2026-08-14 08:05 م

تشريح صائب للواقع الفلسطيني الرديء-أداء سياسي تائه وجهل مطبق بالشأن الاسرائيلي | خضوع السلطة للاملاءات الاسرائيلية وانعدام مشروع وطني شامل

2026-08-14

مع كل دورة انتخابية اسرائيلية تنشغل القيادة الفلسطينية في طرح التكهنات والتنبؤات، من المرشح الذي سيشكل الائتلاف الحكومي، ومن هو الافضل لها تعاطيا وحوارا وتفاوضا.. وفي كل مرة يخيب الظن.
ومع اقتراب موعد الدورة الجديدة للمعركة الانتخابية في اسرائيل، بدأت "حلقات التشاور" تتجمع، كل يدلي بدلوه، وتصغي الأذان وتشرئب الأعناق لسماع الوشوشات ونقل المعلومات الزائفة، والتحليلتات الضحلة، وكل يطرح نفسه خبيرا، ومطلعا وله من الاتصالات تحت الطاولة الكثير ويلقي بالتقارير الكاذبة المفبركة على طاولة رواد الحلقة التشاورية المدعين الالمام بكل صغيرة وكبيرة في هذا العالم، والخبراء في الشؤون الداخلية للساحات شرقها وغربها.
وهنا لا نريد تفصيلا موثقا لهذا وذاك يثبت كذب اصحاب الباع الطويل "الفطاحل"، وما تسببوا به من نتائج مؤلمة. مع كل دورة انتخابية في اسرائيل يتأكد "العقم" و "الضحالة" في الوقوف على الشأن الداخلي الاسرائيلي، ولا وجود لـ "خبراء" في هذا الشأن الذي يفترض أن يخظى بالاهتمام والدراسة والمتابعة.
المتربعون حول طاولة التشاور متفقون فيما بينهم للخروج بنفس النتيجة "دائما" ومنذ ثمانينيات القرن الماضي يعلنون أن الفائز في انتخابات اسرائيل هو من "يحلمون به ويتمنون"، لتؤكد النتائج الصحيحة فشل توقعاتهم وتحليلاتهم وكذب الوشوشات التي دفع الجهلة بها في اذانهم.
صحيفة "القدس العربي" الصادرة في لندن نشرت مقابلة مع البروفيسور مروان دويري، استاذ علم النفس علق فيها على رهان أوساط واسعة من الشعب الفلسطيني وقيادته الحالية على "فرج اسرائيلي يتمثل باسقاط ائتلاف بنيامين نتنياهو، وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه في (المنـار).
فيما يلي نص المقابلة: 
تعليقاً على رهان أوساط واسعة من الشعب الفلسطيني على «فرج إسرائيلي» يتمثّل بإسقاط ائتلاف بنيامين نتنياهو، قال أستاذ علم النفس المطلع على قضايا الشعب الفلسطيني، البروفيسور مروان دويري، في حديث مع القدس العربي»، إن الواقع الفلسطيني الرديء ليس نتاج حكومة الاحتلال فحسب، بل هو في الأساس بسبب الأداء السياسي الفلسطيني.
وحول دور فلسطينيي الداخل والصراع مع مجمل التهديدات الإسرائيلية، قال: «علينا أن ندير الصراع بعقل لاعب شطرنج يحسب حسابات الجدوى من كل خطوة، وليس بعقل لاعب تنس يرد الضربة بضربة مضادة».
ومروان دويري بروفيسور من الناصرة داخل أراضي 48، متخصص في علم النفس العلاجي والطبي والتربوي وعلم نفس النمو، أصدر عشرات الأبحاث والكتب العلمية باللغتين الإنكليزية والعربية، ولديه نحو 80 مقالة علمية محكمة.
وفي 2008 أُعلن البروفيسور الفلسطيني مروان دويري كأحد أبرز عشرة باحثين في العالم في مجال علم النفس العابر للثقافات، وكان حينها العالم العربي الوحيد المدرج في هذه القائمة العالمية. فيما يلي نص الحوار.
□ كيف تقرأ رهان أوساط واسعة من الشعب الفلسطيني على «فرج إسرائيلي» يتمثّل بإسقاط ائتلاف نتنياهو؟
الواقع الفلسطيني الرديء ليس ناتجاً عن حكومة نتنياهو فحسب، بل في الأساس بسبب الأداء الفلسطيني الرديء المتمثل بالانقسام في الضفة وغزة، وبخضوع السلطة الفلسطينية شبه التام للإملاءات الإسرائيلية، وبأداء «حماس» و»الجهاد الإسلامي» الانتحاري، وأيضاً بالمناكفات السياسية بين الأحزاب العربية في الداخل. كل هذا الأداء الفلسطيني الرديء هو الذي أتى بحكومة نتنياهو. استبدال حكومة نتنياهو بحكومة أخرى لن يغير شيئاً في الواقع الفلسطيني طالما بقي هذا الأداء الفلسطيني التائه من دون مشروع وطني شامل، والذي يغلِّب مصلحة الفصائل أو مصلحة الأحزاب على المصلحة الوطنية. أنا أؤمن بالمسؤولية الذاتية للفصائل والأحزاب والناخبين، وأعول عليها في مواجهة العنصرية والفاشية».
هناك من يرى أن السيناريو الأفضل هو تشكيل قائمة عربية مشتركة لكل الأحزاب، بما في ذلك «الموحدة»، رغم الاختلافات والخلافات الفكرية والسياسية، لأن ذلك سيسد طريق نتنياهو، ويعزّز مكانة الفلسطينيين في إسرائيل، وينطوي على دفعة معنوية يحتاجها الفلسطينيون. لماذا لم تتشكّل هذه المرة، بخلاف مرات سابقة؟
الحقيقة التي يحاول الكثيرون تجاهلها هي أننا شعب متعدد الانتماءات الاجتماعية والفكرية والدينية، وأن الفئوية (القبيلة) ما زالت قائمة وتعلو على الانتماء القومي. تأسيس «القائمة المشتركة» في الماضي لم يأت نتيجة وعي قومي، بل نتيجة رفع نسبة الحسم في الانتخابات التي هددت الأحزاب العربية. الآن، ومع ارتفاع الخطر إلى حد الخطر الوجودي على بقائنا كشعب، دعت الجماهير بحسّها الوطني الأحزاب إلى الوحدة. إلا أن بعض الأحزاب ما زالت ترى في بقائها ومصالحها الأمر الأهم، وبعضها يرى ضرورة إعادة النظر في نهج المعارضة من الخارج، وطرح فكرة المشاركة من الداخل، وخرج عن النهج التقليدي للنضال من موقع المعارضة».
□ في المقابل، هناك من يرى أن قائمة عربية واحدة تحقق نجاحاً كبيراً من شأنها أن تكون «منديلاً أحمر» يزيد من هيجان الثور الإسرائيلي الهائج أصلاً، ولذا يفضّل خوض الانتخابات بقائمتين. ما رأيك؟
لا أحد يملك الحقيقة في جيبه، فالنقاش هو بين وجهات نظر مشروعة. أنا أؤمن أن هناك أكثر من صواب واحد، وأن الحوار بين وجهات النظر، الذي لا ينفي شرعية الطرف الآخر، هو الذي يأتي بالجواب الصحيح والممكن والمجدي. أعتقد أن الحوار جرى وأفضى إلى قائمتين. لا أحد يستطيع أن يجزم فيما إذا كانت قائمة مشتركة رباعية أفضل من قائمتين، طالما أن كلتيهما تعبران نسبة الحسم. ولا أحد يستطيع أن يجزم بأن النضال كمعارضة يأتي بنتائج أفضل من المشاركة السياسية أو بالعكس. لكل حالة أفضليات ونقائص مقارنة بالأخرى. كما قلتَ، فربما أن القائمتين لا تشكلان منديلاً أحمر يزيد هيجان الثور. في نهاية المطاف، تشكيل قائمتين، كما هو جار اليوم، هو الحل الممكن بناء على معطيات شعبنا الاجتماعية والحزبية. الأمور لا تسير وفق الأمنيات، بل بما يتيحه الواقع الموضوعي لشعبنا بتركيباته الاجتماعية والحزبية».
□ بعد تجربة أربع سنوات مع حكومة نتنياهو الحالية، وبعد حرب إبادة، هناك من يرى أنها الانتخابات الإسرائيلية الأخطر منذ قيام إسرائيل عام 1948. هل تتفق مع هذا التشخيص؟ إلى أي مدى يختلف معسكر المعارضة عن الائتلاف الحالي من ناحية التعامل مع الفلسطينيين في طرفي الخط الأخضر؟
رغم التطابق الكبير في مواقف الأحزاب الصهيونية فيما يتعلق بالاحتلال وقضية السلام ويهودية الدولة والعنصرية، إلا أننا لا نستطيع الادعاء أن جميع الأحزاب سواء. جميعها أحزاب رديئة، إلا أن هناك أحزاباً تريد الإبادة، وأخرى تريد الترانسفير، وأخرى تريد أبارتهايد، وأخرى تريد التمييز العنصري، وأخرى تريد المساواة والديمقراطية في دولة يهودية. هذه ليست فروقاً شكلية فحسب، بل جوهرية تحدد درجة الخطورة على بقائنا وحياتنا في وطننا.
الأمر لا يتوقف عند الأحزاب، بل إن هذه المواقف متغلغلة في الشارع الإسرائيلي أيضاً، ليس بفضل الإعلام المضلِّل فحسب، بل في الأساس بسبب مشاركة الشباب والرجال والصبايا اليهود شخصياً في ممارسات التمييز والاحتلال والحرب. فمن يشارك في ممارسات هذه المنظومة السياسية العنصرية والفاشية، لا بد له، بفعل التنافر المعرفي، أن يتبنى مواقف عنصرية وفاشية. نحن أمام اختيار الأقل سوءاً بين البدائل السيئة الممكنة».
□ على المستوى الاستراتيجي، هل لديك ملاحظات على السياسة العربية / الفعل السياسي العربي في إسرائيل من ناحية إدارة التعامل مع إسرائيل والإسرائيليين، خدمة للقضية الفلسطينية الأم ولقضايا المواطنة المتساوية؟
أنا أؤمن بنظريات الديالكتيك (لهيغل وماركس) التي تفسر طريقة تطور العلوم والفكر والسياسة والتاريخ بشكل واقعي بعيداً عن الأمنيات. السياسة هي فن الممكن، وهي ليست أداة لتحقيق الأحلام. المبادئ والأيديولوجيات هي بوصلة موجهة، ولكنها ليست جهاز «جي بي إس».

أنماط تفكير تعيق الحوار
يقول البروفيسور دويري إنه، خلال خوض المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل النقاش حول النضال من خارج الائتلاف أو من داخله، وحول قائمة مشتركة واحدة أو قائمتين، وحول جدوى النضال من خلال الكنيست، وحول قضايا أخرى، يدعو إلى الانتباه إلى أنماط تفكير سائدة تعيق الحوار وتجعله عقيماً.

فرضية الصواب الواحد
«لا يصح إلا الصحيح». فعقل الإنسان ليس جهاز تفكير وتحليل موضوعي، بل عقل متأثر بالتجربة الذاتية وبالرغبات والمخاوف التي يعيشها الإنسان، وعلينا أن نتذكر أن هناك أكثر من صواب واحد، وأن الصواب الذي يتبنّاه كل طرف هو مجرد رأي أو قناعة يجب إخضاعها للجدل مع الرأي الآخر أو الصواب الآخر.
هذا الجدل هو الذي يجعل الفكر يتطور ويأخذنا إلى القرارات المتوازنة والأفضل».

الإقصاء والتخوين والتكفير
«من لا يشارك في المظاهرة فهو متخاذل، ومن يتفاوض مع أحزاب صهيونية فهو خائن». نحن شعب ولسنا قطيع غنم، لكل فرد منا ولكل فئة فيه تجربة وقناعات وانتماء ومصالح مختلفة. ومع هذا نريد أن نكون شعباً واحداً يحافظ على بقائه ويحقق أمانيه في وجه سياسات عنصرية وفاشية. لذلك لا بد لنا من انتهاج التعددية فكراً ونهجاً، تتعايش وتتعاون داخلها كل فئات ومكونات شعبنا دون إقصاء أو تخوين أو تكفير. لست هنا لأشرعن أي تفاوض، بل لأميّز بين التفاوض والاتفاقات التي فيها أخذ وعطاء مدروس، وبين الانتقال إلى الطرف الآخر وحمل أجندته والتخلي عن قضايا شعبنا، التي هي فعلاً خيانة لا خلاف عليها».

تجاهل معيار الجدوى واعتماد معيار الحق وحده
«علينا أن ننتفض جميعاً ضد جرائم الاحتلال ونعلن العصيان المدني أو إضراباً متواصلاً حتى إنهاء الاحتلال». لنا في هذا الوطن حقوق كثيرة لا خلاف بيننا عليها: مساواة وحقوق وطنية وكرامة وغيرها. ونحن في منظومة عنصرية وقوية ومهيمنة، لا يكفي أن نعتمد على معيار الحق مع تغييب معيار الجدوى من أي قرار أو خطوة نتخذها. معيار الحق ومعيار الجدوى معاً يجب أن يرافقا أي قرار. أما معيار الحق وحده فيمكنه أن يأخذنا إلى مغامرة خطيرة، ومعيار الجدوى وحده يمكن أن يجعلنا انتهازيين ومتخاذلين. علينا أن ندير الصراع بعقل لاعب شطرنج يحسب حسابات الجدوى من كل خطوة، وليس بعقل لاعب تنس يرد الضربة بضربة مضادة».

التنسيب الخارجي وغياب المسؤولية الذاتية
«شو عملولنا».
في هذا الواقع المجحف والمحبط، يسهل تفسير أي معاناة من خلال عوامل خارجية، كالعنصرية وسياسة الدولة، وهذا طبعاً أمر صحيح وواقع لا يمكن تجاهله، أو من خلال اتهام الأحزاب العربية بالتقاعس أو الفشل، أو تفسير فشل الاتفاق على قائمة مشتركة من خلال اتهام الطرف الآخر بإجهاض مساعي الوحدة، وهذا أيضاً جزء واقعي من التفاوض. ولكن لا يمكن إعفاء أنفسنا ودورنا في إدارة هذه الصراعات. نتائج كل هذه العوامل الخارجية يمكن أن تختلف لصالحنا لو أن كل فرد وكل حزب تحمل مسؤولية أدائه في هذا الصراع، ولم يكتفِ بإسقاط المسؤولية بشكل حصري على الطرف الآخر. على كل حزب أن يسأل نفسه فيما إذا كان بإمكانه أن يسلك بشكل مختلف عما فعل، وعلى كل فرد يوجه انتقاداته الحقة إلى الأحزاب أن يسأل نفسه: هل هناك دور آخر يجب أن يقوم به إضافة إلى الانتقاد، مثل المساهمة البنّاءة في النقاشات السياسية وأخذ دوره في الانتخابات».

إما كل شيء وإما لا شيء
«كيف ننشغل بالمفاوضات والانتخابات وأهل غزة يموتون يومياً؟» – «في هذا الواقع العنصري غير المتوازن من حيث القوى، علينا أن نعترف أننا لسنا قادرين على تحقيق كل ما نصبو إليه في هذه المرحلة، وأنه علينا إدارة الصراع بحكمة، ونتقدم تدريجياً نحو الأفضل الممكن. وطبعاً، خلال هذا الطريق نضطر أحياناً إلى التهادن مع بعض القضايا المجحفة واللاإنسانية. ليس في هذا تقاعس أو تخاذل، بل قراءة موضوعية لما هو ممكن وما هو غير ممكن في هذه المرحلة».