2026-09-15 06:54 م

اسرائيل و "تفكيك" الوجود الجماعي الفلسطيني في الضفة الغربية

2026-09-15

يوضح تقرير جديد صادر عن منظمة بتسيلم (مركز المعلومات الإسرائيليّ لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة)، كيف تنفّذ دولة الاحتلال الإسرائيلي مشروعَ محو في الضفة الغربية المحتلة، من خلال "خمس آليات تعزّز إحداها الأخرى"، تعمل بشكل متزامن، "بغية تفكيك الوجود الجماعي الفلسطيني في الضفة وإعادة تنظيم الحيّز بواسطة العنف، وذلك بهدف ترسيخ وجود وسيادة يهوديّين- إسرائيليّين دائمين ومتواصلين فيه". 

ومن المعطيات اللافتة في التقرير، الذي يحمل عنوان: "مشروع المَحْو"، قتل الاحتلال الإسرائيلي 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245  طفلاً، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى 31 أغسطس/ آب 2026، فضلاً عن تهجيره نحو 75 تجمّعاً سكانياً فلسطينياً، 64 من هذه التجمّعات بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، واستيلاء البؤر والمزارع الاستيطانية على 1,07 مليون دونم.

وقال كريم جبران، مدير البحث الميداني في منظمة بتسيلم لـ"العربي الجديد": "حتى وإن كانت منظومة المحو ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخماً في السنوات الأخيرة، وباتت أكثر وضوحاً وعنفاً وقتلاً".

ويُبيّن التقرير "الأكثر شمولية" الصادر عن المنظّمة حتى الآن، حول السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، أنّه منذ نهاية العام 2022، وخصوصاً منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، "بدأت مرحلة جديدة في السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية"، إذ "صعّدت إسرائيل بشكل متطرف سياسةً ممتدة منذ سنوات طويلة تقوم على السيطرة والعنف والسلب، وأخذت تطبّقها بصورة علنية واضحة، أكثر عنفاً وأسرع وتيرةً. كما تجري مأسسة هذه الخطوات بدرجة متزايدة، في إطار السياسة الحكومية وممارساتها".

الآليات الخمس وطُرق تنفيذها
ويحدّد التقرير خمس آليات مترابطة ومتزامنة، تدفع دولة الاحتلال بواسطتها مشروع المحو قدماً في أنحاء الضفة الغربية، إحداها آلية "العنف وبثّ الرعب"، والتي تستخدم من خلالها "قوات الجيش وميليشيات المستوطنين المسلّحة لبث الرعب وفرض العنف والإكراه". وعليه منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى 31  أغسطس 2026، "قتلت 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245  طفلاً".

الآلية الثانية، وفقاً للتقرير، هي "التطهير العرقي والاستيلاء على الحيّز"، بحيث "تستخدم إسرائيل العمليات العسكرية وهدم المنازل وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة، بغية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الوجود اليهودي في هذه المناطق. وحتى اليوم، هجّرت إسرائيل 75 تجمّعًا فلسطينيًا واستولت البؤر والمزارع الاستيطانية على 1.07 مليون دونم، أي ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية. كما هجّرت إسرائيل قسراً نحو 33,000 فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية".

ويعتبر "تقييد الحركة والتنقّل"، آلية ثالثة، بحيث "تجزّئ إسرائيل الحيّز الفلسطيني بواسطة الحواجز والبوابات وسدّ الطرق. وحتى نهاية العام 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) نحو 925 عائقاً للحركة في أنحاء الضفة الغربية".

ومن خلال آلية "الخنق الاقتصادي"، للضفة الغربية، "تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها". وأدى ذلك إلى "ارتفاع نسبة البطالة من 13,1% في عام 2022 إلى أكثر من 31% عام 2024 ، في ظل الإلغاء الجماعي لتصاريح العمل في إسرائيل واحتجاز مبالغ متزايدة من أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية".

وبواسطة آلية "التدمير الاجتماعي والسياسي"، التي أشار إليها التقرير،  "تجرّم إسرائيل محاولات التنظُّم السياسي وتقتحم مكاتب منظمات المجتمع المدني وتحظر نشاطها، وتقمع الاحتجاجات وتعتقل الناشطين والطلاب والصحافيين. ومنذ أكتوبر 2023، اعتقلت ما لا يقل عن 60 صحافيًا فلسطينيًا من الضفة الغربية".

"خطة الحسم"
في سياق إشارة منظمة بتسيلم إلى الإطار السياسي، لكل ما يحدث، يحدد التقرير "خطة الحسم" التي وضعها الوزير بتسلئيل سموتريتش عام 2017 بوصفها وثيقة أساسية لفهم التصعيد الراهن.

وبحسب التقرير، تسعى الاستراتيجية الواردة فيها، المسماة "الحسم بواسطة الاستيطان"، إلى "جعل السيادة اليهودية أمراً لا رجعة فيه، من خلال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين، بحيث لا يتبقى أمام الفلسطينيين سوى ثلاثة خيارات: الخضوع أمام الفوقية اليهودية أو الرحيل أو مواجهة القمع العسكري. ورغم أن الخطة لم تُعتمد رسمياً قطّ بوصفها سياسة حكومية، إلا أن سموتريتش يتولّى اليوم صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والأراضي وإنفاذ القانون في الضفة الغربية. وتتجلّى بعض المبادئ المركزية في المنطق الذي تقوم عليه الخطة في سياسات الدولة وممارساتها، بصورة متزايدة باستمرار".

مشروع ممتد منذ عقود
بدأ مشروع المحو، وفقاً للتقرير، قبل سنوات عديدة من خطة سموتريتش من العام 2017 ومن تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها. وترى بتسيلم أن "الهجوم الإسرائيلي الراهن على حياة الفلسطينيين هو جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد، يُنفَّذ بواسطة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وفي قطاع غزة، تجسّد هذا المنطق في أشدّ صوره تطرفاً، في الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل. أما في الضفة الغربية، فقد سرّعت الحكومة الحالية تنفيذ المشروع وجعلت آلياته أكثر وضوحاً".

المسؤولية الدولية
إلى ذلك، دعت "بتسيلم"، في حديثها عن المسؤولية الدولية، الحكومات والمؤسسات الدولية، إلى "التوقّف عن التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بوصفها أحداثاً منفصلة، ثم التوقّف عن إتاحة المجال لها وتمكينها من مواصلة جرائمها، وحماية الفلسطينيين والعمل على إنهاء نظام الأبارتهايد والحكم العسكري الإسرائيليين".

وأضافت أن "المستقبل العادل يستوجب نظاماً سياسياً يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لجميع البشر الذين يعيشون في الحيّز الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع الإحقاق الكامل للحقوق الفردية والجماعية وضمان المشاركة السياسية المتساوية".

كريم جبران لـ "العربي الجديد": المعطيات صادمة والمنظمة قديمة
كريم جبران، مدير البحث الميداني في منظمة بتسيلم، علّق على التقرير في حديث لـ "العربي الجديد" قائلاً، إنّ "مشروع المحو الإسرائيلي، قائم على مدى سنوات طويلة، ولكن الوقائع اليوم، أكثر تركيزاً وعنفاً ووضوحاً. ومنذ عام 1948، قام المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي على منهجية المحو للكل الفلسطيني، ومحو الوجود الفلسطيني بوصفه وجوداً جمعياً على الأرض، لكن بالتأكيد خلال السنوات الثلاث الأخيرة المعطيات صادمة جداً".

واعتبر جبران أنّ "الجديد في التقرير هو ربط كل عناصر الضغط وعناصر وآليات المحو بعضها ببعض، وتحليلها، بما في ذلك تنفيذها على الأرض. نتكلّم عن الترهيب والعنف، وتسجيل ضحايا بشكل يومي، عمليات استهداف واقتحامات وترويع للمدنيين الفلسطينيين. أيضاً التطهير العرقي، ومن أشكاله تهجير نحو 75 تجمعاً سكانياً فلسطينياً، نحو 64 منها بعد السابع من أكتوبر. نتحدث عن استهداف اقتصادي، ومصادرة الموارد والأراضي الزراعية للمواطنين الفلسطينيين، وضرب مشروع تربية الحيوانات والثروة الحيوانية، وحجز أموال المقاصة، وتأثير ذلك على المجتمع الفلسطيني".

وأردف: "هذا تدمير اقتصادي ممنهج. ونلاحظ جلياً تقييد حرية حركة الفلسطينيين، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، ووجود أكثر من 925 عائقاً أمام الحركة في داخل الحيز الفلسطيني. نتحدّث أيضاً عن المحو الاجتماعي والسياسي للفلسطينيين، من خلال استهداف أي تنظيم سياسي فلسطيني، وأي مؤسسة فلسطينية تحاول تكريس الوجود الجمعي الفلسطيني. وهناك هجمة على حرية التعبير والرأي عند الفلسطينيين. كل هذه الأمور وغيرها مترابطة، وتشير إلى منظومة واحدة كبيرة، بإستراتيجية واحدة، لتكريس المحو الجمعي الفلسطيني. من ناحية تمكين الوجود الاستيطاني اليهودي على الأرض بشكل مترابط، وقوي، وبالمقابل إضعاف الوجود الفلسطيني وتشتيته وشرذمته لجزر منعزلة عن بعضها البعض وتدميره. وهذا يقوض أي مطالبة بتقرير المصير، والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني".

مهم وضع العالم أمام مسؤولياته
في رده على سؤال بشأن بقاء المجتمع الدولية متفرجاً، على عملية المحو، دون محاولات ملموسة لتغيير شيء من الواقع، قال جبران: "الوضع من سيئ إلى أسوأ، لا نتوقّع تغيير هذه المنظومة غداً، ولكن مهم جداً تسمية الأمور بمسمّياتها، ووضع اليد على المنظومة القائمة، وما ترمي إليه، ووضع العالم أمام مسؤولياته، بشأن الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني وبشأن القانون الدولي ومحاسبة المجرمين ضد الإنسانية على جرائمهم. مهم العمل على محاسبة منظومة الأبرتهااد هذه على جرائمها، وانهاء التفوّق العرقي اليهودي، وإرساء قواعد أخرى داخل المنطقة، مع حقوق متساوية. كل هذا مع التأكيد مجدداً أن هذه المنظومة قديمة، لكنها تعمل اليوم بشكل أكثر عنفاً، ووضوحاً، ويجب على العالم ألا يدّعي أنه لم يعرف، ولم ير ما يحصل على الأرض ولم يعرف طبيعة هذا المشروع وطبيعة المنظومة".

"مشروع سياسي يتغلغل في جميع مناحي الحياة"
من جانبها، تقول المديرة العامة لـ"بتسيلم"، يولي نوفاك، حول التقرير، إنّ "ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة"، بحيث "يجري تهجير التجمّعات، ويُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار، ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. وتعمل هذه الآليات معاً لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية". وتشير إلى أن "العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع".

وأردفت: "يظل الفلسطينيون عرضة لعنف آخذ في التصاعد، بينما تمضي إسرائيل قدماً في مشروع المحو الذي تنفّذه في الضفة الغربية. لا يمكن للحكومات أن تدين هذه الجرائم، وفي الوقت نفسه تمنح إسرائيل حصانة تتيح لها مواصلة ارتكابها. ويتعين عليها، بالتعاون مع المؤسسات الدولية، استخدام جميع الوسائل المتاحة لها بموجب القانون الدولي، من أجل وقف جرائم إسرائيل وتعطيل منظومة العنف والهدم التي تفكك الحياة الفلسطينية".

العربي الجديد