2026-09-27 10:28 م

الأمن والدفاع في المانيا ـ مساعي إعادة هيكلة نظام التجنيد

2026-09-27

تشهد ألمانيا جدلًا متزايدًا حول مستقبل الخدمة العسكرية، في ظل مساعي الحكومة لتعزيز قدرات الجيش الألماني وتوسيع قاعدة التجنيد، مقابل تصاعد اعتراضات شبابية وطلابية ترى أن التوجهات الجديدة تمثل عودة تدريجية نحو نظام التجنيد الإلزامي. وتحوّل ملف الخدمة العسكرية إلى قضية مجتمعية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والدفاع مع مخاوف مرتبطة بالتعليم والإنفاق العام ودور الشباب في السياسات العسكرية.

احتجاجات الشباب ضد عسكرة المجتمع
خرج آلاف الطلاب يوم 25 سبتمبر 2026،  في مختلف أنحاء ألمانيا في إضرابات احتجاجية ضد نظام الخدمة العسكرية الإلزامية والتوجهات العسكرية للحكومة، وشملت التحركات ما لا يقل عن (100) مدينة، حيث طالب المشاركون بتغيير السياسات الحكومية المتعلقة بالدفاع والتجنيد. وأكد الطلاب في بياناتهم رفضهم إجبار الشباب على الخدمة العسكرية أو المشاركة في حروب مستقبلية، معتبرين أن الإجراءات الحكومية الحالية قد تمهد تدريجيًا لإعادة فرض التجنيد الإجباري، رغم تأكيد السلطات أن النموذج الحالي يعتمد على المشاركة الطوعية.

تمثل الاحتجاجات الطلابية امتدادًا لحركة بدأت منذ نهاية عام 2025، إذ كانت هذه المرة الرابعة التي يترك فيها الطلاب قاعات الدراسة للمشاركة في مظاهرات مرتبطة برفض السياسات العسكرية الجديدة. ويرى المحتجون أن خطط الحكومة الألمانية لبناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا تأتي على حساب قطاعات مدنية، خصوصًا التعليم والخدمات الاجتماعية. وانتقدت لجان الإضراب والنشطاء ما وصفوه بإجراءات تضييق سبقت بعض الاحتجاجات، من بينها تحديد مواعيد امتحانات خلال أيام الإضراب ومنع بعض الطلاب من مغادرة الحرم الجامعي للمشاركة في التحركات. كما ركز الخطاب الطلابي على قضية توزيع الموارد، إذ يرى المحتجون أن زيادة الإنفاق العسكري تتزامن مع تراجع موازنات مخصصة للمدارس وخدمات الشباب. ووفق المعطيات الواردة في الملف، أشارت تقارير إلى تخصيص (140) مليار يورو للأغراض الدفاعية عام 2027، مقابل تخفيضات متوقعة في ميزانية قطاع التعليم الفيدرالي بنحو مليار يورو.

خطة الحكومة لتوسيع قاعدة الجيش
تسعى الحكومة الألمانية إلى إعادة هيكلة نظام التجنيد بهدف زيادة أعداد القوات المسلحة، حيث بدأت وزارة الدفاع في إنشاء بنية جديدة لاستقبال وتقييم الراغبين في الانضمام إلى الجيش. وأعلنت وزارة الدفاع الاتحادية في مايو 2026 إنشاء (24) مركزًا جديدًا للتجنيد في (14) ولاية اتحادية، خاصة في المدن الكبرى التي يسهل الوصول إليها. وستتولى هذه المراكز عمليات التقييم الأولي للمتقدمين، بينما تستمر مراكز التجنيد التابعة للقوات المسلحة في إجراء اختبارات أكثر شمولًا تشمل الفحوصات الطبية والبدنية والمعرفية والنفسية اللازمة للخدمة العسكرية أو المدنية. ومنذ يناير 2026، أرسلت السلطات استبيانات إلى الشباب الذين بلغوا (18) عامًا لمعرفة مدى استعدادهم للمشاركة في الخدمة العسكرية التطوعية الجديدة. وتختلف طبيعة المشاركة بين الجنسين، إذ تكون اختيارية للنساء وإلزامية من حيث الرد على الاستبيان بالنسبة للرجال، مع فرض غرامة مالية على من يرفض استكمال النموذج بعد التذكير.

تحديات التجنيد الطوعي
رغم محاولات الحكومة تعزيز جاذبية الخدمة العسكرية عبر الحوافز المالية وفرص التدريب والمسارات المهنية، فإن الاستجابة المجتمعية لا تزال تمثل تحديًا، خصوصًا بين فئة الشباب. وتشير المعطيات إلى وجود فجوة بين التأييد النظري لفكرة تعزيز الدفاع وبين الاستعداد العملي للانضمام إلى الجيش. وأعلنت وزارة الدفاع ارتفاع عدد المنضمين الجدد إلى الجيش منذ بداية عام 2026، حيث تجاوز العدد (5300) شخص، بزيادة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة يرتبط بالخدمات قصيرة الأجل، ما يثير تساؤلات حول قدرة الجيش على الحفاظ على كوادر مستقرة ومدربة على المدى الطويل. ويبلغ حجم القوات المسلحة الألمانية حاليًا نحو (186) ألف جندي في الخدمة الفعلية، مع خطط حكومية لرفع العدد تدريجيًا إلى نحو (270) ألف جندي بحلول عام 2035، وهو هدف يتطلب توسعًا مستمرًا في عمليات التجنيد والتدريب والاحتفاظ بالعناصر البشرية.

التجنيد الإلزامي والتهديدات الروسية
تأتي تحركات الحكومة الألمانية لإعادة هيكلة منظومة التجنيد في ظل تصاعد المخاوف الأمنية داخل أوروبا بعد الحرب الروسية على أوكرانيا واستمرار ما تعتبره دول أوروبية انتهاكات روسية للقواعد الأمنية الإقليمية. وترى برلين أن البيئة الاستراتيجية الجديدة تتطلب تعزيز جاهزية الجيش الألماني ورفع قدرته على التعامل مع سيناريوهات عسكرية محتملة، خاصة مع تزايد الدعوات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لرفع الإنفاق الدفاعي وتوسيع القدرات العسكرية للدول الأعضاء. وفي هذا السياق، تعمل الحكومة الألمانية على بناء نموذج أكثر مرونة للتجنيد يعتمد مبدئيًا على المشاركة الطوعية، مع إبقاء خيار العودة إلى الخدمة الإلزامية مطروحًا إذا لم تتمكن الآلية الحالية من توفير العدد المطلوب من الجنود.

ولا تقتصر الاستعدادات الألمانية على زيادة أعداد الجنود فقط، بل تشمل أيضًا إعادة هيكلة الجيش وتطوير قدراته البشرية والتنظيمية لمواجهة التحديات الأمنية المستقبلية. فقد حددت الحكومة هدفًا لرفع حجم القوات المسلحة الألمانية تدريجيًا من نحو (186) ألف جندي في الخدمة الفعلية إلى قرابة (270) ألف جندي بحلول عام 2035، ما يتطلب توسعًا مستمرًا في عمليات التجنيد والتدريب والاحتفاظ بالعناصر المؤهلة، إلا أن هذا المسار يواجه معارضة من قطاعات شبابية وطلابية تخشى من عودة التجنيد الإلزامي وتحول السياسة الدفاعية إلى أولوية على حساب التعليم والخدمات الاجتماعية، ما يجعل ملف إعادة تسليح ألمانيا أحد أبرز الملفات الجدلية داخل المجتمع الألماني حاليًا.

مستقبل الخدمة العسكرية في ألمانيا
يعتمد نموذج الخدمة العسكرية الجديد مبدئيًا على المشاركة الطوعية، إلا أن الحكومة تترك خيار العودة إلى التجنيد الإجباري مطروحًا في حال عدم تحقيق الأهداف المطلوبة من خلال النظام الحالي. ويظل هذا الخيار محل جدل واسع داخل المجتمع الألماني بسبب ارتباطه بقضايا الحريات الفردية ودور الدولة في إلزام الشباب بالخدمة العسكرية. في المقابل، تواجه الخطط الحكومية انتقادات سياسية أيضًا، حيث يرى بعض المنتقدين داخل أحزاب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ـ الاتحاد الاجتماعي المسيحي أن بعض تفاصيل القانون وآليات التنفيذ تحتاج إلى مزيد من الوضوح لضمان الفعالية وتجنب التعقيدات الإدارية والقانونية. وتكشف الاحتجاجات الطلابية أن ملف التجنيد في ألمانيا لم يعد قضية عسكرية فقط، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول أولويات الدولة، وحدود الإنفاق الدفاعي، ومستقبل علاقة الشباب بالمؤسسة العسكرية. وبينما ترى الحكومة أن تعزيز قدرات الجيش ضرورة في ظل المتغيرات الأمنية، يطالب قطاع من الشباب بإعطاء الأولوية للتعليم والخدمات المدنية ورفض أي مسار قد يؤدي إلى إعادة فرض الخدمة الإلزامية.

المصدر:  المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI