2026-09-21 02:23 م

لماذا يصاب غير المدخنين بسرطان الرئة؟

2026-09-21

لطالما ارتبط سرطان الرئة بالتدخين، لكن المرض لا يقتصر على المدخنين، إذ تشير البيانات الطبية إلى أن نسبة مهمة من المصابين لم يدخنوا في حياتهم.

وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة "Science"، وجد باحثون أن طفرة جينية موروثة ونادرة في جين EGFR ترتبط بزيادة كبيرة في خطر الإصابة بسرطان الرئة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لم يدخنوا مطلقاً.

وحلل الباحثون بيانات وراثية وصحية لأكثر من 3.3 مليون شخص ممن وافقوا على استخدام بياناتهم لأغراض البحث، وحددوا 641 شخصاً يحملون طفرة EGFR T790M الموروثة. ووجدوا أن حاملي الطفرة كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة بنحو 25 مرة مقارنة بغير الحاملين لها، بينما ارتفعت النسبة إلى نحو 62 مرة بين الأشخاص الذين لم يدخنوا مطلقاً. ونُشرت الدراسة في 17 أيلول/ سبتمبر 2026.

ما الذي اكتشفته الدراسة؟
ينتمي جين EGFR إلى مجموعة من الجينات التي تلعب دوراً في تنظيم نمو الخلايا وانقسامها وبقائها. وتوجد طفرات مكتسبة في هذا الجين داخل عدد من أورام سرطان الرئة، ويمكن أن تكون ذات أهمية في تحديد العلاج المناسب.

لكن طفرة T790M التي تناولتها الدراسة الجديدة مختلفة في حالة الأشخاص الذين يحملونها موروثاً؛ فهي تكون موجودة في الخلايا منذ الولادة، ويمكن أن تنتقل بين أفراد العائلة.

وتشير النتائج إلى أن وجود هذه الطفرة الموروثة قد يهيئ الرئة للإصابة بالسرطان، إلا أن وجودها لا يعني أن الإصابة بالسرطان حتمية. وقال الباحثون إن الدراسة لا توفر حتى الآن تقديراً دقيقاً لاحتمال إصابة كل حامل للطفرة بسرطان الرئة على مدى حياته.

كما أن الطفرة نادرة للغاية؛ فقد ظهرت لدى نحو شخص واحد من كل 15,850 شخصاً في البيانات التي جرى تحليلها. وتركز وجودها بصورة أكبر بين أشخاص ينحدرون من مناطق في جنوب شرق الولايات المتحدة، خصوصاً أجزاء من منطقة الأبلاش، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة تاريخ انتشارها في تلك المنطقة.

هل يعني ذلك أن الجينات تفسر سرطان الرئة لدى غير المدخنين؟ ليس بهذه البساطة.
فالطفرة التي تناولتها الدراسة تمثل عاملاً وراثياً نادراً، ولا يمكن استخدامها لتفسير جميع حالات سرطان الرئة لدى غير المدخنين.

وتشير الأدلة الطبية إلى أن سرطان الرئة لدى الأشخاص الذين لم يدخنوا قد يرتبط بمجموعة من العوامل، بينها التغيرات الجينية التي تحدث داخل خلايا الرئة خلال الحياة، إضافة إلى بعض العوامل البيئية والمهنية. وفي كثير من الحالات لا يستطيع الأطباء تحديد سبب واحد واضح للإصابة.

وفي دراسة منشورة في مجلة "Nature" عام 2025، حلل باحثون جينومات أورام 871 شخصاً مصاباً بسرطان الرئة ولم يدخنوا مطلقاً، من 28 منطقة جغرافية. ووجدوا اختلافات في الطفرات الجينية بين المناطق، بما في ذلك اختلاف معدلات طفرات EGFR وTP53 وKRAS، كما بحثوا في بصمات التغيرات الجينية التي قد ترتبط بالتعرض لعوامل بيئية.

وهذه النتائج تعزز فكرة أن سرطان الرئة لدى غير المدخنين ليس مرضاً واحداً له سبب واحد، وإنما مجموعة من الحالات قد تنشأ عبر مسارات بيولوجية مختلفة.

ما العوامل الأخرى التي قد تزيد خطر الإصابة؟
إلى جانب الاستعدادات الجينية، توجد عوامل خطر معروفة يمكن أن تؤثر في احتمال الإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخنين.
غاز الرادون:
الرادون غاز مشع طبيعي لا يمكن رؤيته أو شمّه، وينتج عن تحلل مواد موجودة في التربة والصخور. ويمكن أن يتراكم داخل المنازل والمباني، ويعد من الأسباب المعروفة لسرطان الرئة لدى غير المدخنين.

التدخين السلبي:
عدم التدخين لا يعني بالضرورة عدم التعرض لدخان التبغ. فاستنشاق دخان الآخرين يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة، حتى لدى الأشخاص الذين لم يدخنوا بأنفسهم.

تلوث الهواء:
تشير الدراسات إلى وجود ارتباط بين التعرض طويل الأمد لتلوث الهواء وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة، وإن كان تأثيره أقل بكثير من تأثير التدخين على مستوى السكان.

التعرض المهني:
يمكن لبعض المواد الموجودة في بيئة العمل أن تزيد خطر الإصابة، ومنها الأسبستوس والزرنيخ والكروم والنيكل والبيريليوم والكادميوم، إضافة إلى بعض أشكال التعرض لعوادم الديزل ومواد أخرى مسرطنة.

العلاج الإشعاعي السابق:
الأشخاص الذين تلقوا علاجاً إشعاعياً لمنطقة الصدر بسبب سرطان سابق قد يكون لديهم خطر أعلى للإصابة بسرطان الرئة في وقت لاحق.

التاريخ العائلي:
وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب بسرطان الرئة قد يرتبط بزيادة بسيطة في الخطر، لكن من الصعب في كل حالة فصل تأثير الجينات عن عوامل البيئة المشتركة داخل العائلة.

وماذا عن الطفرات داخل الورم؟
هنا توجد نقطة مهمة لفهم سرطان الرئة لدى غير المدخنين.
فبعض أورام الرئة لدى غير المدخنين تحمل تغيرات جينية يمكن أن تساعد على نمو الورم، ومنها طفرات أو تغيرات في EGFR وALK وROS1 وMET وRET وBRAF وNTRK. وقد أصبحت معرفة هذه التغيرات جزءاً مهماً من تشخيص سرطان الرئة وتحديد بعض العلاجات الموجهة له.

لكن وجود طفرة في الورم لا يعني بالضرورة أنها طفرة موروثة من الوالدين.

فالطفرة قد تكون "جسدية" أو مكتسبة، أي حدثت في خلية أو مجموعة خلايا خلال حياة الشخص، بينما الطفرة "الموروثة" تكون موجودة في خلايا الجسم منذ الولادة ويمكن أن تنتقل إلى الأبناء.

وهذا التفريق مهم بشكل خاص عند قراءة نتائج الفحوص الجينية؛ إذ لا يمكن الاستنتاج من وجود طفرة في عينة من الورم وحدها أن أفراد العائلة يحملون الطفرة نفسها.

هل يحتاج كل غير مدخن إلى فحص جيني؟
لا تشير الدراسة الجديدة إلى ضرورة إجراء فحص جيني شامل لكل شخص لم يدخن.

فالطفرة EGFR T790M نادرة، والدراسة نفسها تبحث في كيفية تحديد الأشخاص الذين قد يستفيدون مستقبلاً من الفحص أو من برامج مراقبة أكثر تحديداً. كما أن برامج الفحص الروتيني لسرطان الرئة تعتمد حالياً بدرجة كبيرة على العمر وتاريخ التدخين، وليس على مجرد كون الشخص غير مدخن.

وقد تكون مسألة الفحص الجيني أكثر أهمية في ظروف محددة، مثل وجود تاريخ عائلي لسرطان الرئة أو ظهور أنماط معينة من الطفرات في الفحوص الطبية، لكن تحديد ذلك يعتمد على الحالة الفردية والتقييم الطبي والاستشارة الوراثية.