2026-09-18 01:16 ص

"انهيار": النظر إلى غزة بعين المستوطنة

2026-09-17

مهما كان الفيلم الإسرائيلي متقدمًا في رؤيته، أو حاول أن يكون كذلك، في تناوله للمسألة الفلسطينية، أو لأحد جوانبها وهو متعلق بالضرورة بالحالة الإسرائيلية، يبقى، الفيلم، قاصرًا وعاجزًا أو غير راغب أو مَعني، غالبًا، في تخطي وجهة النظر الإسرائيلية، أو التموقع الإسرائيلي. فيلم، مثلًا، يناهض الحرب على قطاع غزة، سيكون تلقائيًا مناهضًا من وجهة النظر تلك، ما لم يكن واعيًا وجاهدًا لتخطيها. سيرفض الحرب بوصفه، الفيلم وصاحبه، إسرائيليًا. توجد استثناءات نادرة وفيلمنا هذا ليس أحدها.

للفيلم الوثائقي "انهيار" (Collapse) للمخرجة الإسرائيلية عنات إيفن حق القول أو التصنيف في مناهضته للحرب الإسرائيلية الإبادية على قطاع غزة. لكن، لعلاقة السينمائيين الإسرائيليين مع الحق الفلسطيني طبقات من التحليل لا يمكن حصرها أو لَيّها في أن تكون مع أو ضد، طبقات ثقلت وظهرت بشكل جليّ تحديدًا في السنوات الأخيرة.

في وجهة النظر الإسرائيلية الداعية إلى التعايش أو المعارضة لسياسات اضطهادية أو المناهضة للحرب أو المنادية بالانسحاب من الضفة وغزة، وكلها تصبّ في تيار واحد من المواقف وأصحابها، في كل ذلك حاجز لا يمكن للسينمائيين تخطيه، هو نفسي أو غير مرئي لا أعرف، لكني أراه حاجزًا عاليًا وسميكًا من الإسمنت، لا تخطئه العين. حاجز يتسبب في أن لا يكون الانطلاق لرفض الحرب سوى من الموقع الإسرائيلي، ماديًا ومعنويًا، بمعنى أن الاعتبار الأول هو المصلحة الإسرائيلية لا الضحية الفلسطينية، بمعنى أن الضرر الأول يكمن في ما شوّهته الحرب في الشخصية الإسرائيلية لا في ما أفنته من أشخاص فلسطينيين.
الفيلم المشارك في قسم "فورَم" بمهرجان برلين السينمائي الأخير، سيضع لنفسه مكانة خاصة ضمن سينما مناهضة الحرب الإسرائيلية، سينمائيًا بسبب فنّيته، بسبب صوره وأصواته. غزّة في الأفق كأنها مكانٌ للجحيم يُمنع الاقتراب منه، نرى أثرًا للقصف ونترك للمخيلة استعادة مَشاهد من النشرات الإخبارية. وقد زاد الصوت من كارثية المتخيَّل في الصورة لتنافره، أصوات للطبيعة ولحياة مستوطنين في محيط القطاع، الفرَح ينزّ من كلامهم كالدماء. لذلك، كان الفيلم أقرب إلى بيان نعوة، كان نعيًا لدولة إسرائيل، كاشفًا، وهي حال فيلم "طريق 181" لميشيل خليفي وإيال سيفان، طغيانَ الفاشية لدى المجتمع الإسرائيلي، وإن كان "طريق 181" الأقرب لفيلم طريق على الحدود المرسومة على أرض فلسطين، امتاز، لطوله، بعمقه وسرديته الهادئة المفككة للاستعمار الاستيطاني في الكلام العادي للمستوطنين، ومن وجهة النظر الفلسطينية، فإن "انهيار"، ممتازًا بجماليات صوره، يتمركز في وجهة النظر الإسرائيلية، تلك المحاولة للتقرب من الفلسطينية، مظهرًا التعطش للدماء لدى جنود ومؤيدين لهم، بمسيرٍ للكاميرا وللمخرجة في سيارتها على طول الحدود مع قطاع غزة.

يبدأ الفيلم من منزل المخرجة في مستوطنة "نير عوز" على الشريط الحدودي مع غزة، المستوطنة التي نالت حصة كبرى من أحداث "السابع من أكتوبر". حروق ودمار تصوّرها المخرجة بدءًا من المنزل ومرورًا بغيره، قبل أن تنتقل إلى التصوير من المستوطنة وغيرها تجاه قطاع غزة، لكن كذلك من بعيد، من عند باقي البلاد المحتلَّة، من عند جيش الاحتلال، المتدرب كما نرى عند هذا الشريط. الفيلم يبقى، في تصويره لقطاع غزة، محصورًا ضمن وجهة النظر الإسرائيلية، أقول ذلك لمضامين الفيلم لكن كذلك لجانبه التقني، لتموقع الكاميرا.

الفيلم شبحيّ، يحوم حول القطاع، نرى دخانًا لانفجارات ثم نرى دبابات تتحضّر للدخول، أو ربما خرجت لتوها. نرى القطاع يُباد من بعيد ونسمع أصوات عصافير تهلع، ونرى كلابًا هاربة، يقول مستوطن محاولًا إبعادها إنها آتية من غزة.

الفيلم شهادة من داخل المجتمع الإسرائيلي في انهياره، في حالة التشفي بالجريمة، نرى الجماعات المتطرفة تمنع المساعدات الإنسانية عن الدخول، نرى زيارات "متحفيّة" إلى المستوطنات المتضررة كأنها معسكرات اعتقال من أيام الحرب العالمية الثانية، تشرح لزوّار أجانب ما "ارتُكب" فيها في "السابع من أكتوبر".

الفيلم الراغب في أن يكون شهادة على إباديّة تلك الحرب، هو أقرب في مناهضته إلى حسرة لا على غزة والغزيين بل على انعكاس ذلك في نفسيات الإسرائيليين، أفرادًا ومجتمعًا، كأنهم، في المستوطنات وعموم الدولة، كانوا في خير وسلام أخلاقيًا وإنسانيًا وسياسيًا، فكان "السابع من أكتوبر"، فأصاب بيتها بضرر، فكانت الحرب، فانهار المجتمع الإسرائيلي، فنرجع إلى السردية الصهيونية المنتشرة أوروبيًا بأن كل ما تبع ذلك اليوم بدأ به، وأن لا تاريخ فلسطينيًا قبله. مناهضة الحرب تنطلق وتصب هنا في مصلحة إسرائيلية خالصة، الحسرة هنا هي إسرائيلية تمامًا، والغاية من الفيلم لا الحزن على الغزيين وقد خسروا حياتهم بل على الإسرائيليين وقد خسروا "إنسانيتهم". الحسرة على بيت متضرِّر في مستوطنة بقدر ما هي على أحياء ممحوّة في غزة.
ليست مناهضة الحرب الإبادية معيارًا للإسرائيليين، كما أن معارضة أركان الحكومة الفاشية ليست موقفًا متقدّمًا، لا تعني الصفَّ مع الفلسطينيين. هذا هراء غربي استعماري تروّج له أعمال سينمائية إسرائيلية من حيث تقصد أو لا، لا يهم. لسنا هنا أمام مصيبتين متوازيتين، فلسطينية وإسرائيلية، ولا يمكن المقابلة بين حسرة على "انهيار" قيمٍ إنسانية في مجتمع لأنه داعم ودافع لإبادة شعب آخر، وبين حسرة على شعب مُباد. هذه مقاربات أوروبية لا غاية منها سوى تسويغ الانحياز إلى المبيد. هذا التوازي يصوّره الفيلم لا من خلال مناهضته الحرب، بل من خلال التموقع الذي اتخذه في مناهضته هذه. في أن المستوطنة الإسرائيلية والقطاع الفلسطيني متضرران من سياسات حربية لمتطرّفين من كلا الطرفين. عدم التطرق أصلًا إلى الموضوع الغزي سيكون أفضل، للغزيين برأيي، من هذه المقاربة.

الفيلم إسرائيلي نموذجي لما يُعرف باليسار الاستعماري الأبيض، ذلك المعني بصورته كإسرائيلي أكثر من كونه معنيًا بحياة الفلسطيني. المعني بأسلوب حياته وقد تغيّرت، بأصدقاء خسرهم، بالموت خلال ارتكاب الجريمة أو بالقطيعة بسبب تبريرها، جرّاء الحرب. الفيلم يصور غزة من موقع المستوطَنة، يرى القطاع من موقع المستعمِر، وكل ما يحصل أمامه، أمام الكاميرا، تكمن قيمته في انعكاسه على موقع التمركز، في محيط القطاع، "نير عوز". بؤس الحرب الإبادية كما يراها الفيلم ليست في ما حملته على الفلسطينيين في القطاع بل في ما انعكس عن ذلك على المستوطنين. كيف لمستوطِن أن يرى فلسطين سوى بعين الاستيطان؟

تبقى، في الفيلم، مساحة لصوت كان حقيقيًا في صفّه إلى جانب الغزيين، ويبقى من حق الفيلم القول إنه منح مساحةً وإن هامشية لهذا الصوت، إذ تُكلّم المخرجة صديقًا لها في فرنسا، أرييل، في تراسلات صوتية تتخلل الفيلم، قائلًا لها إنها "إن أرادت إكمال التصوير في منطقة حرب، فكيف ستستوعب الوضع في غزة من دون أن تكون فيها؟"، ثم إنه "لا يشك في صدق مشاعرها، لكن عدستها تبقى على طرف واحد من الحدود"، وأخيرًا بأنها "اختارت تحدي مجتمعها من خلال السينما، وهذه شجاعة لكنها تبقى لسوء الحظ تفصيلية، وحده من يعبر إلى الطرف الآخر، هناك حيث تعلو غيوم مريعة من الغبار والجثث والأنقاض، هذا فقط ما يؤخذ بالحسبان".

مشكلة الفيلم لا تكمن في ما صوّره، بل في تموقعه في أثناء التصوير، إذ إنه نظر إلى غزة بعين المستوطنة.

سليم البيك | العربي الجديد