2026-09-28 01:39 ص

من اتفاقيات أبراهام إلى صراعات الوكلاء.. السياسة الخارجية الإماراتية تحت المجهر

2026-09-27

أعاد بقاء وفد الإمارات داخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام، الجدل بشأن علاقات أبوظبي مع إسرائيل وتوجهات السياسة الخارجية لأبوظبي في المنطقة، بعدما غادرت عشرات الوفود القاعة في احتجاج دبلوماسي علني على سياسات الحكومة الإسرائيلية وحربها في قطاع غزة.

وشاركت وفود عربية وإسلامية في الاحتجاج الذي شجعت عليه البعثة الفلسطينية، بينما بقي الوفدان الإماراتي والبحريني في القاعة، إلى جانب وفود دول أخرى في مشهد أعاد تسليط الضوء على العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، وعلى خلافات أبوظبي مع شركاء إقليميين في ملفات أخرى.

وأثار الموقف الإماراتي انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، اتهم أصحابها أبوظبي بتغليب علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل على المشاركة في الاحتجاج الدبلوماسي.

عقب ذلك لوحظ صدور تعليمات من النظام الإماراتي لشبكات الذباب الالكتروني بضرورة تكثيف الترويج للمساعدات الإنسانية الإماراتية المقدمة إلى غزة، بما فيها الوجبات الغذائية والأطراف الصناعية والجسر الإغاثي، للتغطية على الانتقادات التي أعقبت خطاب نتنياهو.

التطبيع مع إسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية

يرتبط الجدل الحالي بتحول شهدته السياسة الإماراتية عام 2020، عندما أقامت أبوظبي علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام، قبل قيام دولة فلسطينية وقبل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وجاء الاتفاق في خروج عن التسلسل الذي نصت عليه مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي ربطت التطبيع العربي الشامل بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية.

وأثار القرار الإماراتي آنذاك اعتراضات فلسطينية، إذ رأت القيادة الفلسطينية أن الاتفاق أتاح لإسرائيل الحصول على مكاسب دبلوماسية وتجارية دون التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية. وفي المقابل، قالت أبوظبي إن الاتفاق ساهم في تعليق خطط إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية، وإن الانخراط الدبلوماسي يمكن أن يوفر وسيلة للتأثير في السياسات الإسرائيلية.

وقد توسعت العلاقات الإماراتية الإسرائيلية لاحقًا لتشمل التجارة والتكنولوجيا والتعاون الاستراتيجي، مع استمرار أبوظبي في إصدار مواقف رسمية تدعم قيام دولة فلسطينية وتنتقد التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية الإسرائيلية.

ويضع مراقبون بقاء الوفد الإماراتي خلال خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة ضمن هذا السياق، معتبرين أنه يعكس أولوية الحفاظ على العلاقات الثنائية.

ليبيا.. دعم حفتر في مواجهة حكومة طرابلس

يمتد الجدل بشأن استقلالية السياسة الإماراتية إلى ليبيا، حيث أصبحت أبوظبي داعمًا خارجيًا رئيسيًا لقوات خليفة حفتر في شرق البلاد، في وقت كانت الأمم المتحدة تدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس وتسعى إلى تسوية سياسية تفاوضية.

وشن حفتر هجومًا على طرابلس في أبريل 2019 بهدف السيطرة على العاصمة، ما أدى إلى تصعيد الحرب وتحويلها إلى ساحة تدخلات عسكرية إقليمية ودولية.

وتناولت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة توثيق تورط عسكري إماراتي في ليبيا، شملت تزويد قوات حفتر بمركبات مدرعة وأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيرة ومعدات عسكرية أخرى.

وجاء هذا الدعم في وقت دعت فيه الجهود الدبلوماسية الدولية إلى وقف التدخلات الخارجية واحترام حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. وتعهدت الحكومات المشاركة في مؤتمر برلين بعدم التدخل في النزاع، فيما حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن استمرار تدفق الأسلحة والدعم العسكري الخارجي يقوض فرص الحل السياسي.

ووصف فريق خبراء الأمم المتحدة لاحقًا انتهاكات حظر الأسلحة التي ارتكبتها الدول الداعمة للأطراف المتحاربة بأنها واسعة النطاق وصارخة، مشيرًا إلى تراجع الفاعلية العملية للحظر.

ويبرز مراقبون أن دعم حفتر أتاح لأبوظبي بناء شراكة عسكرية تمنحها نفوذًا في مستقبل ليبيا، رغم تعارض ذلك مع المسار السياسي الذي رعته الأمم المتحدة. ويستشهدون بهذه الحالة ضمن انتقادات أوسع لسياسة بناء العلاقات مع قوى محلية مسلحة في الدول التي تشهد انقسامات داخلية.

اليمن.. صراع مع السعودية ودعم للانفصاليين

شهد اليمن بدوره تباينًا متزايدًا بين السياسات الإماراتية والسعودية، رغم دخول البلدين الحرب عام 2015 ضمن التحالف الداعم للحكومة المعترف بها دوليًا في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.

وبنت الإمارات علاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى إلى إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، وقدمت لقواته التدريب والتسليح.

واصطدم المشروع الانفصالي للمجلس بهدف الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية، رغم مشاركته رسميًا في الهياكل السياسية والعسكرية المناهضة للحوثيين.

وتفاقمت الخلافات في أواخر عام 2025، عندما تقدمت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات في مناطق جنوب اليمن، بينها حضرموت والمهرة، واقتربت من الحدود السعودية.

واعتبرت الرياض هذا التقدم تهديدًا لأمنها القومي، وشنت قوات تقودها السعودية هجومًا على ما وصفته بأنه شحنة معدات عسكرية إماراتية، وطالبت بانسحاب الإمارات.

وبحلول يناير 2026، استعادت القوات المدعومة من السعودية مناطق كانت خاضعة للانفصاليين المتحالفين مع الإمارات، وأعلنت الرياض مشاريع تنموية بمئات الملايين من الدولارات في المناطق التي كانت تسيطر عليها تلك القوات.

وكشفت هذه التطورات عن تباين الأهداف بين شريكين دخلا الحرب ضمن تحالف واحد؛ فبينما تمسكت السعودية بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، أقامت الإمارات شراكة مع حركة تحمل مشروعًا سياسيًا انفصاليًا.

وامتدت التباينات بين البلدين إلى ملفات النفط والجغرافيا السياسية، رغم محاولات مسؤولين من الحكومتين إظهار استمرار التنسيق والعلاقات الثنائية.

السودان.. دعم ميليشيا الدعم السريع

أعاد النزاع السوداني طرح تساؤلات بشأن دور الإمارات في الصراعات الإقليمية، بعدما واجهت أبوظبي اتهامات متكررة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب بينها وبين القوات المسلحة السودانية في أبريل 2023.

ووثقت تقارير صحفية عشرات رحلات الشحن الجوي من الإمارات إلى مطار في شرق تشاد، اشتبه خبراء ودبلوماسيون في استخدامه ضمن خط إمداد لقوات الدعم السريع.

وأعلنت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، في سبتمبر 2026، وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكات عابرة للحدود تضم أفرادًا وكيانات في الإمارات ودول أخرى ساهمت في تزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات والخدمات اللوجستية والتدريب والمقاتلين الأجانب.

وشملت نتائج التحقيق شبكات تعمل عبر تشاد وجنوب شرق ليبيا والصومال، إضافة إلى جهات وشركات مرتبطة بتجنيد متعاقدين عسكريين من كولومبيا، تولى بعضهم تشغيل الطائرات المسيرة والمدفعية وأنظمة الأسلحة المتطورة لصالح قوات الدعم السريع.

ويأتي ذلك في ظل حرب أدت إلى نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في أزمة إنسانية واسعة النطاق. وحذرت البعثة الأممية من أن الدعم العسكري الخارجي يعزز قدرات الأطراف المتحاربة ويطيل أمد النزاع، ودعت إلى وقف شبكات الإمداد غير المشروعة وتعزيز تطبيق حظر الأسلحة.

من المساعدات الإنسانية إلى النفوذ الاستراتيجي

تجمع الانتقادات الموجهة إلى السياسة الخارجية الإماراتية بين استمرار التطبيع مع إسرائيل، ودعم حفتر في ليبيا، وبناء شراكة مع المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، والاتهامات المتعلقة بشبكات الإمداد لقوات الدعم السريع في السودان.

ويشير المراقبون إلى أن القاسم المشترك بين هذه الملفات هو توسيع نفوذها عبر الاتفاقيات الثنائية والشراكات مع قوى محلية، حتى عندما تتعارض تلك العلاقات مع مواقف حكومات عربية أخرى أو مع مسارات دبلوماسية جماعية.

وقد أعاد بقاء وفدها خلال خطاب نتنياهو هذه الخلافات إلى الواجهة، وسط جدل بشأن ما إذا كانت العلاقات الثنائية المتنامية، والتدخلات الإقليمية المتنافسة، تسهم في إضعاف قدرة الدول العربية على تبني مواقف مشتركة تجاه الأزمات الكبرى.

وبينما استمر الوفد الإماراتي في مقعده خلال خطاب نتنياهو، اختارت عشرات الوفود التعبير عن احتجاجها بالانسحاب، في مشهد أبرز اختلاف الأدوات والمواقف الدبلوماسية تجاه إسرائيل، وأعاد فتح النقاش بشأن أولويات السياسة الخارجية الإماراتية وعلاقتها بشركائها الإقليميين.

https://emiratesleaks.com/