2026-09-28 09:06 م

مجلس السلام شريك في مخطط تصفية "أونروا" بغزّة

2026-09-28

منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رسمياً في 22 يناير/كانون الثاني 2026، تشكيل مجلس السلام تحت قيادته في سياق خطته بشأن غزة، يبدي المجلس هجوماً على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وصولاً لإعلانه، في يوليو/تموز الماضي، أن "لا مكان لأونروا في غزة الجديدة"، وتأكيده في بيان الجمعة الماضي، استمرار سياسته الرافضة لإشراك الوكالة في أعماله بقطاع غزة.
كما يواصل المجلس تبني رواية الاحتلال ومطالبه، لا سيما ربط نزع سلاح قطاع غزة بالانسحاب الإسرائيلي، علماً أن ميثاق مجلس السلام نفسه، نص حين تشكيله على أن هدفه "تعزيز الاستقرار، وإعادة بناء حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات". وقد عُد ذلك حينها من قبل العديد من المراقبين، بمثابة محاولات للقضاء على دور الأمم المتحدة، خصوصاً وسط هجوم ترامب المتكرر على المنظمة الأممية، واتهامه لها بالتقصير والفساد.
يأتي ذلك في موازاة حرب تشنها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على "أونروا" متهمة إياها بأنها تضم "إرهابيين" شاركوا في أحداث ذلك التاريخ، وسط عملية تحريض واسعة وممنهجة، ومنعها من العمل في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى منع أي مساعدات أو لوجستيات متعلقة بالمنظمة الأممية.

وعلى الرغم من أن تقرير لجنة المراجعة المستقلة المكلفة بإجراء مراجعة لعمل "أونروا"، برأ الوكالة، وخلُص في إبريل/نيسان 2024 إلى أن إسرائيل لم تقدم أدلة تدعم ادعاءاتها بشأن موظفي "أونروا"، أقر الكنيست الإسرائيلي نهاية 2024، حظر عمل "أونروا" في القدس الشرقية المحتلة، وألزم الحكومة الإسرائيلية مطلع عام 2025 الوكالة بإخلاء مقرها في حي الشيخ جراح بالقدس، قبل أن تتواصل عمليات مداهمة وإغلاق مقرات تابعة لها. وقال مدير الوكالة بالضفة الغربية المحتلة رولاند فريدريك، الشهر الماضي في تصريحات، إن إسرائيل استولت على مركز قلنديا للتدريب المهني، آخر المؤسسات الكبرى التابعة لـ"أونروا" بالقدس.

من جهته يريد مجلس السلام استبعاد "أونروا" خلال عمله في غزة، في سياسة تتنافى مع ما يفرضه المنطق من ضرورة التعامل مع أهم وكالة أممية تعمل بتماس مع الفلسطينيين منذ 1949. ونقلت "أسوشييتد برس" عن مسؤول في مجلس السلام، الجمعة الماضي، قوله إن "أيام أونروا قد انتهت. (ومع ذلك) سيبقى موظفوها، إذا تخطوا عملية التدقيق وأدوا مهامهم ولم يروجوا لأيدولوجيات أو لمصالح حماس". وأكد المسؤول أن أعضاء المجلس التقوا عدة مرات مع مسؤولي "أونروا، مضيفاً أنه ومع أن أيام الوكالة قد انتهت، فإن برامجها "قد تستمر إذا كانت تخدم سكان غزة بطريقة جيدة". لكن مفوض "أونروا" السابق فيليب لازاريني، (انتهت مهمته في مارس/ آذار 2026) قال إن أعضاء المجلس وآخرين كانوا أكثر انفتاحاً على العمل مع "أونروا" عما يبدو ظاهرياً. وذكر لازاريني، لـ"أسوشييتد برس" في اليوم نفسه، أن أعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية (اللجنة الوطنية لإدارة غزة) يرغبون في العمل مع الوكالة.

والجمعة الماضي، أعاد مجلس السلام نشر مقابلة "أسوشييتد برس" على منصة إكس، ورد بالقول: "لم يطرأ أي تغيير على سياسة مجلس السلام في ما يتعلق بمشاركة أونروا في قطاع غزة"، مضيفاً: "لن نتعاون إلا مع شركاء موثوقين يلبون احتياجات سكان غزة ويساهمون في جعل القطاع خالياً من التطرف". وزعم المنشور أن "أونروا تفشل" في اجتياز هذه المعايير الحاسمة، ويُعد نهجنا هو السبيل الأمثل للحد من حالة الاعتماد المزمن على المساعدات، وقيادة غزة نحو اقتصاد مزدهر ومستدام ذاتياً، يوفر الفرص ويضمن ظروفاً معيشية أفضل للفلسطينيين".
وفي يوليو الماضي، نشر مجلس السلام عبر حسابه الرسمي على "إكس" أنه "لا مكان لأونروا في غزة الجديدة"، مضيفاً: "نطوي صفحة دوّامة الاعتماد الدائم على المساعدات والصراع. سكان غزة يستحقون ما هو أفضل". وتعد هذه العبارة تكراراً لما يردده جيف بارتوس، الممثل الأميركي لشؤون إدارة وإصلاح الأمم المتحدة، على منبر المنظمة الأممية. وتعزز التصريحات ضد "أونروا" المخاوف الفلسطينية بوجود خطة تستهدف تقليص خدمات الوكالة في القطاع وبقية مناطق عملياتها (تشمل غزة والضفة ولبنان وسورية والأردن) ونقل برامجها لجهات أممية وإغاثية أخرى ضمن مخطط يستهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين.

هجوم سياسي على "أونروا"
في الأثناء، قال المستشار الإعلامي لـ"أونروا" عدنان أبو حسنة، إن الهجوم على الوكالة الأممية لا يزال مستمراً، سواء على المستوى السياسي أو على مستويات أخرى، مشدداً في حديث لـ"العربي الجديد"، على أن الوكالة "باقية ولن تتخلى عن دورها"، رغم الأزمة المالية والضغوط التي تواجهها. وأضاف أبو حسنة أن برامج التعليم التابعة للوكالة في غزة تستوعب حالياً نحو 300 ألف طالب، بينهم ما يقارب 70 إلى 75 ألف طالب في التعليم الوجاهي، على أن يرتفع هذا العدد إلى نحو 100 ألف خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، فيما يتلقى نحو 200 ألف طالب تعليمهم عن بُعد.
وبشأن الخدمات الصحية، أشار إلى أن عيادات "أونروا" في غزة تستقبل يومياً ما بين 14 و15 ألف مريض، مؤكداً استمرار الوكالة في توفير مياه صالحة للشرب والاستخدام الآدمي لمئات الآلاف من الفلسطينيين. ولفت إلى استمرار برنامج الصحة البيئية التابع للوكالة داخل المخيمات، بما يشمل ترحيل عشرات آلاف الأطنان من النفايات الصلبة من المخيمات الفلسطينية ومحيط مراكز الإيواء، مشيراً إلى أن "أونروا" لا تزال تشغّل نحو 11 ألف موظف في قطاع غزة. وتواجه الوكالة، وفق أبو حسنة، "أزمة مالية كبيرة"، رغم التمويل الذي أُعلن عنه خلال مؤتمر التبرعات الذي عقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الحالية في نيويورك، مبيناً أن الحديث يدور عن تبرعات بقيمة 30 مليون دولار، فيما تبلغ قيمة العجز المالي المتبقية نحو 70 مليون دولار.

يُذكر أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، شدد الخميس الماضي خلال اجتماع وزاري عُقد على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، على "دعمه الثابت" اللاجئين الفلسطينيين ولولاية وكالة أونروا واصفاً إياها بأنها حيوية. كما حذّر من عجز في الوكالة يبلغ نحو 100 مليون دولار.

رفض فصائلي
وكانت حركة حماس قد اعتبرت، أن إعلان مجلس السلام عدم التعامل مع "أونروا"، وأنه "لن يكون لها دور"، ينسجم تماماً "مع الموقف الإسرائيلي الهادف إلى تصفية عمل الوكالة ومنعها من تقديم الإغاثة للشعب الفلسطيني، وتصفية حق العودة". وقال الناطق باسم "حماس" حازم قاسم، في بيان أول من أمس السبت، إنه "من الغريب أن يتخذ مجلس السلام هذا الموقف المعادي لأونروا في الوقت الذي يعجز فيه المجلس عن تقديم الإغاثة لغزة أو إلزام الاحتلال بالالتزام باتفاق وقف إطلاق النار ووقف القتل اليومي ضد شعبنا في القطاع".
بدوره، قال الناطق باسم حركة فتح وعضو المجلس الثوري، منذر الحايك إن "فتح" ترفض المساس بـ"أونروا"، مؤكداً في حديث لـ "العربي الجديد"، أن وجود الوكالة مرتبط باستمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل لها. وأشار إلى وجود محاولات عديدة، خصوصاً من الاحتلال، لاستهداف الوكالة، من خلال إغلاق مقارها في القدس المحتلة، ومنع دخول المساعدات إلى قطاع غزة، في محاولة للتضييق على عمل الوكالة ومنعها من إيصال المساعدات إلى مستحقيها. كما حذّر الحايك من أن تداعيات استهدافها "خطرة على المستوى السياسي"، باعتباره يستهدف قضية اللاجئين وحقهم في العودة وتقرير المصير، موضحاً أن قضية اللاجئين لا تقتصر على قطاع غزة والضفة الغربية، بل تشمل الفلسطينيين في الشتات.

إلى ذلك، أكد عضو اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، محمد الغول، أن استبعاد "أونروا" من أي دور في ما يسمى بـ"غزة الجديدة" يكشف عن توجه لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة. وقال لـ"العربي الجديد"، إن التصريحات بشأن انتهاء دور الوكالة ليست موقفاً عابراً، وإنما تأتي ضمن مخطط سياسي تقوده الإدارة الأميركية والاحتلال، موضحاً أن استهدافها، يمثل امتداداً لسياسات تستهدف تفكيك الوكالة الأممية، باعتبارها الجهة الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وفق تعبيره.

وانتقد الغول حديث مجلس السلام عن إنهاء دور "أونروا"، في وقت "لم يتمكن فيه المجلس من ضمان وقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية الكافية إلى قطاع غزة"، مشيراً إلى ما وصفها بـ"مفارقة بين الإعلان عن استبعاد الوكالة، وبين اتصالات غير معلنة يقوم بها مجلس السلام ومعهد توني بلير (للتغيير العالمي) يجريانها مع الوكالة وموظفيها للاستفادة من خبراتها وقدراتها الميدانية".

رؤية للتصفية
في السياق، رأى مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي هويدي، أن التصريحات والقرارات المتعلقة بمستقبل "أونروا" في غزة تعبّر عن توجهات سياسية تخدم بالدرجة الأولى رؤية الإدارة الأميركية والاحتلال تجاه الوكالة. وأشار في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن غالبية العاملين في المجال الإنساني داخل القطاع هم من موظفي "أونروا"، ما يجعل استمرار عمل الوكالة أمراً أساسياً في ظل الظروف الإنسانية القائمة.

وربط هويدي التحركات الحالية بما وصفه بالسياق السياسي الأميركي المتعلق بأونروا، مشيراً إلى أن 93 عضواً في الكونغرس الأميركي قدموا رسالة إلى الرئيس دونالد ترامب طالبوا فيها بتفكيك الوكالة، ليس في الضفة الغربية وقطاع غزة فحسب، وإنما أيضاً في مناطق عملياتها في سورية والأردن ولبنان. وقال إن أي خطوة باتجاه تحجيم عمل أونروا في قطاع غزة يمكن النظر إليها، باعتبارها استجابة لهذا التوجه، معتبراً أن الأمر يتجاوز الإجراءات الإدارية إلى رؤية استراتيجية لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.


العربي الجديد