2026-10-09 04:21 م

 كيف تتشابك صراعات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي؟

2026-10-09

تتداخل التطورات الأمنية والسياسية في المناطق المحيطة بالبحر الأحمر بصورة متزايدة، بما يعكس ترابطا أكبر بين الأزمات والصراعات الممتدة على ضفتيه.

وفي ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتعدد التحالفات وتدفقات السلاح، باتت التطورات في القرن الأفريقي والشرق الأوسط تؤثر بصورة مباشرة في حسابات الأطراف المختلفة ومسارات الصراعات في المنطقتين.

وفي هذا السياق، نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالا لمدير مشروع القرن الأفريقي في "مجموعة الأزمات الدولية"، آلان بوزويل، تناول فيه التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، معتبرا أن اتساع نطاق الصراع في السودان يمثل جزءا من تحول أكبر جعل الحروب الدائرة على جانبي البحر الأحمر تؤثر بصورة متزايدة في بعضها بعضاً.

وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام الكونغرس، في 3 حزيران/ يونيو، إن القتال المستعر منذ ثلاث سنوات في السودان تحول الآن إلى "حرب بالوكالة"، محملا السعودية ودولة الإمارات مسؤولية عرقلة الجهود الأمريكية الرامية إلى إنهاء الصراع.

وأشار إلى أن صناع السياسات تعاملوا طوال معظم القرن الماضي مع منطقة القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية باعتبارهما منطقتين استراتيجيتين منفصلتين يفصل بينهما البحر الأحمر، إلا أن هذا التمييز بدأ يتلاشى، مع تنامي تأثير الحروب الدائرة على أحد جانبي البحر في الحسابات العسكرية للجانب الآخر.

ويزداد هذا التشابك عمقا في أعقاب قرار الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في شهر شباط/ فبراير شن حرب على إيران، وهو القرار الذي أدى إلى تعميق الخلاف بين أبوظبي والرياض، وإضعاف النظام الأمني الذي ترعاه الولايات المتحدة في المنطقة، فضلاً عن تسليط الضوء على أهمية تأمين البحر الأحمر لحركة الملاحة البحرية.

وخلال العقد الماضي، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها اللاعب الخارجي الأكثر نشاطا وتدخلا في منطقة القرن الأفريقي، إذ عملت على إنشاء موانئ وقواعد عسكرية، وقدمت حزم مساعدات مالية ضخمة لحلفاء رئيسيين، وانخرطت بشكل مكثف في الحرب الأهلية السودانية، غير أن الحرب الأخيرة على إيران، إلى جانب انهيار الشراكة الأمنية الإماراتية السعودية في اليمن في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، جعلت الرياض أقل ثقة في الحماية الأمريكية، وأكثر قلقا بشأن العلاقات الأمنية الإماراتية الإسرائيلية، وأكثر تصميما على التحكم في المشهد الأمني للبحر الأحمر.

وفي إطار هذا التوجه، اتجهت السعودية إلى تعزيز تحالفاتها مع مصر وتركيا وباكستان، كما وظفت هذا المسار لتقوية شراكاتها الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي.


وتسعى الرياض إلى مواجهة الفصائل المدعومة من الإمارات أو دولة الاحتلال في المنطقة، بالتزامن مع جهودها لاحتواء التهديدات الصادرة عن إيران وحلفائها، ومن بينهم الحوثيون الذين سيطروا على ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر.

ومع تزايد هذا التنافس، ترتفع مخاطر اندلاع صراع بين القوات المسلحة السودانية، المدعومة من السعودية وحلفائها، وإثيوبيا، حليفة الإمارات، فضلا عن احتمالية نشوب حرب مباشرة أخرى بين إثيوبيا وإريتريا.

ويرى بوزويل أن بعض حكومات الشرق الأوسط كانت تنظر في السابق إلى القرن الأفريقي باعتباره ساحة محدودة الأهمية يمكن التنافس فيها على النفوذ بتكلفة منخفضة نسبيا، إلا أن تزايد الترابط بين الحروب في الشرق الأوسط وتلك الدائرة في القرن الأفريقي بدأ يؤدي إلى تشكل "منطقة أمنية موحدة".

ولفت الكاتب إلى أن عدم إدراك القادة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي مدى ترابط معضلاتهم الأمنية سيؤدي إلى استمرار انتقال حالة عدم الاستقرار والتأثير المتبادل بين المنطقتين، بما يجعل تسوية الصراعات والنزاعات المتداخلة أكثر صعوبة.

ويرى بوزويل أن هذا التشابك المتزايد بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط يمثل عودة إلى نمط تاريخي قديم، إذ ربط البحر، على مدى آلاف السنين، المناطق التي تعرف اليوم بجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا واليمن، وشهدت هذه المناطق حركة منتظمة للبشر والبضائع والاتجاهات الثقافية فيما بينها، لكن هذا الترابط بدأ يتراجع خلال القرن العشرين، عندما أدت الحقبة الاستعمارية الأوروبية وصعود الحركات القومية إلى قطع روابط الحكم التي كانت تمتد عبر مياه البحر الأحمر وخليج عدن.

ومع ذلك، استمرت ثروات الخليج العربي في التدفق نحو الدول الأفريقية المجاورة، فيما انتقلت الأيدي العاملة والصادرات الأفريقية في الاتجاه المعاكس.

واتسعت الهوة السياسية بين الساحلين العربي والأفريقي للبحر الأحمر بصورة أكبر بعد انتهاء الحرب الباردة، إذ أحدثت حرب الخليج الأولى، بين عامي 1990 و1991، اضطرابات هائلة في الشرق الأوسط، ووسعت نطاق الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ما منح دول الخليج فرصة للابتعاد عن الانشغال المباشر بشؤون جوارها القريب.

وفي الفترة نفسها تقريبا، بدأت الكيانات السياسية في منطقة القرن الأفريقي بالتفكك؛ إذ دفع انهيار الصومال منطقة "أرض الصومال"، وهي مستعمرة بريطانية سابقة تقع على خليج عدن، إلى إعلان استقلالها عام 1991.

كما أدى تغيير النظام في إثيوبيا إلى انفصال إريتريا عام 1993، بينما أفضت الحرب الأهلية المحتدمة في السودان في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.

ومع اندلاع "الربيع العربي"، بدأت منطقة القرن الأفريقي تنجذب مجددا نحو دائرة النفوذ في الشرق الأوسط.

وفي تحول محوري عام 2011، أصبح رجب طيب أردوغان، الزعيم التركي، أول قائد غير أفريقي يزور مقديشو، عاصمة الصومال، منذ نحو 20 عاما، وذلك في إطار سعيه إلى توسيع النفوذ التركي في المنطقة.

كما أدت الانتفاضات إلى زعزعة الاستقرار في اليمن، وهو ما مهد الطريق أمام سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من البلاد عام 2014.

وعزز قرار السعودية والإمارات التدخل العسكري ضد الحوثيين عام 2015 من الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي.

وفي موازاة ذلك، بدأت دول الشرق الأوسط تشكك في الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه المنطقة، في ظل سياسة "التحول نحو آسيا" التي روجت لها إدارة أوباما على نطاق واسع، والمسار الدبلوماسي مع إيران، الأمر الذي سرع وتيرة سعي هذه الدول إلى تأمين مصالحها في نطاق جغرافي أوسع.

وأشار الكاتب إلى أن أبرز الأمثلة على ذلك، رهان الإمارات على الزعيم الإثيوبي آبي أحمد، الذي تولى السلطة عام 2018، من خلال دعم نظامه بضخ مبلغ أولي قدره 3 مليارات دولار، وتقديم دعم عسكري حيوي عندما واجه تمردا في إقليم تيغراي.

وزادت الحرب الكارثية في السودان من ترابط منطقة القرن الأفريقي بالشرق الأوسط، فعندما هددت الاحتجاجات الحاشدة عام 2019 بإسقاط نظام البشير في الخرطوم، دعمت كل من أبوظبي والرياض المجلس العسكري الذي استولى على السلطة.

وبعد أن انقلب قائدا المجلس العسكري، أحدهما على الآخر، في عام 2023، برزت الإمارات باعتبارها الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع في السودان.


وكانت السعودية ترتبط أيضا بعلاقات تاريخية مع قوات الدعم السريع وحاولت في البداية التوسط بين الطرفين، إلا أن نطاق التدخل الإماراتي دفع الرياض في نهاية المطاف إلى دعم القوات المسلحة السودانية بشكل أكثر حزما، لتصبح بذلك السعودية الحليف الأهم للجيش السوداني.

ويبدو أن التوترات بين أبوظبي والرياض بشأن الحرب في السودان أسهمت في تفكك الشراكة الإماراتية السعودية الرامية إلى مواجهة الحوثيين، ففي كانون الأول/ ديسمبر 2025، طالبت السعودية والحكومة اليمنية دولة الإمارات بالانسحاب من البلاد عقب هجوم مفاجئ شنته قوات انفصالية مدعومة إماراتياً بالقرب من الحدود السعودية.

وفي الشهر نفسه، أصبحت دولة الاحتلال أول دولة تعترف باستقلال "صوماليلاند"، وعارضت كل من مصر والسعودية وتركيا، إلى جانب دول أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط، هذه الخطوة بشدة، في حين التزمت الإمارات الصمت، الأمر الذي أدى إلى تفاقم التوترات داخل البيت الخليجي.

وأدى الخلاف الإماراتي السعودي، الذي زادت حدته بسبب تعقيدات السياسة في القرن الأفريقي، إلى عرقلة التوصل إلى رد خليجي موحد عقب إعلان الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الحرب على إيران في شباط/ فبراير.

كما أسهمت الحرب نفسها في زيادة تشابك الأوضاع بين منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، إذ سعت السعودية إلى حماية نفسها عبر اتفاقيات أمنية إقليمية وتحالفات دبلوماسية جديدة، بينما عززت الإمارات شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وحكومة الاحتلال.

وفي هذا الإطار، كثفت السعودية انخراطها في الشؤون السودانية والصومالية بالتنسيق مع مصر وتركيا، ويبدو أن هذا الدعم أسهم في المكاسب الميدانية الأخيرة التي حققتها القوات المسلحة السودانية، وشجع قادتها على مواصلة رفض مقترحات الهدنة الأمريكية.

ومع استمرار هذا الانخراط، تزداد احتمالية اندماج الصراعات الداخلية في كل من إثيوبيا والسودان لتشكل ساحة حرب إقليمية أوسع نطاقا، فقد أسهم تدفق الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع عبر إثيوبيا في تأجيج حالة انعدام الثقة بين الخرطوم وأديس أبابا.

وفي المقابل، تتهم إثيوبيا القوات المسلحة السودانية بتوفير ملاذ آمن لآلاف المقاتلين الموالين لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي"، التي ألغت فعلياً في أبريل/نيسان اتفاق سلام أُبرم عام 2022، واستعادت السيطرة على إقليم تيغراي الإثيوبي.

ولا يقتصر هذا التشابك على السودان وإثيوبيا، إذ تتداخل في الصومال الصراعات السياسية الممتدة منذ فترة طويلة بصورة متزايدة مع النزاعات الأمنية المتفاقمة في الشرق الأوسط.

وأثار اعتراف الاحتلال بـ"صوماليلاند" قلقا عميقا لدى كل من مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية.

وردا على ذلك، وقعت مقديشو في أوائل عام 2026 اتفاقية رسمية للتعاون الدفاعي مع الرياض، وألغت الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية القائمة مع أبوظبي.

وفي المقابل، عززت الإمارات تحالفها مع "صوماليلاند" من خلال إنشاء بنية تحتية عسكرية رئيسية هناك وتحديث ميناء حيوي في مدينة بربرة، كما أنشأت موقعا عسكريا وسيطرت على ميناء بوصاصو في منطقة "بونتلاند" المجاورة، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي وتعيش حالة من الخلاف مع الحكومة الفيدرالية الصومالية منذ سنوات.


ومع توسيع الحوثيين في اليمن نطاق عملياتهم حول مضيق باب المندب وتجديد هجماتهم على السعودية، أفادت تقارير بأنهم يسعون أيضاً إلى ترسيخ موطئ قدم لهم في منطقة القرن الأفريقي، ولا سيما من خلال التعاون مع حركة "الشباب" الإسلامية المتمردة التي تسيطر على مساحات واسعة من جنوب الصومال.

ويأتي توسع الشرق الأوسط نحو منطقة القرن الأفريقي ليملأ فراغاً تركه الآخرون، إذ شجع التراجع العام للولايات المتحدة عن الانخراط في الدبلوماسية وتقديم المساعدات في أفريقيا قادة دول القرن الأفريقي على البحث عن شراكات في أماكن أخرى.

ومع ذلك، فإن تجدد اندماج منطقة القرن الأفريقي مع الشرق الأوسط الأوسع لا يمثل توجهاً سلبياً في حد ذاته، إذ إن من حق قادة دول القرن الأفريقي السعي إلى الحصول على حلفاء متنوعين.

كما وفرت الاستثمارات القادمة من اقتصادات دول الخليج، التي تديرها الدولة، شريان حياة اقتصادياً لدول القرن الأفريقي، ولا سيما في مجال البنية التحتية. إضافة إلى ذلك، يمكن لعواصم الشرق الأوسط أن تلعب دوراً محورياً في الوساطة لفض النزاعات، فعلى سبيل المثال، قاد أردوغان في عام 2024 وساطة أفضت إلى تهدئة التوترات بين إثيوبيا والصومال، لكن هذه الجوانب الإيجابية تقابلها في الوقت الراهن حقيقة أن اندماج المنطقتين يجري إلى حد كبير عبر حروب بالوكالة وتدفقات السلاح.

ولم يكن من المرجح دائماً أن تظل منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط منفصلتين كما كانتا عليه خلال القرن العشرين؛ فعلى مر التاريخ، ربط البحر الأحمر بين المجتمعات على ضفتيه، واليوم تعيد الجغرافيا فرض نفسها.

وتكمن المخاطر الكبرى، وفق الطرح ذاته، في استمرار بعض حكومات الشرق الأوسط في التصرف وكأن بإمكانها دعم فصائل متحاربة مختلفة في القرن الأفريقي دون تحمل العواقب، وفي سعي حكومات القرن الأفريقي إلى الحصول على رعاية شرق أوسطية بهدف تسليح نفسها في المقام الأول لمواجهة خصوم محليين.

ولوقف هذا المسار، يتطلب الأمر  بحسب الكاتب من السعودية والإمارات الاتفاق على العمل معا لخفض حدة الصراع في القرن الأفريقي قبل اندلاع حرب إقليمية جديدة.

وفي ما يتعلق بالسودان، ينبغي على الدولتين التخلي عن المطالب المتشددة والضغط على الأطراف المتحاربة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية.

وأكد الكاتب أنه يتعين على السعودية والإمارات التنسيق للحيلولة دون اندلاع حرب جديدة عابرة للحدود تشمل إثيوبيا؛ إذ ينبغي على أبوظبي ثني إثيوبيا عن أي مسعى لتوسيع نطاق حربها مع "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" لتمتد إلى إريتريا وصولا إلى ساحل البحر الأحمر.

وفي المقابل، ينبغي على الرياض حث حلفائها الرئيسيين، مصر وإريتريا والسودان، على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لإثيوبيا، ويمكن للطرفين، في السياق نفسه، العمل معاً لاستئناف محادثات هادئة بين الحكومة الصومالية في مقديشو وإدارة "أرض الصومال" في هرجيسا بشأن نزاعهما الممتد منذ فترة طويلة.

عربي 21