2026-10-09 11:34 م

في ذكرى الطوفان.. تقييمات إسرائيلية متشائمة بالفشل والضعف والعزلة

2026-10-09

في الوقت الذي ما زال فيه الإسرائيليون يحيون ما يصفونه بـ"كارثة السابع من أكتوبر"، وفق وجهة نظرهم، فإنهم ما زالوا في حالة من العمى والتصورات الخاطئة التي سبقت ذلك الهجوم، ولعلها ما زالت سائدة بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة في غزة.

الكاتب السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، آرييه شافيت، ذكر أنه "على مدار الأسبوع، أحيا الإسرائيليون ذكرى أكتوبر، لكن أفظع يوم على الإطلاق لم ينتهِ بعد، ولن ينتهي، ولا يوجد إسرائيلي عاد لما كان عليه في السادس من أكتوبر 2023، لا يوجد يهودي لم يهتز كيانه، قتلت حماس قرابة 1200 إسرائيلي، وسقط في الحرب التي تلت الهجوم 800 آخرون، وجُرح الملايين".
وأضاف شافيت، في مقال ترجمته "عربي21"، أن "هجوم حماس قبل ثلاث سنوات، أعاد إسرائيل بأكملها اكتشاف مصيرها فجأة، فقد واجهت هذه الدولة القوية نقطة ضعفها، وأدرك جميع الإسرائيليين أنهم مُستهدفون، وأدركوا متأخرين أنهم لا يعيشون في مانهاتن أو أمستردام، بل على حافة الهاوية، وكأنها منذ عقودها الأولى من وجودها، أدركت إسرائيل أنها تواجه تهديداً وجودياً مستمراً".

وأشار الكاتب إلى أن "هذه المعاني من المخاوف الوجودية تلك، دفعت إسرائيل للوقوف كحصن منيع في وجه البيئة الخارجية القاسية، ومن هنا جاءت فكرة ديمونا، والقوات الجوية، وجيش الاحتياط الضخم، وحروب التدمير القصيرة، لكن في الثلاثين عاماً التي سبقت السابع من أكتوبر، تجاهلت إسرائيل وضعها الداخلي، ونسيت التحديات التي تواجهها، وأصبحت مُتراخية".

وأكد شافيت أن "يوم السابع من أكتوبر دليل على انفصال إسرائيل عن الواقع التاريخي والجيوسياسي، وأقنعت نفسها بأنها كاليفورنيا، وآمنت بأنها وهي المتقدمة تكنولوجياً، قادرة بتفوقها الاقتصادي والتكنولوجي على حل أي مشكلة أمنية، وأدارت ظهرها للشرق الأوسط، واندمجت في العالم، وهاجمت بغطرسة، حتى فجأة، في الساعة 6:29 صباحاً، زحف الشرق الأوسط ببنادق هجومية على طول مسارات الكيبوتسات في النقب الغربي".

وأوضح الكاتب أن "العناصر الإسلامية الجهادية من غزة سيطرت في ذلك اليوم على أجزاء من مستوطنات الغلاف، ولو لم يتردد حزب الله، لسقط الجليل في ذلك اليوم بالذات، وواجهت الدولة خطراً وجودياً حقيقياً، وأوصلها في القرن الحادي والعشرين إلى حافة الدمار، لهذا السبب، لن ينتهي هذا اليوم الرهيب".

وأكد شافيت أن "قدرة الجيش الإسرائيلي على قلب الطاولة على الجميع بعد الهجوم، وتمكن القيادة السياسية والعسكرية الفاشلة من قيادة الدولة إلى إنجازات ميدانية، لا يغير من تلك الحقائق الدامية؛ صحيح أنها وجهت ضربات مميتة لحماس وحزب الله وإيران، وصحيح أن الجيش قتل السنوار ونصر الله وخامنئي، ولم يعودوا بيننا، لكن إسرائيل الدامية في خريف 2023، لم تستخلص بعد أن السابع من أكتوبر القادم آتٍ لا محالة".

وأضاف شافيت أن "الشرق الأوسط لن يترك إسرائيل وشأنها، سواء أكان الهجوم من الشمال أو الجنوب أو الشرق، فستتعرض للهجوم مجدداً، سواء بعد عقد من الزمان، أو بعد عام، لأن الخطر الذي يواجهها ليس مادياً فحسب، بل نفسياً وأخلاقياً وثقافياً أيضاً".

واستدرك الكاتب بالقول إنه رغم عدم انضمام حزب الله للحملة بكامل قوته، ولم يثُر الفلسطينيون في الضفة الغربية، ولم ينتفض عرب إسرائيل، ولم يشتعل العالم العربي، لكن هذه التهديدات الاستراتيجية الكبرى لا تزال خطراً على إسرائيل، فالهدف الحقيقي للأعداء من غزة كان ثلاثياً: عزل إسرائيل عن الغرب، وطرد النخبة الصهيونية منها، وعدم جعلها جزءاً من الشرق الأوسط، وهذه التهديدات الثلاثة لا تزال قائمة".

وأكد شافيت أنه "بينما حققت إسرائيل إنجازات في خانيونس وبنت جبيل، فإنها خسرت في واشنطن ونيويورك، نحن اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، وأكثر كراهية من أي وقت مضى، ونواجه خطر الانعزال، وفي الوقت نفسه، ينتظر الكثير من الناس الرحيل عن إسرائيل، لأنه لم يطرأ أي تغيير عليها، مما يعني هجرة عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف منها".

وأشار الكاتب إلى أن "عقلية السلطة الدينية الحاخامية تهدد بالسيطرة على الوعي الإسرائيلي، وبعد أن تعلمنا التحدث باللغة العربية خلال الحرب، أصبحت لغتنا الإنجليزية في خطر، وتراجعت لغتنا العبرية، لذا، فإن مهمة إسرائيل في السنة الرابعة بعد الهجوم أن تعيد اكتشاف التوازن الصحيح، وما فعله بن غوريون وإشكول ورابين في الخمسينيات والستينيات، يجب أن نفعله الآن بطريقة تليق بعصر الذكاء الاصطناعي، ولا يجوز لإسرائيل بأي حال من الأحوال العودة إلى العمى، أو التصورات الخاطئة، أو ضبط النفس، أو الاحتواء".

على صعيد متصل، أقرت كاتبة إسرائيلية أخرى، أن دولة الاحتلال وبعد 3 أعوام من حرب الإبادة الهمجية التي شنتها على قطاع غزة وعلى عدد من الجبهات الأخرى، لم تساهم في إنهاء أزماتها ولا مشاكلها، في حين تبقى "تل أبيب" عاجزة عن تحديد أي نظام إقليمي تريده، وإلى متى يمكنها مواصلة الحرب دون تحديد نقطة نهايتها.

وأكدت الكاتبة آنا بارسكي في مقال لها نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، أن الحرب التي بدأتها "إسرائيل" قبل 3 سنوات، والتي "غيّرت الشرق الأوسط، لم تنتهِ بعد"، مضيفة: "بعد ثلاث سنوات من أكبر إخفاق في تاريخ الدولة، لم تُنشئ إسرائيل حتى لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر، ولم تقرر بعد أي واقع ينبغي أن يبقى عندما تنتهي الحرب".

وأشارت الكاتبة إلى أن "التنظيمات والدول التي تلقت ضربات، تعمل على إعادة بناء قدراتها، كما جرى استخلاص العبر من غياب التنسيق في 7 أكتوبر، حينما فاجأ قائد "حماس" يحيى السنوار إسرائيل، ففي هذه الحرب يجري تعلم دروسها على جانبي الحدود".

وأوضحت بارسكي، أن "إعادة إعمار القطاع تتطلب آلية حكم، وجهة تتحمل المسؤولية، وطرفاً يمكنه فرض نزع سلاح "حماس"، ومن دون جهة حاكمة وآلية قادرة على مواجهة الحركة على المدى الطويل، يتآكل الإنجاز العسكري"، منوهة إلى أنه "من الصعب جداً إنشاء بديل لـ"حماس" وهي ما تزال طرفاً حاكماً على الأرض في القطاع رغم أنها أصبحت أضعف بكثير مما كانت عليه".
 
ونبّهت الكاتبة إلى أن "الحرب نفسها التي غيّرت ميزان القوى في المنطقة، غيّرت أيضاً مكانة إسرائيل في العالم، وبعد ثلاث سنوات تجد نفسها في مواجهات حادة مع حلفاء قدامى، والأزمة الحالية مع بريطانيا، على خلفية قرار إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس والتهديد البريطاني بالرد، مثال على ذلك، وفي الوقت نفسه".

ومع ذلك، فإن "الثمن محسوس أيضاً في إسرائيل"، فبحسب مسؤول أمني رفيع المستوى، فإن "معظم جنود الاحتياط قد خدموا بالفعل أكثر من 500 يوم في قوات الاحتياط منذ 7 أكتوبر"، كما تؤكد المؤسسة الأمنية أنه "في 2027 ستكون هناك حاجة إلى تقليص حجم قوات الاحتياط وتقليل انتشار القوات في الأماكن التي يمكن القيام بذلك فيها، وفي الوقت نفسه، لا تزال أزمة تجنيد الحريديم مفتوحة، فالحرب الطويلة على عدة جبهات تعتمد مراراً وتكراراً على الفئة نفسها من الخادمين في الجيش، بينما يظل الصراع من أجل توسيع قاعدة الخدمة عالقاً".

ولفتت الكاتبة بارسكي إلى أنه "مع مرور الوقت، يتحول قانون التجنيد من مشكلة ائتلافية إلى مسألة تمس القدرة على تطبيق التصور الأمني الجديد، فإذا لم تتسع قاعدة الخادمين في الجيش، فإن توسيع المهام يقع مرة أخرى على عاتق جنود الاحتياط أنفسهم، ويضع في نهاية المطاف حداً عملياً لمدة القدرة على الحفاظ على وجود عسكري واسع على عدة جبهات".

ورأت بارسكي أن "الجمهور الإسرائيلي يميّز بوضوح بين الإنجازات في ميدان المعركة وبين النتيجة التي تحققت حتى الآن"، ففي استطلاع خاص أجراه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي "INSS" ونُشر في 25 أيلول/سبتمبر 2026، قبيل مرور ثلاث سنوات على حرب الإبادة، بحث مواقف الجمهور الإسرائيلي.

وقدّر الاستطلاع أن 27 في المئة فقط من المشاركين يرون أن إسرائيل انتصرت في المعركة في غزة، في حين أعرب 61 في المئة عن رضاهم عن طريقة إدارة الجيش الإسرائيلي للحرب في غزة، مقابل 34 في المئة فقط أعربوا عن رضاهم عن إدارتها من جانب الحكومة، كما قدّر 59 في المئة أن حدثاً على غرار 7 أكتوبر قد يقع مجدداً خلال السنوات المقبلة انطلاقاً من حدود غزة".

وعلقت بارسكي على تلك الأرقام بقولها: "هذه النسبة الأخيرة صعبة بصورة خاصة؛ فبعد ثلاث سنوات من الحرب، لا تزال أغلبية الجمهور غير مقتنعة بأن الحادثة التي أشعلت هذه الحرب لا يمكن أن تتكرر"، منوهة بأن "التقييم الإيجابي لأداء الجيش لا يساوي، في نظر الجمهور، الشعور بالانتصار في المعركة".

وأضافت: "بعد نحو ثلاثة أسابيع، سيتوجه هذا الجمهور نفسه إلى صناديق الاقتراع. وللمرة الأولى منذ 7 أكتوبر، سيتمكن من التعبير سياسياً عن حسابات هذه المرحلة، ومن المؤكد أن التصويت سيتناول الاقتصاد، والدين والدولة، والتجنيد، وهويّة الحكومة المقبلة".

وأردفت الكاتبة: "لكن 7 أكتوبر يرافق الجميع، فهو حاضر في سؤال: من المسؤول عمّا حدث؟، ومن أدار السنوات الثلاث التي تلت ذلك؟، ومن يستطيع منع المرة المقبلة؟"، موضحة أن "بنيامين نتنياهو يعود إلى الساحة التي بنى عليها جزءاً كبيراً من مسيرته السياسية؛ الأمن، إيران، الأعداء من الخارج، وصورته بوصفه حامي إسرائيل، لكن 7 أكتوبر يقف هذه المرة في وسط الساحة. أما خصومه، وفي مقدمتهم غادي آيزنكوت، فيأتون هم أيضاً بخلفية أمنية خاصة بهم، وسيحاولون نقل النقاش من استخدام القوة إلى استخلاص الدروس من الإخفاق الذي أدى إلى 7 أكتوبر".

وشددت بارسكي على أن "الجمهور مطالب بالحسم حتى قبل أن تستكمل الدولة تحقيقها في الإخفاق، وهكذا، يتجه الائتلاف والمعارضة إلى الانتخابات وهما منقسمان حتى حول مسألة من سيحقق في الحادثة، وسيُطلب من الناخب أن يحدد موقفه من مسألة المسؤولية حتى قبل إنشاء الهيئة التي يُفترض أن تجمع المواد، وتستدعي أصحاب القرار، وتُبلور النتائج".

وتابعت: "من المفترض أن تحقق لجنة التحقيق أيضاً في كيفية بقاء التصورات التي ترسخت سائدة من دون أن يتمكن أحد من التشكيك فيها في الوقت المناسب، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن إسرائيل، بعد 7 أكتوبر، استبدلت، في غضون ليلة تقريباً، تصوراً أمنياً بآخر، فقد أفسحت سياسة الاحتواء، والتسوية، والردع المجال للمبادرة، والاغتيالات، والسيطرة على الأراضي، ومنع تراكم القوة".

وأدركت بارسكي أن "الحرب أثبتت أن عدواً يمكن أن يتلقى ضربة قاسية في قيادته وقوته وبنيته التحتية، ثم يواصل البقاء ويحاول إعادة بناء نفسه، وعندما يصبح مجرد وجود العدو سبباً يمنع إعلان انتهاء الحرب، يصبح إنهاء الحرب أمراً بالغ الصعوبة، وستُضطر إسرائيل إلى مواصلة العمل في مواجهة محاولات إعادة بناء القوة، لكنها تحتاج أيضاً إلى تحديد ما الذي سيُعد، من وجهة نظرها، إنجازاً كافياً، ومن دون مثل هذا التعريف، تصبح كل قدرة متبقية لدى العدو سبباً لمواصلة الحرب، وكل محاولة منه لإعادة بناء قوته تعيد إسرائيل إلى جولة أخرى".
 
وقالت: "بعد تلقي الأعداء ضربات قاسية، تعود المسؤولية إلى طاولة الحكومة، فعليها أن تحدد أي واقع تريد أن تتركه في غزة، وأي نظام إقليمي تسعى إلى بنائه، وإلى متى يمكن مواصلة الحرب من دون تحديد نقطة نهايتها".
اقرأ أيضا:

خبراء لـ"عربي21": الفشل بعد 7 أكتوبر وتصاعد الخلافات يُنذر باندلاع حرب أهلية في إسرائيل
وأوضحت الكاتبة: "الجيش يمكنه أن يعرض بدائل، ويسيطر على الأراضي، ويحبط بناء القوة، ويكسب الوقت، لكن ماذا يُفعل بالوقت الذي تم كسبه؟ وما الذي ينبغي أن يكون موجوداً هناك عندما يتم تقليص القوات؟ فهما قراران لا يستطيع المستوى السياسي أن ينقلهما إلى الجيش".

وقدرت أنه "يمكن الحفاظ على الإنجازات بالقوة لعام آخر، ومع ذلك البقاء من دون إجابة عن السؤال: ماذا ينبغي أن يأتي بعدها؟ وعلى الجانب الآخر، يستخلص الخصوم بالفعل دروساً من ثلاث سنوات من الحرب، أما في إسرائيل، وعشية الانتخابات، فلم يُحسم حتى الآن السؤال: من سيحقق في كيفية بدء هذه الحرب؟".

وتقدم مثل هذه القراءات الإسرائيلية المزيد من التقييمات الموضوعية لهجوم السابع من أكتوبر، وما تركه من آثار سياسية وأمنية واستراتيجية، ورغم ما حققه الاحتلال من بعض الإنجازات العسكرية الميدانية، فإن الإخفاق بعيد المدى سيبقى يلاحقه سنوات طويلة قادمة.
عربي 21