2026-07-21 10:48 ص

يا بائعة الهوى ...

2026-07-20

بقلم: يونس العموري
يا بائعة الهوى... قولي، وبوحي بما خبأته الليالي في قلبك من حكايات، فأنت الجالسة عند زاوية من زوايا المدينة، حيث يمر الليل مثقلا بخطايا العابرين، وحيث تعرف الأرصفة أسماء الذين يسقطون بصمت أكثر مما تعرف أسماء الذين يعتلون المنصات... أنت التي شهدت تبدل الوجوه وبقاء الأقنعة، ورأيت من البشر ما لم تره المدينة في وضح نهارها... قولي، ماذا خبأت في ذاكرتك من حكايات .. هل اتاك حديث اولئك الذين يقتحمون مجلسك كل مساء، لا بحثا عن دفء ولا عن خلاص، بل ليجربوا سلطتهم على من ظنوا ان الحياة قد كسرت شوكته ..؟ هل كشفوا لك وجوههم الحقيقية بعدما خلعوا اقنعة الوطنية والوقار؟ وهل تناطحوا امامك كما تتناطح الظلال فوق جدران المدن الخربة، كل منهم يحدثك عن بطولة لم يخضها، وعن معركة لم يسمع ازيز رصاصها الا في نشرات الاخبار ..؟

هل رأيتهم وهم يوزعون الاوسمة على انفسهم، ويقتسمون المجد كما تقتسم الذئاب فريسة انهكها النزيف؟ وهل حدثوك عن الحكمة التي لا تولد الا في قاعاتهم المغلقة، وعن الاوطان التي ترسم حدودها فوق موائد عامرة بما لذ وطاب، بينما ابناء الحواري القديمة يبحثون عن رغيف يابس، او نافذة لا يدخل منها دخان الحرب؟

يا سيدتي الساكنة في قاع المدينة، لا بد انهم مروا بك بعد انتهاء احتفالاتهم، بعدما فرغوا من خطبهم الطويلة، وتبادلوا التهاني على نجاح موسم جديد من صناعة الاوهام. لا بد انهم تغنوا بالشهداء كما يتغنى التجار ببضاعتهم، واستعاروا اسماء الفقراء ليزينوا بها منابرهم، ثم عاد كل واحد منهم الى مقعده الوثير، مطمئنا الى ان المسرحية ما زالت تعرض امام جمهور لم يعد يملك سوى التصفيق او الصمت...

هل اخبروك ان المدينة تستعد كل مرة لولادة جديدة، ثم لا تلد الا الوجوه ذاتها؟ وهل قالوا ان الصناديق التي يرفعونها كأنها صناديق نجاة، لا تحمل في جوفها سوى اوراق تعيد ترتيب المقاعد، بينما يبقى المسرح هو المسرح، والممثلون هم انفسهم، ويتغير فقط لون الستائر وشعار الفصل الجديد؟ وهل اقنعوك ان الشرعية يمكن ان تتجدد كلما شاخت، وان التاريخ يعاد كتابته بمجرد تبديل الحبر، لا بتبديل الحكاية؟

لا شك انهم تحدثوا كثيرا عن الشعب، ذلك الذي لا يتذكرونه الا حين يحتاجون الى صوته، ثم يتركونه وحيدا حين يحتاج الى صوته هو... ولا شك انهم اقسموا باسم الوطن، وهم يقسمونه في الخفاء الى حصص، وولايات، ومناطق نفوذ، ومقاعد لا يجوز ان يقترب منها الغرباء. اما اولئك الفتية الذين خرجوا من الحارات الضيقة، فلم يكونوا يحلمون بالبطولة، ولم يكتبوا اسماءهم على جدران المجد، كانوا يريدون حياة تشبه الناس، نافذة يدخل منها الضوء، وشارعا لا تقف عند اخره البنادق، وسماء لا تحتاج الى تصريح كي تمطر.

هم لم يطلبوا اكثر من حقهم في ان يكونوا بشرا، لكنهم وجدوا انفسهم بين احتلال لا يخفي وجهه، وسجان يتحدث بلغتهم، وحواجز تتكاثر حتى داخل الروح، وصار الوطن زنزانة واسعة، لكل باب فيها حارس، ولكل حلم فيها ملف ينتظر توقيعا، ولكل كلمة ميزان يقيس مقدار ولائها قبل ان يسمح لها بالعبور.

يا بائعة الهوى، انت تعرفين اكثر منهم ان المدن لا تموت حين تهدم بيوتها، بل حين تتصالح مع خرابها، وحين يصبح الخوف نظاما عاما، والصمت فضيلة، والتصفيق واجبا وطنيا. تعرفين ان اخطر الهزائم ليست تلك التي تفرضها الدبابات، بل تلك التي تنبت في الداخل، حين يقتنع الانسان ان ما يراه قدر لا يرد، وان الكراسي خلقت لاسماء بعينها، وان الزمن يدور ليعيد الوجوه نفسها في كل مرة، مهما تغيرت الشعارات، ومهما تبدلت اليافطات.

هل تغنوا امامك بالتمثيل، وبالشرعية، وبالولاية التي لا تنتهي؟ هل حدثوك عن المستقبل الذي يؤجلونه كلما اقترب، وعن الغد الذي لا يأتي الا في خطاباتهم؟ وهل اقنعوك ان الوطن يحتاج في كل مرة الى مراسم جديدة لتجديد الختم، لا لتجديد العهد، وان الناس مجرد شهود يستدعون عند الحاجة ليباركوا ما تقرر سلفا خلف الابواب الثقيلة؟

لكنهم نسوا، يا سيدتي، ان المدن تحفظ اسرارها في ذاكرة الفقراء، لا في ارشيف القصور، وان الحارات التي انجبت الفتية لا تزال قادرة على ان تنجب من يشبههم، وان الحلم، مهما اثقلوه بالقيود، يعرف طريقه الى النوافذ المفتوحة. نسوا ان الشمس لا تستأذن احدا كي تشرق، وان الحقيقة، مهما طال احتجازها، لا تموت، بل تؤجل ظهورها حتى تتعب الاكاذيب من حمل نفسها.

ولذلك، يا بائعة الهوى، لم يعد الصراخ ترفا، ولم تعد مواجهة الذات خيارا مؤجلا. لقد انكسر فينا شيء كبير، لا يصلحه تبديل الشعارات، ولا ترميم اللافتات، ولا مواسم الاحتفال التي تقام كلما ارادوا اقناعنا بان الخراب قد صار ازدهارا. لقد اصبح السؤال اشد حضورا من الاجابة، واصبحت الهوية تقف حائرة بين خرائط كثيرة، بينما الوطن الذي حلمنا به يتوزع بين الوقائع والبيانات، وبين البنادق التي تحرس الارض، والكلمات التي تحرس المقاعد.

اما اولئك الفتية، فما زالوا يخرجون من بين الركام كلما ظن الجميع ان الحكاية انتهت. لا يحملون تفويضا من احد، ولا ينتظرون شهادة حسن سلوك من سلطة، ولا يبحثو عن مكان في الصورة الجماعية. يحملون فقط يقينهم الاول، ان الكرامة لا تمنح بمرسوم، وان الاوطان لا تبنى بالخطب والادانات وان الشرعية الحقيقية لا تصنعها صناديق تفتح حين يشاؤون وتغلق حين يخافون، بل يصنعها شعب ما زال، رغم كل هذا الليل، يؤمن ان الفجر لا يولد من قصور الحكام، بل من ازقة المدن التي تعلمت ان تقاوم وهي تنزف.