2026-08-29 01:59 م

اسرائيل تسابق الزمن للسيطرة على المناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية

2026-08-29

في الوقت الذي تحاول فيه حكومة الاحتلال الإسرائيلي التنصل من إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وأحياناً من مسؤوليتها عن إقامة بعض البؤر الاستيطانية، وتحميل "قلة قليلة" منهم وزر ذلك، تؤكد الوقائع على الأرض، إضافة إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين ومواقفهم وسلوكاتهم، عكس ذلك. ولا يتوقف الأمر عند ممارسات البلطجة والإرهاب، التي كثيراً ما يشارك فيها جنود وحتى أعضاء في الكنيست، ولا عند مخططات الاستيطان الحكومية الرسمية والمعلنة، بل يمتد إلى سعي المستوطنين، بدعم من الحكومة، إلى إنشاء المزيد من البؤر الاستيطانية في أرجاء الضفة، وترسيخ وجودهم في المناطق المصنفة "ب" بحسب اتفاقية أوسلو ، حيث تشير المعطيات إلى إقامة عشرات البؤر هناك، علماً أن تلك المناطق يفترض أن تكون تابعة للسلطة الفلسطينية من حيث السيطرة المدنية.
تتضح تفاصيل أكثر، حول الموضوع، في تقرير نشرته صحيفة هآرتس العبرية، اليوم الخميس، ذكرت فيه أنّ إسرائيل الرسمية، تنسب أحداث العنف في بلدة قُصرة جنوبي نابلس شمالي الضفة الغربية ومناطق أخرى إلى مجموعة صغيرة من المستوطنين المتطرفين، لكن إقامة ما لا يقل عن 30 بؤرة استيطانية خلال العامين والنصف عام الأخيرين في مناطق خاضعة لصلاحيات السلطة الفلسطينية، معظمها في المناطق "ب"، تشير إلى ظاهرة منظمة ومدروسة، تحظى بدعم كبير من نواب يمينيين في الكنيست الإسرائيلي، فيما يشكّل تقاعس قوات الاحتلال جزءاً بنيوياً منها. 
وأشارت التفاصيل، التي نشرتها الصحيفة، إلى بؤرة واحدة على الأقل جرى الاستيطان فيها في منطقة "أ"، فيما أُنشئت كل البؤر، في مواقع استراتيجية، لأهداف؛ منها إحباط البناء الفلسطيني ومنع حركة الفلسطينيين في المنطقة. وعلى الرغم من المشهد الذي تحاول إسرائيل عرضه، يحدث كل هذا بتعاون من جيش الاحتلال وبدعم كامل من أعضاء الكنيست. ولفت التقرير العبري، إلى أنّه بعد شهر من حل الكنيست، وفي وقت يكاد فيه التطهير العرقي في المناطق "ج" يكتمل، يمضي المستوطنون ووكلاؤهم في الحكومة بحماس لتنفيذ المرحلة التالية من الخطة، وهي توسيع عملية تجريد الفلسطينيين من أراضيهم داخل مناطق السلطة الفلسطينية، علماً أن المناطق "أ" و"ب"، تشكّل نحو 40% من مساحة الضفة الغربية، ومنذ عام 2024 لم تقم فيها بؤر استيطانية. ومنذ اتفاقيات أوسلو، كانت محاولات توسيع بؤر من حدود المناطق "ج" إلى داخل المناطق "ب" تحبط بأمر من الإدارة المدنية، لكن كل ذلك تغيّر في ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الحالية.

42 بؤرة جديدة في الضفة
في البداية أقيمت بؤر استيطانية في مناطق مصنفة "ب" على خط التماس مع مناطق مصنفة "ج"، ثم أخذت تتوغّل أكثر فأكثر داخل المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية. وفي صيف 2025 رصدت منظمات بحثية نحو عشر بؤر استيطانية في مناطق خاضعة لصلاحيات السلطة، معظمها في منطقة المحمية الطبيعية، المتفق في إطار اتفاقيات "واي ريفر"، على عدم البناء بها. إلى جانب ذلك، صادرت إسرائيل صلاحيات التخطيط وإنفاذ قوانين البناء من السلطة داخل المحمية، وفي هذا العام نُقلت إلى الإدارة المدنية أيضاً صلاحيات الإنفاذ في المناطق "أ" و"ب"، في ما يتعلق بقضايا مرتبطة بالبيئة والآثار والمياه.

وقبل هذه الطفرة، كانت مثل هذه البؤر تعتبر متطرّفة ومنبوذة، حتى وفق المفهوم الإسرائيلي، لكن ازدياد عددها بسرعة في ظل تجاهل الاحتلال للقوانين التي يجب أن تمنعها، إلى جانب جولات الدعم المتكررة من أعضاء في الائتلاف الحكومي، جعلها أمراً معتاداً. في بيان وزعه على الإعلام، في يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنّ 42 بؤرة استيطانية، زعم أنها أقيمت من "دون موافقة المستوى السياسي"، مسؤولة عن نحو 90% من "الجريمة القومية" في الضفة، في إشارة إلى إرهاب المستوطنين. ووفق تقرير منظمة "ييش دين" الحقوقية، والذي نشر في وقت سابق هذا العام، فإن معظم هذه الاعتداءات حدثت في المناطق "أ" و"ب".

وفي إبريل/ نيسان الماضي، ذكرت تقارير، أن ضغوطاً أميركية بسبب موجة الإرهاب اليهودي في الضفة، دفعت المجلس الوزاري الإسرائيلي (الكابنيت)، إلى اتخاذ قرار بتشديد تطبيق القانون ضد البؤر الاستيطانية في المناطق "ب". وبحسب "هآرتس"، عززت دولة الاحتلال عمليات إخلاء العرائش، لكن حياة المستوطنين هناك استمرت كالمعتاد. وإلى جانب البؤر في المناطق "ب"، أقيمت في العام الماضي بؤرة استيطانية جنوب قرية سنجل، القريبة من رام الله وسط الضفة الغربية، وهي الوحيدة المعروفة حتى الآن في المنطقة "أ"، حيث تقع الصلاحيات الأمنية والمدنية بيد السلطة الفلسطينية.

خطوات عملية وتصريحات واضحة
تقام البؤر الاستيطانية في المناطق الخاضعة لصلاحيات السلطة الفلسطينية، على طول محاور الطرق، وعلى قمم الجبال، أو قرب بناء فلسطيني جديد. وبخلاف الادّعاء الإسرائيلي الرسمي، بأنّ هذه البؤر تقام من دون موافقة أو تنسيق، أشارت الصحيفة العبرية، إلى أنّ الأمر ليس عشوائياً، وأن المستوى السياسي على علم كامل بما يجري. وتستعرض بعض الوقائع، منها مؤتمر سابق، نظمه منتدى "حوزريم هبايتا" (نعود إلى الديار) في الكنيست، وبمشاركة أعضاء في الحكومة، تحت عنوان "السيطرة على المناطق المفتوحة"، ودعا إلى إقامة مئة بؤرة استيطانية إضافية في المناطق "أ" و"ب".

وخاطب رئيس لجنة الأمن القومي، تسفيكا فوغل، المشاركين، حينها، قائلاً إنه "في أي مكان تذهبون وتحتاجون إليّ، سأكون هناك معكم. هذه هي الطريقة الصحيحة لفعل ذلك (السيطرة على المناطق الخاضعة لصلاحيات السلطة)، ليس عبر التشريعات ولا عبر الكلام هنا، بل عبر الأفعال. لا تتوقفوا ولا تسمحوا للآخرين بإيقافكم".

ورغم عدم نشر مواقع البؤر الاستيطانية المستقبلية، لكنها وفقاً لأعضاء المنتدى، "اختيرت بعناية" على مدى أشهر، استناداً إلى تحليل جغرافي أعدّوه، وبحسب ادّعائهم فإن 60% من المناطق "أ" و"ب"، أي نحو 1.2 مليون دونم، هي مناطق مفتوحة غير مبنية، ما يعني بالنسبة لهم أنها متاحة للاستيطان. وعلى سبيل المثال، يعرَّف في الخريطة التي نشرها المنتدى أيضاً قمة الجبل في قُصرة منطقةً مناسبةً لإقامة بؤرة جديدة.

من جانبه، عرض عضو الكنيست أفيحاي بوآرون، من حزب الليكود، خلال المؤتمر، عمق الدعم للفكرة. فعلى خلفية صور أقمار صناعية تظهر بنى تحتية لبناء فلسطيني سكني في المنطقة "ب"، ادّعى بوآرون أن هذا هو "بناء سياسي" يهدف إلى السيطرة على مساحة استراتيجية، وليس نتيجة نمو طبيعي للسكان الفلسطينيين. وزعم ممثل الحكومة، التي صادقت على إقامة 104 مستوطنات جديدة ودعم مئات البؤر الاستيطانية، أن السيطرة على الأرض تكون بهذا الشكل، مضيفاً: "سلاسل جبلية كاملة يسيطرون عليها عبر طرق أسفلتية، ثم بيت آخر وبيت آخر. بهذه الطريقة يفرضون سيطرتهم على مساحات واسعة جداً من الأراضي المفتوحة خارج القرى". وأشار بوآرون، إلى الاستيطان، بما في ذلك مزارع الاستيطان الرعوي، هما الأداة المناسبة لمنع الفلسطينيين من التوسّع في المنطقة.

العربي الجديد