية لا يعني بالضرورة غياب الاستقلال السياسي. فالعلاقات الاقتصادية المتبادلة جزء طبيعي من عمل الاقتصادات الحديثة. لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول الاعتماد إلى درجة يصبح معها استمرار النظام الاقتصادي مرتبطًا بقرارات أو شروط يضعها المستعمر والمانحين الدوليين.

فكلما انخفضت قدرة الاقتصاد على إنتاج موارده الذاتية، وكلما تقلصت أدوات السياسات أهمية الموارد التي تقع في نطاق السيطرة الوطنية، تقلص هامش الحركة السياسية.

ب.  العلاقة بين التمويل والقرار السياسي.

الموارد المالية ليست مجرد أدوات محاسبية تستخدم لتغطية النفقات العامة، بل تمثل أحد العناصر الأساسية التي تحدد قدرة أي نظام سياسي على الحركة واتخاذ الخيارات. 

وفي الحالة الفلسطينية، اكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بسبب طبيعة الاقتصاد الذي نشأ بعد أوسلو، حيث بقيت مصادر رئيسية من الإيرادات والتمويل مرتبطة بعوامل خارجية لا تخضع بغالبيتها للسيطرة الفلسطينية.

فقد اعتمد الاقتصاد الفلسطيني بدرجات متفاوتة على مجموعة من الموارد التي ارتبطت ببنية العلاقات التي نشأت بعد أوسلو، ومنها:

عائدات المقاصة المرتبطة بالعلاقة الاقتصادية مع إسرائيل.
دخل العمالة الفلسطينية في الاقتصاد الإسرائيلي والمستوطنات.
المساعدات والتمويل الخارجي.
الإيرادات المحلية المتناقصة بفعل القيود المفروضة على النشاط الاقتصادي.
وقد ساهمت هذه الموارد في دعم استمرارية المؤسسات الفلسطينية، وتمويل الخدمات العامة، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن الاعتماد الكبير على مصادر لا يملك الطرف الفلسطيني السيطرة عليها خلق تحديا بنيويا يتعلق بهامش الاستقلال في صناعة القرار الاقتصادي والسياسي.

ومن هنا يظهر البعد السياسي للتبعية المالية؛ فالمشكلة لا تتمثل فقط في نقص الموارد، بل في أن جزءا من القدرة على اتخاذ القرار يصبح مرتبطا ببيئة اقتصادية لا يتحكم فيها الطرف الفلسطيني. وعندما يصبح توقف التمويل أو تعطيل الإيرادات أو التحكم بالمعابر قادرا على إحداث أزمات مالية واجتماعية واسعة، فإن ذلك يتحول إلى أداة ضغط تؤثر في الخيارات السياسية المتاحة.

وهنا تحتاج العلاقة بين الاقتصاد والمال والسياسة إلى قراءة دقيقة لتأثير الاعتماد والتبعية في درجة القدرة على المناورة وامتلاك البدائل. فكلما امتلك الاقتصاد قاعدة إنتاجية أقوى وموارد ذاتية أوسع، ازدادت قدرة النظام السياسي على اتخاذ قرارات مستقلة، وتحمل الضغوط الخارجية.

وتظهر الحالة الفلسطينية، ان تزايد محدودية القاعدة الإنتاجية والتشغيلية للاقتصاد المحلي، وتشديد القيود الاسرائيلية على التجارة والحركة والموارد، والاعتماد المفرط على مصادر الإيرادات الخارجية، جعلت الاقتصاد يعمل ضمن مساحة ضيقة من الخيارات. وهذا أدى إلى ارتباط الاستقرار المالي بقدرة الأطراف الخارجية على الاستمرار في توفير الموارد أو السماح بتدفقها.

وبذلك شكلت التبعية المالية أكثر من مجرد قضية موازنة أو عجز مالي؛ فقد أصبحت جزءا من العلاقة بين الاقتصاد والسيادة. فالاقتصاد الذي يحتاج بصورة مستمرة إلى موارد لا يملك التحكم بها، يجد صعوبة في التحول إلى أداة مستقلة لصناعة خيارات سياسية كبرى.

وعليه، فإن التحدي الأساسي الفلسطيني اليوم يكمن في غياب قدرة اقتصادية وطنية كافية تتيح الاختيار والتفاوض. ومن هنا فإن بناء اقتصاد أكثر استقلالا يمثل شرطا لتعزيز القدرة السياسية على اتخاذ القرار.

رابعا:    من التبعية الاقتصادية والمالية إلى تقييد الخيارات السياسية

التحدي الرئيسي الذي يواجه الاقتصاد الفلسطيني لا يقتصر على إصلاح الإدارة المالية، أو تحسين كفاءة المؤسسات، او حل أزمة الرواتب، أو السيولة، أو شح الطاق