2026-08-24 11:02 م

ماذا تعرف عن مخطط "E1" الاستيطاني؟

2026-08-24

عاد مخطط "إي 1 - E1" الاستيطاني إلى الواجهة من جديد، مع استعداد حكومة الاحتلال لاستئناف البناء بطرح مخططات جديدة، واتهامات دولية وحقوقية لـ"إسرائيل" بالنكوص عن تعهدات كانت قد أطلقتها بتجميد البناء في هذا المشروع الذي يجهض حلم إقامة الدولة الفلسطينية.

والمشروع مخطط إسرائيلي يمتد شرق القدس ويهدف إلى ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بقلب المدينة المحتلة عبر مصادرة الأراضي الفلسطينية، وخلق تواصل عمراني إسرائيلي، مقابل تقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني.
مر "إي 1" بمراحل متعددة من التخطيط والتجميد وصولاً إلى الإقرار، وظهرت فكرته في التسعينيات كجزء من استراتيجية "إسرائيل" لتوسيع نفوذها شرق القدس وربط التجمعات الاستيطانية الكبرى.
ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ظلّ المشروع يشكّل أحد أخطر أدوات الهندسة الجيوسياسية التي تسعى "إسرائيل" عبرها إلى إعادة رسم ملامح الضفة الغربية والقدس بما يخدم مشروعها طويل الأمد.

وجرى وضع المخطط لأول مرة بين عامي 1991 و1994 في عهد إسحق رابين كامتداد عمراني وظيفي لمستوطنة "معاليه أدوميم" وربطها بالقدس، وسرعان ما تطور إلى استراتيجية متكاملة عكست جوهر المشروع الاستيطاني الإسرائيلي القائم على تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى "كانتونات" معزولة.

وفي الفترة ما بين 1997 و1999 حصلت المصادقات الأمنية والحكومية على الخرائط الهيكلية، وأُعلنت آلاف الدونمات المحيطة "أراضي دولة"، ما شكّل "الأساس القانوني" الإسرائيلي للتوسع لاحقاً. ثم شهدت السنوات ما بين 2009 و2012 تجميداً مؤقتاً بفعل الضغوط الدولية، قبل أن يُعاد تفعيله كردّ على خطوة رفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، حيث طُرحت مناقصات للتصميم ثم جُمّد التنفيذ من جديد.

أما في الفترة ما بين 2014 و2020 فشهدت أعمال بنية تحتية هادئة أعادت إحياء المخطط، خصوصاً مع الدفع السياسي الذي وفرته "صفقة القرن"، وحديث رسمي عن بناء 3500 وحدة استيطانية في المنطقة.

وعلى مدى العقدين الماضيين، تعرض المخطط لتجميد دوري بسبب الضغوط الدولية الشديدة التي أدركت خطورته على الأفق السياسي، فتنفيذ "إي 1" كان يُنظر إليه دولياً على أنه خط أحمر لأنه ينهي أي أمل واقعي لحل الدولتين.

في محاولة لتخفيف حدة الانتقادات الدولية، عرضت الحكومة الإسرائيلية في عام 2008، تحت قيادة رئيس الوزراء آنذاك إيهود أولمرت، خطة لبناء طريق بديل لربط مدينتي بيت لحم ورام الله، للسماح بحركة الفلسطينيين حول "معاليه أدوميم"، إلا أن الجانب الفلسطيني رفض هذا الاقتراح، حيث اعتبر قبوله بمثابة شرعنة للتقطيع الجغرافي الذي يفرضه المخطط والاستيطان، كما أن الهدف الإسرائيلي من الطريق الالتفافي كان فصل حركة الفلسطينيين عن المستوطنين.

وأخيراً، في الفترة ما بين تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2025، دخل المشروع منعطفاً حاسماً حين رفضت لجنة الاعتراضات جميع الطعون المقدمة مكتفية بتوصيات شكلية، ليعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بدء التنفيذ العملي، في خطوة تمثل المسمار الأخطر أمام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

وأكد تقرير "وفا" أن مشروع "إي 1" بهذا التسلسل ليس مجرد خطة عمرانية، بل هو مخطط استراتيجي بنيوي للتغيير الديموغرافي والسياسي يهدد الوجود الفلسطيني برمته، ويحوّل القدس إلى مركز استيطان مغلق، معزول عن امتداداته الفلسطينية، في تحدٍّ صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

إحياء المخطط
شهد عام 2025 تحولاً في مسار المخطط، حيث تم إحياؤه والمضي قدماً به بشكل غير مسبوق، متجاوزاً الضغوط الدولية، وتم عقد جلسات استماع للموافقة النهائية على المخططات التفصيلية، وبلغت وتيرة التصديقات أوجها في آب/ أغسطس 2025، حيث تمت الموافقة النهائية على خطط بناء ما مجموعه 3401 وحدة استيطانية جديدة.

والأمر الذي أثار قلقاً بالغاً هو الانتقال من التبرير السكني إلى التصريح بالهدف الجيوسياسي الصريح، فقد أكد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، أن هدف الموافقة على البناء هو "دفن حل الدولتين"، مضيفاً أن الدولة الفلسطينية تُمحى من على الطاولة ليس بالشعارات بل بالأفعال، وأن "هذه الأرض تعود لإسرائيل".

يعكس تصميم المخطط الهندسة الجيوسياسية الهادفة إلى خلق حقائق دائمة على الأرض، فهو لا يقتصر على مجرد بناء وحدات سكنية، بل يتضمن شبكة معقدة من البنى التحتية الوظيفية التي تضمن السيطرة الإسرائيلية وتفصل السكان الفلسطينيين بشكل ممنهج.
مدينة كاملة
تمت المصادقة على المخطط لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة في الممر الاستراتيجي، وتظهر التفاصيل الهيكلية للمشروع أنه يهدف إلى إقامة مدينة إسرائيلية مكتملة السيادة والوظيفة، لا مجرد حي سكني تابع، ويتضح هذا من خلال تنويع المرافق ليشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية والسياحية.
وفي عام 2012، أقرت حكومة الاحتلال أن المخطط يتضمن الاستيلاء على 1350 دونماً لإقامة منطقة صناعية شمال غرب المنطقة المصنفة ضمن المخطط، إضافة إلى 180 دونماً لإقامة مقر لشرطة الاحتلال، وقد تم تشييد المقر المذكور بهدف توسيع مناطق الاستيلاء.

وضمت المصادرة أيضاً حينها مخططاً للاستيلاء على مساحة 500 دونم من أراضي عناتا وشعفاط لإقامة مكب نفايات على أن يتم تحويله لاحقاً لحديقة عامة، إضافة إلى ثلاثة مخططات تفصيلية للبناء، لبناء 2176 وحدة استيطانية وآخر لبناء 256 وحدة، إضافة إلى 2152 غرفة فندقية.

تمت المصادقة أيضاً على تضمين بناء 1250 وحدة، وحديقة توراتية إلى الشمال الغربي من المخطط المذكور.

وبحسب تقرير "وفا"، أقر الاحتلال أيضاً مخططاً لتنفيذ ما يسمى طريق "نسيج الحياة"، الذي تم إنجاز جزء منه قرب جدار الفصل والتوسع العنصري الواقع شرق عناتا وصولاً إلى منطقة الزعيم، والجزء الآخر منه يُقترح إنشاؤه ابتداءً من الزعيم وصولاً إلى العيزرية، ويهدف إلى خدمة تنفيذ وتطوير مخطط البناء في المشروع المذكور، إضافة لكونه مقترحاً مستقبلياً لتحويل طريق القدس–العيزرية ومنع الفلسطينيين من استخدامه.

شطر الضفة وعزل القدس
وتنبع الأهمية الاستراتيجية للمخطط من موقعه الذي يهدد بتقطيع أوصال الدولة الفلسطينية المزمعة، مما يجعله الضربة القاضية لحل الدولتين، فهو يقع في النقطة الجغرافية التي تربط بين الأجزاء الرئيسية للضفة الغربية، وتنفيذه يعني شطر الضفة الغربية فعلياً إلى نصفين: فصل شمال الضفة ممثلاً بمحافظة رام الله عن جنوبها الممثل بمحافظات بيت لحم والخليل.

تُعتبر المنطقة الواقعة بين رام الله والقدس وبيت لحم المحور الحضري الحيوي الذي يمثل العمود الفقري لأي دولة فلسطينية مستقبلية، وبمجرد تنفيذ المخطط، فهو سيعمل على شلّ إمكانية تطوير هذا المحور المتصل. وهذه العملية تهدف إلى تفتيت الضفة الغربية إلى "جيوب معزولة ومقطعة الأوصال" تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية المطلقة، وهو ما يلغي المفهوم الجغرافي للدولة القابلة للحياة، وذلك بحسب "معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج)".

ومن الناحية السياسية، يستهدف المشروع قلب المعادلة في القدس، فمن خلال تطويق شرق القدس بالمستوطنات وعزلها عن امتدادها الطبيعي في الضفة، يمنع المخطط إمكانية قيام عاصمة فلسطينية في شرق القدس.

ويرتبط تنفيذ المخطط بعمليات التهجير القسري للمجتمعات البدوية الفلسطينية، حيث يواجه نحو 7000 فلسطيني يعيشون في 22 تجمعاً بدوياً، وأبرزهم عرب الجهالين، خطر التهجير القسري بسبب منطقة "إي 1".

وتقع هذه التجمعات، مثل الخان الأحمر، في نقطة استراتيجية تشرف على الخاصرة الأضيق للضفة الغربية، ويُعتبر وجودها "حجر عثرة" أمام إيجاد اتصال استيطاني إسرائيلي مباشر بين القدس والأغوار، وذلك بحسب ما نشر "مركز دراسات الوحدة العربية".
التداعيات الإنسانية والقانونية
أكدت الأمم المتحدة أن التهجير القسري الملازم لمخطط "إي 1" يُعد من أبرز الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يُنفذ ضمن استراتيجية أوسع لخلق بيئة قسرية تفرض الرحيل على السكان.
وتستخدم سلطات الاحتلال ذريعة "البناء بدون ترخيص" كأداة قانونية لهدم مساكن ومدرسة الخان الأحمر مثلاً، وهي تجمعات تعيش في المنطقة منذ عقود. أدت محاولات الإخلاء المتكررة إلى تصعيد قضية الخان الأحمر بقوة في المحافل الدولية.

يرفض أهالي الخان الأحمر أي اقتراحات إسرائيلية للترحيل إلى مواقع بديلة، متمسكين بحقهم في أرضهم، مؤكدين أن المنطقة هي أرض محتلة يسري عليها القانون الأردني الذي يسمح بتقديم مخططات تفصيلية لشرعنة المساكن.

ويكشف الإصرار على هدم هذه التجمعات، بالرغم من توفر وثائق عثمانية تثبت ملكية الفلسطينيين للأراضي، أن الغرض ليس تنظيمياً أو بيئياً، بل هو تكتيك لخفض التكاليف السياسية لعملية الإخلاء الحكومي المباشر لخدمة المشروع الاستيطاني الكبير.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن البيئة القسرية ضد الفلسطينيين في "مناطق ج" تتفاقم باستمرار، فمنذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أدى تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين والمضايقات للمجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة إلى نزوح قسري لما لا يقل عن 2,700 فلسطيني، معظمهم من هذه المناطق.

رفض دولي
يواجه مخطط "إي 1" إجماعاً دولياً على عدم شرعيته، حيث تُعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وشرق القدس غير قانونية بموجب القانون الدولي، وقد عززت الشرعية الدولية هذا الموقف بقرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016، الذي أكد أن جميع المستوطنات، بما فيها "إي 1"، "باطلة من الناحية القانونية" وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

إضافة إلى ذلك، جاء رأي محكمة العدل الدولية (ICJ) الاستشاري في تموز/ يوليو 2024 ليضيف ثقلاً قضائياً، حيث قضت المحكمة بأن نقل المستوطنين الإسرائيليين والحفاظ على وجودهم في هذه المناطق يُعد انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة. ويترتب على "إسرائيل" الالتزام بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة فوراً وإجلاء المستوطنين من الأرض المحتلة، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وفي سياق تفعيل المخطط الأخير في عام 2025، تجددت الإدانات الدولية التي تصف المخطط بأنه "أحد أخطر المخططات الاستيطانية منذ عقود". وحذرت خدمة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي (EEAS) من أن المضي قدماً بالخطة يشكل خرقاً للقانون الدولي، وسيؤدي إلى قطع "دائم" للتواصل الجغرافي بين القدس الشرقية والضفة الغربية.

آخر التحركات الدولية
تلى طرح مناقصة للبناء في المشروع، تحركا بريطانيا رسميا، إذ أعلنت لندن الأربعاء استدعاء القائم بالأعمال الإسرائيلي لديها، مطالبة حكومة الاحتلال بوقف المشروع وسحب المناقصة، التي وصفتها بأنها تمثل تجاوزا لخط أحمر سبق أن تعهد الاحتلال الإسرائيلي بعدم تخطيه.

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن طرح المناقصة يمثل "عملا غير مقبول ومدمرا"، محذرا من أن تنفيذ المشروع في هذه المنطقة الحساسة سيعرض إمكانية تطبيق حل الدولتين للخطر.
وأضاف ميليباند، في بيان، أن على الحكومة الإسرائيلية "وقف خطط "E1" فورا، وسحب المناقصة، ووقف جميع أشكال التوسع الاستيطاني".

تعهدات سابقة 
وبحسب ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، فإن دولا أوروبية تعتبر الخطوة الإسرائيلية خرقا لتعهدات سابقة قطعتها "تل أبيب" بعدم المضي في البناء بمنطقة "E1؛، التي تقع خلف الخط الأخضر وتتمتع بأهمية استراتيجية بالغة بالنسبة إلى مستقبل الضفة الغربية.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أوروبي قوله إن "إسرائيل وعدت أصدقاءها في أوروبا بوضوح بعدم المضي قدما في البناء بمنطقة E1"، معتبرا أن طرح المناقصة يمثل "تجاوزا لخط أحمر وتطورا سيئا للغاية".
عربي 21