2026-09-17 04:49 م

مدينة الخليل: حياتها الاجتماعية وانتفاضاتها ضد الاستيطان

2026-09-16

يُعدُّ التاريخ الوثائقي لحياة المدن الاجتماعية بابًا تجريبيًا في السوسيولوجيا، غالبًا ما يعتمده باحثون جامعيون وأكاديميون للكشف عن تاريخ التركيب الاجتماعي المحلي، الخاص والبطيء للمدن، راويًا فصول نشأتها وتطورها، عادات أهلها وسكانها، تقاليدهم وحياتهم اليومية، ومستطلعًا المؤسسات التي ينشئونها لتدبير معاشهم وشؤونهم...


وفي تأليفها كتاب "الحياة الاجتماعية في مدينة الخليل خلال الانتداب البريطاني حتى عام 1948" -صدر لدى "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، بيروت، 2026-  تضيف الباحثة الفلسطينية المولودة في عمان رزان عبد الحليم عابدين، "أسواق المدينة القديمة، وبيوتها العامرة بدفء الحكايات العتيقة" لإعادة رسم صورة المدينة في أيام الانتداب البريطاني على فلسطين (1918- 1948).


أما مادة تأليف الكتاب -وهو كان قد قُدّم كبحث لحصول صاحبته على شهادة دكتوراه من الجامعة الأردنية -فهي سجلات المحاكم الشرعية في مدينة الخليل، دفاتر الزواج ووثائق الأوقاف والمجلس الإسلامي الأعلى، الوثائق البريطانية الصادرة عن حكومة فلسطين، والصحف المحلية في المدينة، إضافة إلى أرشيفات ووثائق عائلية، ومقابلات شفوية مع كبار سن عايشوا تلك الحقبة في الخليل، كي تجمع الباحثة بين "صرامة الوثيقة وحرارة الذاكرة".

مقدمات تاريخية
يقدم هذا الكتاب صورة بانورامية عن الحياة الاجتماعية في الخليل طوال 30 سنة، شهدت فيها المدينة تحولات جذرية، عمرانية وسياسية واجتماعية واقتصادية وسكانية، حينما كان أهلها من طوائف وأعراق عدة، فتعرضت لاضطرابات نجمت عن السياسات البريطانية والتفاعلات بين سكان المدينة. وكان الأثر الأبرز لتلك السياسات "خروج اليهود بصورة نهائية من الخليل، بعد ثورة البراق سنة 1929، والتي أحدثت تغيرات جوهرية في تركيب المدينة السكاني".


ومدينة الخليل من "أعرق" المدن الفلسطينية وأقدمها في جنوب فلسطين. وتُعدّ أيضًا "رابع أقدس مدن الإسلام، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس، بسبب وجود المسجد الإبراهيمي فيها". وهو شُيّد على "مغارة المكفلية التي تحوي قبر النبي إبراهيم، وأبنائه اسحق ويعقوب، وزوجاتهم سارة ورفقة ولائقة". واستمدت المدينة اسمها من وصف القرآن النبي إبراهيم بأنه "خليل الله". وعرفت الخليل أسماء متنوعة في تاريخها الأقدم: "قرية أربع" نسبة للملك الكنعاني، وللقرى الأربع التي تكونت منها المدينة، وهي حبرى أو حبرون، المرطوم، بيت عينون، وبيت إبراهيم. وارتبطت الخليل بمدينة القدس التي تبعد عنها مسافة 36 كلم، في "حادثة الإسراء والمعراج" النبوية، وبوجود "التكية الإبراهيمية" الصوفية فيها.


وفي حقبة الانتداب البريطاني أصبحت الخليل مركز قائمقامية تابعة للواء القدس. وارتفع عدد سكانها من 53 ألف نسمة سنة 1922، إلى أقل بقليل من 90 ألف نسمة سنة 1945. وهي صارت عاصمة جنوب فلسطين، وساهمت بقوة في مقاومة البريطانيين وسياساتهم ومقاومة الاستيطان الصهيوني، في ثورة البراق (1929) وفي الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936.

اليهود والمسيحيون
شكل السكان المسلمون من أصول عربية وكردية وتركية الغالبية العظمى من سكان الخليل، إلى جانب اليهود والمسيحيين.
وتسهب الباحثة في تقصّي أوضاع اليهود فيها، وهم يعتبرونها مقدسة، وشهدت ازدياد حضورهم بعد ترحيلهم من الأندلس. وهؤلاء من طائفة السفارديم الشرقية المعتبرين من قدامى مواطني المدينة إلى جانب مسلميها ومسيحييها. أما الأشكناز فهم من اليهود الغربيين الذين هاجروا إلى فلسطين في القرن التاسع عشر. وقد سادت بين اليهود والمكونات الأخرى في المدينة علاقات تجاور ودي ووئام قبل الانتداب البريطاني. وضاقت حارة اليهود الخليلية القديمة بسكانها المهاجرين الجدد، فانتقلت من حارتهم عائلات أقامت على الطرق المؤدية إلى القدس.
 

وأدت انتفاضات الفلسطينيين على سلطات الانتداب البريطاني والاستيطان اليهودي الجديد في فلسطين في 1929 و1936، إلى إجلاء السكان اليهود من مدينة الخليل، بعدما قتل 60 يهوديًا و12 من العرب المسلمين. وقد آوى سكان المدينة نحو 350 عائلة يهودية وحموهم، قبل إقدام البريطانيين على إجلائهم إلى القدس. وكان من نتائج هذه الحوادث: فرض السلطات البريطانية غرامة مالية قاسية على أهالي الخليل قدرها 14 ألف جنيه، فجرّت معاناة ثقيلة على الأهالي بسبب أوضاعهم الاقتصادية الصعبة. ومن ثم جرى إعدام 3 أشخاص من المدينة.
 

أما سكان الخليل النصارى المحدثين فتكونوا في المدينة من أبناء الإرساليات التبشيرية في الحقبة الأخيرة من حكم السلطنة العثمانية. وفي العام 1868 شيدت الكنيسة المسكوفية (نسبة إلى موسكو عاصمة القيصرية الروسية الأرثوذكسية) كنيسة ودير للراهبات على قطعة أرض في الخليل استأجرتها الكنيسة من السلطات العثمانية. وكان للمؤسسات الرهبانية هذه موظفون أقاموا في المدينة بأعداد متواضعة. لكن  السلطات البريطانية أجلت معظمهم، بعدما ألغت الامتيازات التي منحتهم أياها السلطات العثمانية.


لذا كان عدد سكان الخليل من النصارى محدودًا. وبعد إجلاء اليهود من المدينة سنة 1932، عمد البريطانيون إلى إجلاء الجالية النصرانية من الخليل. وقد عاد بعضهم لاحقًا بالتدريج ليعملوا موظفين في المؤسسات التعليمية.

الحرف والخانات والبلدية
يعود تاريخ مدينة الخليل العمراني القديم إلى الحقب الأيوبية والمملوكية والعثمانية. وقد نشأت أحياؤها حول المسجد الإبراهيمي والسوق. وعُرفت بعض حاراتها بأسماء عائلاتها. وفي بداية القرن العشرين توسعت المدينة على جوانب الطرق التي تخرج منها إلى القدس وبيت لحم. ومحلة القزازين (حيث صُناع الزجاج) هي الوحيدة التي سُميت باسم الحرفة الناشطة فيها. وإلى محلة اليهود، هناك محلة الكرد والمشارقة، ويبلغ عدد أحيائها 14 محلة أو حارة. والبيت الخليلي تقليدي الطراز وغالبًا ما تسكنه عائلة موسعة. وتتوسع الباحثة في وصف البيوت وأثاثها ومقتنياتها، ومرافقها المشتركة معتمدة على سجلات المحاكم الشرعية والأوقاف.
 

وأسواق المدينة حرفية وتجارية: هناك إلى القزازين، سوق الإسكافية واللبن والبازار. وعُرِفت الخليل بعدد من الحرف: دباغة الجلود وصناعة الأحذية، إضافة إلى صناعة الزبيب والملبن ودبس العنب، لكن الزجاج ظل أبرز صناعاتها الحرفية في فلسطين كلها. ومن أشهر العائلات التي توارثت هذه الحرفة أو المهنة: التميمي، فراح، نبروخ، والنتشه. وفي العام 1930 افتتح فيها معمل للنسيج، فأدى ذلك إلى ازدهار مهنة الخياطة. ويحوي الكتاب جداول وثائقية بأسماء العائلات الحرفية والتجارية في المدينة.
 

ازدهار الحرف والتجارة في الخليل أدى إلى تكاثر خاناتها: خان الخليل، خان القزازين، خان النتشه، خان شاهين، خان الإستنبولي. وإلى جانب الخانات حمامات مقاهٍ أشهرها مقهى بدران في سوق القزازين. وعرفت حقبة الانتداب البريطانية نشأة مكتبتي المعارف، المسجد الإبراهيمي، ومكتبة آل الدويك. ثم دخلت إلى المدينة السينما الجوالة محمولة على سيارة تجول في الأحياء لعرض أفلامها. وكان هذا النشاط تابعًا لمكتب المطبوعات في القدس. وغالبًا ما كانت عروض السينما الجوالة تنتهي بمأدبة طعام، منها واحدة أقامها رئيس بلدية المدينة سنة 1942، وحضرها أعيان ووجهاء.
 

وتصدر المجلس البلدي المؤسسات المحلية التي نظمتها سلطات الانتداب في المدينة التي غالبًا ما كانت تعيّن مجالس بلدية تناسب سياساتها. وقُدِّرت نفقات بلدية الخليل السنوية بنحو 25 ألف جنيه فلسطينية بين العامين 1930 و1944. وكانت البلدية تدير مسلخًا ونظام الصرف الصحي والتطوير العمراني في المدينة. وكان لها دورها في نشأة خدمات البريد والهاتف والتلغراف التي يديرها موظف بريطاني. ونشأت 3 بنوك في الخليل: بنك أنكلو- فلسطين، بنك الأمة، والبنك العربي. وانتشرت في المدينة مدارس خاصة تعويضًا عن النقص في المدارس الحكومية الموروثة عن السلطنة العثمانية، من دون أن تطورها السلطات البريطانية. وفي العام 1935 كان في الخليل 5 مدارس، عدد طلابها قليل قياسًا إلى عدد سكانها، بينهم 120 طالبة يعلّمهم 22 معلمًا.

 

المساجد والزوايا الصوفية والتكايا
وكان عدد المساجد الخليلية 7 مساجد، أهمها وأشهرها المسجد الإبراهيمي الذي يقع في طرف المدينة الجنوبي، ويحيط به "سور عظيم" يُنسب إلى النبي سليمان. وقد وُصف المسجد في كتاب "الرحلة المحسنية" لمحسن أبي طبيخ في العام 1923، فوثّق فيه مقاسات المسجد وقبور الأنبياء، ومنها قبور إبراهيم وزوجته سارة وأبنائه وزوجاتهم، إسحاق ويعقوب ويوسف. وجرى تطوير المسجد وصيانته وإنارته بالكهرباء في حقبة الانتداب، تحت إشراف المجلس الإسلامي الأعلى. وفي العام 1947 كان عدد الموظفين العاملين في المسجد 42 موظفًا. وكانت تقام فيه حلقات ذكر صوفية بعد صلاة الجمعة. وكانت لبعض العائلات الخليلية حلقات ذكر خاصة بها.


وعندما زار أمير شرق الأردن، الأمير عبدالله بن الحسين، المسجد الإبراهيمي في نهاية الأربعينات، كانت الحاجّة لوليا معتكفة في مقام السيدة سارة. ولما أخرجها الحراس من المقام بالقوة، عادت مصرة على اعتكافها في المقام.
 

ولا يفصل بين المسجد الإبراهيمي ومسجد الجاولي سوى ممر بناه ناظر الحرمين الشريفين الأمير أبو السعيد سنجر الجاولي سنة 1320، فعُرف المسجد باسم عائلته. وإلى هذين المسجدين يوجد في الخليل 4 مساجد أخرى: الأقطاب، القزازين، باب الزاوية، وولي قيطون. وفي المدينة زوايا صوفية ومقامات كثيرة، هي أماكن للعبادات ومدارس للعلوم الدينية. وقد كانت الخليل مقصدًا للعُبّاد والزهّاد طوال حقبة الانتداب البريطاني، فينزلون في زواياها وتكاياها ومقاماتها. وفي كل زاوية صوفية قبر ومقام لشيخ الطريقة. وكان عدد الزوايا والمقامات في المدينة يتجاوز 10 زاوية ومقام. وقد تكون الزاوية القادرية وطريقتها الصوفية هي الأهم والأشهر، وقد أُنيطت خدمتها في أيام الانتداب بعائلتي طهيون والزور، ويقصدها زوار ومريدون من مناطق فلسطينية عدة، فهي تقع قرب المسجد الإبراهيمي.
 

وكانت تشتهر في الخليل "تكية وسماط سيدنا إبراهيم" التي تطورت إلى مؤسسة خيرية للتكافل الاجتماعي. وهي تُنسب إلى النبي إبراهيم الخليل المعروف بـ"أبو الضيفين" لكثرة كرمه وضيافته الوارد ذكرهما في القرآن الكريم. وقد ارتبطت التكية-المؤسسة الواقعة إلى جوار المسجد الإبراهيمي، بتاريخ المدينة التي عُرفت بأنها "المدينة التي لا ينام فيها جائع". وتؤكد الأمثال الشعبية أن الحساء (الشوربا) الذي تقدمه التكية "مباركة"، ليقال إن شوربة الخليل تشفي العليل".
المدن