2026-09-16 03:25 م

الإمارات وإسرائيل تعيدان رسم النفوذ في شمال أفريقيا

2026-09-16

اعتبر تحليل نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن قرار الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات لا يمثل مجرد أزمة دبلوماسية ثنائية، بل يكشف عن إعادة تشكيل أوسع لموازين النفوذ في شمال أفريقيا والساحل، في ظل تقاطع متزايد بين مصالح أبوظبي والرباط وتل أبيب.

والزاوية الأهم في التحليل، من منظور الإمارات، هي أن أبوظبي لم تعد تتحرك فقط كقوة استثمارية أو اقتصادية، بل ضمن شبكة نفوذ إقليمية مترابطة تجمع رأس المال والموانئ والبنية التحتية والعلاقات الأمنية والدفاعية، وهو نموذج ترى الصحيفة أنه يمنحها مرونة أكبر من نموذج النفوذ التقليدي الذي تعتمد عليه الجزائر.

أبوظبي تبني نفوذًا يتجاوز حدودها
يرى التحليل أن الإمارات تعتمد نموذجًا مختلفًا عن الجزائر في ممارسة القوة.

فالجزائر تستند إلى الجغرافيا الواسعة، والموارد الطبيعية، والجيش، والعلاقات الرسمية بين الدول، بينما تستخدم الإمارات رأس المال وشبكات النقل والموانئ والاستثمار والعلاقات الأمنية لتوسيع نفوذها خارج حدودها.

وبحسب «يديعوت أحرونوت»، فإن هذا النموذج يسمح لأبوظبي بتحقيق نفوذ سريع داخل البيئات السياسية الهشة أو المنقسمة، من دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر واسع أو تحالفات رسمية تقليدية.

وهذه النقطة تحديدًا مهمة، لأنها تقدم الإمارات باعتبارها محورًا نشطًا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وليس مجرد طرف دخل في خلاف مع الجزائر.

المغرب هو الحلقة الأهم في الشبكة الإماراتية
يضع التحليل المغرب في قلب الاستراتيجية الإماراتية.

فمنذ فتح الإمارات قنصلية في مدينة العيون عام 2020، ودعمها موقف الرباط بشأن الصحراء الغربية، أصبحت أبوظبي جزءًا من شبكة سياسية واقتصادية وأمنية أوسع ترتبط بالمغرب وإسرائيل.

ويشير التقرير إلى استثمارات إماراتية كبيرة في البنية التحتية والطاقة والمياه بالمغرب، بالتوازي مع توسع التعاون الدفاعي بين الرباط وتل أبيب منذ توقيع اتفاقات التطبيع.

وبذلك لم يعد المغرب، وفق التحليل الإسرائيلي، يواجه الجزائر منفردًا، وإنما أصبح جزءًا من شبكة تربط الرباط وأبوظبي وتل أبيب وواشنطن.

الإمارات وإسرائيل.. مصالح تتداخل دون تحالف رسمي
يحرص التحليل على القول إن هذه الأطراف لا تشكل «تحالفًا عسكريًا رسميًا» ضد الجزائر، لكنه يشير إلى أن كثافة العلاقات الاقتصادية والأمنية والاستخباراتية خلقت واقعًا استراتيجيًا جديدًا.

فمنذ اتفاقات إبراهيم، توسع التعاون بين الإمارات وإسرائيل ليشمل الدفاع والتكنولوجيا والأمن البحري وتبادل المعلومات، بينما شهدت العلاقات المغربية الإسرائيلية قفزة مماثلة.

والنتيجة، وفق الصحيفة، هي نشوء شبكة مصالح تتداخل حول الجزائر من الغرب والجنوب، بينما تبقى الجزائر خارج منظومة التطبيع وترفض الاندماج فيها.

الساحل الأفريقي.. الإمارات تدخل الفراغ
لا يحصر التحليل التنافس في المغرب.

فالجزائر كانت تنظر لعقود إلى منطقة الساحل باعتبارها مجال نفوذ تقليدي لها، وتعتمد بصورة أساسية على الوساطة السياسية والعلاقات الرسمية مع الحكومات.

لكن الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو أضعفت هذا النموذج، وفتحت المجال أمام قوى خارجية أكثر مرونة.

وهنا، بحسب «يديعوت أحرونوت»، دخلت الإمارات عبر الاستثمارات والمشروعات التجارية والقدرات اللوجستية، مستفيدة من بيئة سياسية تبحث عن التمويل والشراكات بعيدًا عن النماذج الدبلوماسية التقليدية.

الموانئ جزء من شبكة النفوذ
يشير التحليل كذلك إلى توسع الإمارات في القرن الأفريقي، خصوصًا عبر الموانئ والطيران والبنية التحتية الأمنية.

ويذكر ميناء بربرة في أرض الصومال باعتباره نموذجًا واضحًا على الطريقة التي تستخدم بها أبوظبي البنية التحتية التجارية لخلق قنوات نفوذ تتجاوز العلاقات الدبلوماسية المعتادة.

وهذا يتقاطع مباشرة مع الاتهامات التي وجهها وزير الخارجية الإريتري مؤخرًا للإمارات بالسعي إلى بناء ما سماه «إمبريالية الموانئ» في أفريقيا.

ليبيا والسودان.. النفوذ عبر القوى المحلية
ويرى التحليل أن الاختلاف بين الجزائر والإمارات يظهر أيضًا في ليبيا والسودان.

فالجزائر تميل إلى دعم المؤسسات الرسمية والتسويات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، بينما تفضّل الإمارات، وفق المقال، بناء علاقات مع القوى العسكرية المحلية القادرة على فرض نفوذ ميداني سريع.

ويشير إلى علاقات أبوظبي بقوات خليفة حفتر في شرق ليبيا، كما يتطرق إلى الاتهامات الدولية الموجهة للإمارات بشأن دعم شبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع في السودان، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

وهذا النموذج يعزز صورة الإمارات كقوة تعتمد على شبكات النفوذ المرنة أكثر من اعتمادها على التحالفات الرسمية التقليدية.

إسرائيل المستفيد الهادئ.. والإمارات بوابة الشبكة
يصل التحليل إلى خلاصة واضحة: إسرائيل لم تكن سببًا في القطيعة بين الجزائر والإمارات، لكنها المستفيد الهادئ منها.

فالقطيعة تعزز واقعًا إقليميًا أصبحت فيه الإمارات والمغرب أكثر ارتباطًا بإسرائيل، بينما تبتعد الجزائر بصورة أكبر عن هذه المنظومة.

ويعتبر الكاتب أن اتفاقات إبراهيم لم تكن مجرد اتفاقات تجارية أو دبلوماسية، وإنما أسست لشبكة تعاون تشمل الاستخبارات والأمن البحري والدفاع الجوي والصناعات العسكرية.

وبهذا المعنى، تلعب الإمارات دورًا محوريًا في توسيع هذه الشبكة داخل شمال أفريقيا والقرن الأفريقي.

التحليل الإسرائيلي يدعو واشنطن إلى الرهان على شبكة الإمارات والمغرب وإسرائيل
الأكثر دلالة أن الكاتب لا يكتفي بوصف المشهد، بل يوجه توصية مباشرة للولايات المتحدة.

فهو يدعو واشنطن إلى إعطاء وزن أكبر للشبكة التي تجمع المغرب والإمارات وإسرائيل باعتبارها إطارًا صاعدًا للأمن الإقليمي والتجارة والتكنولوجيا، مع الحفاظ على علاقة براغماتية مع الجزائر عند الحاجة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتحليل: فهو يكشف كيف ينظر جزء من النخبة الإسرائيلية إلى الإمارات، ليس باعتبارها شريكًا اقتصاديًا فقط، وإنما باعتبارها حلقة مركزية في هندسة إقليمية جديدة تخدم تمدد النفوذ الإسرائيلي في شمال أفريقيا والساحل.

الإمارات تنتقل من لاعب اقتصادي إلى مهندس توازنات
الرسالة التي يحملها تحليل «يديعوت أحرونوت» تتجاوز القطيعة الجزائرية الإماراتية.

فالصحيفة ترى أن أبوظبي نجحت خلال السنوات الماضية في بناء شبكة نفوذ تمتد من المغرب إلى الساحل والقرن الأفريقي، وتستخدم فيها الاستثمارات والموانئ والطاقة والعلاقات العسكرية والأمنية كأدوات متكاملة.

وفي الوقت نفسه، يوضح المقال أن هذا التوسع أصبح أكثر ارتباطًا بالمصالح الإسرائيلية، خصوصًا بعد اتفاقات إبراهيم.

وبذلك فإن الخلاف بين الجزائر والإمارات يكشف، وفق القراءة الإسرائيلية، عن صراع أكبر بين نموذجين: دولة تعتمد على الجغرافيا والمؤسسات والسيادة التقليدية، وقوة شبكية تعتمد على رأس المال والموانئ والعلاقات الأمنية والتحالفات المرنة.

وفي هذا الصراع، ترى «يديعوت أحرونوت» أن الإمارات وإسرائيل والمغرب يتحركون داخل مساحة استراتيجية واحدة متزايدة التشابك، فيما تجد الجزائر نفسها تحت ضغط متصاعد من شبكة نفوذ جديدة تتشكل حولها.