2026-08-29 06:53 م

دحلان: المطلوب مراجعة شاملة للتجربة السياسية الفلسطينية

2026-08-29

دعا القيادي الفلسطيني ورئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، محمد دحلان، إلى إجراء مراجعة وطنية شاملة للتجربة السياسية الفلسطينية، وإقرار عقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة والانتخابات وسيادة القانون وإنهاء الانقسام.

وفي رسالة إلى قيادات وكوادر وأعضاء التيار، قال دحلان: «تستدعي المسؤولية الوطنية والأخلاقية، بعد كل ما مر به شعبنا من فقدان وألم ودمار، وما أصاب مشروعنا الوطني من انقسام وتراجع، ألا نتعامل مع ما جرى وكأنه محطة عابرة، أو أن نذهب إلى المستقبل بالأفكار والأدوات التي قادتنا إلى هذا الواقع. فالكارثة التي أصابت غزة، وما تواجهه الضفة والقدس من أخطار، وما لحق بمؤسساتنا الوطنية من انهيار وضعف وتفكك، يفرض علينا مراجعة صادقة وشجاعة، لا لمحاكمة الماضي أو تصفية الحسابات، بل لفهم ما حدث، واستخلاص دروسه، ومنع تكراره».


وأضاف دحلان: «لم يعد السؤال الأهم: من كان على حق ومن أخطأ؟ بل كيف نحمي شعبنا وقضيتنا، وننقذ أهلنا في غزة، ونصون أرضنا وشعبنا في الضفة والقدس؟ وأي نظام سياسي نريد أن نبنيه للأجيال القادمة؟ فالشعوب لا تتجاوز كوارثها بإنكارها، بل حين تتمكن من تحويل الألم إلى درس، والتجربة إلى وعي، والوعي إلى تغيير».

«المشكلة في النظام لا في التعددية»
وأشار القيادي الفلسطيني إلى أن تيار الإصلاح الديمقراطي ينظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة لبناء نظام سياسي يقوم على الشراكة، ويحفظ الهوية الوطنية، ويحمي المواطن وكرامته، ويعيد للشعب حقه في اختيار قيادته ومحاسبتها.

وتابع: «هذه ليست رؤية فرضتها الظروف الحالية، فمنذ الانتخابات الفلسطينية الأولى عام 1996، كنت مؤمنًا بأن النظام السياسي الفلسطيني لا يستقيم بإقصاء القوى الأخرى، وأن الاختلاف يجب أن يُدار داخل المؤسسات، لا في الشارع أو باستخدام السلاح».

وأكد أن التجربة أثبتت أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود حركة فتح أو حماس أو باقي التنظيمات، بل في غياب نظام قادر على إدارة هذا التعدد وفق قواعد موحدة تحكم الجميع، مضيفًا: «عندما تصبح التنظيمات أقوى من المؤسسات، وتُقدَّم المصلحة الفصائلية على المصلحة الوطنية، يتحول الاختلاف إلى صراع، والصراع إلى انقسام، وهذا ما دفع شعبنا ثمنه طوال السنوات الماضية».

«المراجعة بمسؤولية.. لا بإنكار»
ورأى أن المرحلة الجديدة تبدأ بالاعتراف بما حدث، مؤكدًا أن «الاعتراف بالمسؤولية الوطنية لا يعني أن الأخطاء كانت واحدة أو أن المسؤوليات متساوية. فهناك من أخطأ في التقدير السياسي، ومن أخفق في إدارة المؤسسات، ومن مارس الإقصاء، ومن استخدم السلطة والمال العام في الخصومة، ومن لجأ إلى القوة والسلاح، ومن فشل في منع الانقسام، ومن أسهم في إطالة أمده أو أغلق أبواب المصالحة».

وأكد دحلان: «لذلك لا نريد مصالحة تطمس الحقيقة، ولا وحدة تقوم على النسيان، ولا رواية يبرئ فيها كل طرف نفسه ويلقي بالكارثة على الآخرين. فقد كان الاقتتال الداخلي جريمة وطنية، ومن أهم ما يجب أن نتعلمه من تجربتنا أن الدم الفلسطيني محرّم في الصراع السياسي، وأن السلاح لا يحدد من يحكم، وأن القوة لا تمنح الشرعية. ويتوجب علينا أن نراجع تجربتنا بشجاعة، ونعترف بما أخطأنا فيه، ونتعلم منه».

وشدد القيادي الفلسطيني على أن «الهدف ليس إثبات من كان أكثر صوابًا، بل ضمان ألا يدفع شعبنا مرة أخرى ثمن أخطائنا».

من صراع السلطة إلى شراكة الوطن
واستطرد دحلان: «قد نختلف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة، وقد تكون بيننا خلافات عميقة، لكن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق إلغاء الآخر. نريد أن تنتقل علاقتنا جميعًا من محاولة إضعاف الآخر إلى التنافس أمام الشعب، ومن الصراع على السلطة إلى الشراكة في حماية الوطن».

وتابع: «القاعدة التي يجب أن تحكم الجميع بسيطة: لا غالب ولا مغلوب في الوطن، ولا سلطة تُكتسب أو تُحمى بالسلاح، ولا شرعية فوق إرادة الشعب. والشراكة التي ندعو إليها لا تعني العودة إلى المحاصصة الفصائلية، فالشعب الفلسطيني أكبر من مجموع فصائله».

«حكم الفصائل ودولة المواطنين»
وأكد دحلان أن «الإصلاح الديمقراطي» لا يدعو إلى إلغاء الفصائل، بل إلى تغيير علاقتها بالدولة، قائلًا: «لا يدعو تيارنا إلى إلغاء الفصائل أو هوياتها أو تاريخها، ومن حق كل قوة أن تحتفظ ببرنامجها وأن تتنافس على ثقة الناس، لكن ما يجب أن يتغير هو علاقتها بالدولة. فالفصيل يستطيع أن يفوز بالحكم، لكنه لا يملك الدولة. فالدولة لا تصبح ملكًا للحزب إذا فاز، والأمن والقضاء والإدارة والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات للمواطنين، لا أدوات لتنظيم أو حزب. والسلطة ليست ملكية دائمة لأحد، بل تفويض مؤقت يمنحه الشعب عبر الانتخابات، ويستطيع استرداده بالطريقة ذاتها».


وشدد قائلًا: «ما نريده ليس انتقال الهيمنة من طرف إلى آخر، ولا إعادة توزيع مؤسسات الدولة كحصص بين الفصائل، بل الانتقال من المحاصصة إلى دولة المواطنة والمؤسسات والقانون».

عقد وطني اجتماعي جديد
وأوضح دحلان أن هناك حاجة إلى عقد وطني اجتماعي جديد يحدد قواعد الحياة السياسية، قائلًا: «لا تكفي مصالحة جديدة بين الفصائل إذا بقي النظام الذي أنتج الانقسام على حاله، لذا فإننا بحاجة إلى عقد وطني اجتماعي جديد يحدد قواعد الحياة السياسية، ويضع حدودًا لا يستطيع فرد أو فصيل أو سلطة تجاوزها».

وذكر المبادئ التالية:

الشعب هو مصدر الشرعية والسلطات.
الانتخابات الحرة والدورية هي الطريق إلى تداول السلطة.
تُحترم نتائج الانتخابات، ولا يجوز الانقلاب عليها أو تعطيلها.
القانون والمؤسسات فوق الأفراد والتنظيمات.
لا احتكار للسلطة أو التمثيل أو القرار الوطني.
استخدام السلاح والقوة في الصراعات الداخلية محرّم وطنيًا.
يخضع السلاح والقوة المنظمة للسلطة الشرعية والقانون.
لا قرار بالحرب أو السلم إلا عبر مرجعية وطنية شرعية وجامعة.
الأجهزة الأمنية والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات وطنية، لا أدوات حزبية.
الحقوق والحريات وكرامة المواطن مصونة للجميع.
المجتمع، بكل مكوناته، شريك في صناعة القرار.
يُحسم الخلاف بالحوار والقانون وصندوق الاقتراع.
المسؤولية والمحاسبة تسريان على الجميع بلا استثناء.
وأكد أن هذه المبادئ يجب ألا تبقى مجرد شعارات، بل أن تتحول إلى قواعد دستورية وقانونية ومؤسساتية تحمي النظام السياسي من العودة إلى أخطاء الماضي.

«مسؤوليتنا»
وأضاف القيادي الفلسطيني: «لا يطرح تيار الإصلاح الديمقراطي هذه الرؤية بحثًا عن موقع في النظام القديم، ولا لكي نستبدل طرفًا بآخر. نحن نريد حركة فتح قوية وموحدة وديمقراطية، ونريد أن تكون جميع القوى الفلسطينية شريكة في الحياة السياسية، كما نريد للمستقلين ومؤسسات المجتمع والكفاءات أن يكونوا شركاء في القرار».

وتابع: «هدفنا ليس أن يحل طرف محل آخر، بل أن يتغير النظام الذي سمح لأي طرف باحتكار السلطة أو إقصاء الآخرين. لقد دفع شعبنا من الدم والدمار والانقسام ما يكفي، ولم يعد من حق أي منا أن يورث الأجيال القادمة صراعاته القديمة، ثم يقف أمام التاريخ مدافعًا عن مبرراته».


وأكد دحلان: «مسؤوليتنا تقتضي أن ننظر بعين الشراكة الكاملة مع أهم مكونين في مجتمعنا الفلسطيني: المرأة والشباب. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي شريك يمكن الاعتماد عليه دائمًا في أداء أعظم الأدوار. كما أن تمكينها مجتمعيًا ووطنيًا وسياسيًا يسهم في تسريع عجلة التنمية وضمان استقرار المجتمع. وكما كانت دائمًا على استعداد للتضحية، فإن الضرورة تقتضي أن يكون موقعها في صناعة القرار بالنسبة ذاتها التي تمثلها في المجتمع».

واستطرد: «أما الشباب، فليس من حق أي فئة عمرية أن تدّعي تمثيلهم من دون إرادة منهم. فالشباب اليوم هم جيل التحولات الرقمية والتكنولوجية الكبرى، وهم الأقدر على تحديد احتياجاتهم وترتيب أولوياتهم واقتراح دورهم في البناء الوطني. ومسؤوليتنا تقتضي أن نأخذ بأيديهم عبر التربية والتعليم والتدريب والتمكين، حتى يكونوا على جاهزية لتسلّم الدفة والانتقال بثقة واقتدار نحو المستقبل».

واختتم دحلان رسالته: «مسؤوليتنا اليوم أن نفتح طريقًا مختلفًا يجعل الاختلاف حقًا لا تهديدًا، والتعددية قوة لا سببًا للانقسام، والانتخابات وسيلة لتداول السلطة، والمؤسسات أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من الجميع.. عشتم وعاشت فلسطين حرة.. ومعًا نبني وطننا ومستقبلنا».

المصدر: الغد