فاجأت وزارة التربية والتعليم العائلات الفلسطينية بقرارها تطبيق نظام مصادر التعليم المفتوحة على نطاق شامل لطلبة الصفوف الدراسية من الأول إلى الرابع الأساسي، ما أثار جدلًا لدى الأهالي وفي الأوساط التربوية.
وبينما تقول الوزارة إن قرارها جاء استنادًا إلى تقييم علمي لتجربة 64 مدرسة ودراسة بحثية ومشاورات ميدانية، يرى خبراء أن الانتقال إلى التعليم الرقمي في هذه المرحلة يشكل مغامرة غير محسوبة تمس بجوهر العملية التعليمية، فضلاً عن اتهامات بضغوط وتدخلات أوروبية أدت إلى هذا القرار.
"نحتاج دمجًا لا استبدالاً"
وشهدت المنصات الرسمية لوزارة التربية والتعليم حملة إعلامية ترويجية ونشرًا مكثفًا لمقاطع فيديو تستعرض حصصًا دراسية تعتمد نظام مصادر التعليم المفتوحة، في محاولة لإثبات نجاح القرار. وأمام هذا المشهد، تواصل "الترا فلسطين" مع معلمين خاضوا التجربة ميدانيًا للوقوف على واقع التنفيذ بعيدًا عن التغطيات الرسمية.
يقول لؤي ضمرة، معلم الصف الأول في مدرسة "تلفيت الثانوية المختلطة"، إن المعلمين أُجبروا في الشهر الأول على التدريس دون كتاب مدرسي اعتمادًا على أسلوب التعليم المفتوح، قبل أن تُوزعَ عليهم رزم تعليمية تبيّن لاحقًا عدم كفايتها لتغطية متطلبات منهاج الصف الأول، خاصة في ظل تقليص أيام الدوام.
ويوضح ضمرة خلاصة تجربته قائلاً: "نحن بحاجة إلى دمج متوازن بين التعليم التقليدي الأصيل والرقمنة، فالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حافزًا ومساعدًا لا بديلًا كليًا، حتى لا نصل إلى مرحلة يبرع فيها الطفل في التفاعل مع الشاشات بينما يعجز عن ممارسة مهارات الكتابة الأساسية".
فيما أكدت معلمةٌ في مدرسة "جلبون الأساسية"، وهي إحدى المدارس التي خضعت للتطبيق التجريبي للنظام، أن التحدي الأكبر يكمن في إلغاء الكتاب الورقي والاستعاضة عنه بأوراق العمل، إذ تفقد الطباعة بالأبيض والأسود المتاحة في المدارس عنصر الجذب البصري لطلبة الصفوف الأولى، فضلًا عن صعوبة التمييز بين المباحث المختلفة.
وترى المعلمة أن هذا البديل يُهدر وقت الحصة في محاولة التنظيم، ويُرهق المدارس بتكاليف طباعة استثنائية لا تستطيع تغطيتها، إلى جانب إدخال أولياء الأمور في حالة استنزاف وتوتر دائمين خوفًا من تفويت المفاهيم الأساسية. لذلك خلصت المعلمة إلى أن النظام "قابلٌ للنجاح لكن بشرط الحفاظ على الكتاب المدرسي كمرجع أساسي".
"إنجاز شكلي"
تقول المرشدة التربوية والأخصائية النفسية والاجتماعية عزيزة نعيرات إن للقرار بُعدين متقابلين، فالنظام، وفقًا لها، يُعزز لدى الطالب مهارات الاعتماد على الذات، ويكسر النمطية التقليدية، كما أن تنوع المحتوى البصري والتفاعلي، مثل الفيديوهات والموارد الرقمية، يسهم في مراعاة الفروق الفردية للطلبة.
وتضيف نعيرات أن التخفيف من زخم المناهج الورقية يمنح الطالب أريحية أعلى، ويُتيح له التركيز على المفاهيم الجوهرية والمعلومات الأساسية المنتقاة.
أما بالنسبة إلى المعلم، فإن نعيرات ترى أن نظام مصادر التعليم المفتوحة يمنحه مساحة أوسع للإبداع في اختيار المحتوى الأكثر ملاءمة لطلبته.
وتقول: "في السياق الفلسطيني تحديدًا، شكل التعليم المفتوح أداة لتعزيز السيادة الوطنية على التعليم ومواجهة التدخلات والضغوط الخارجية الساعية لتعديل المنهاج، إذ يغدو المعلم الموجه الأساسي والمُتحكم في نقل المعارف والتنشئة الوطنية والدينية والثقافية الصحيحة وفق ما يراه مناسبًا".
رغم هذه الإيجابيات، فإن تطبيق هذا النظام في الظرف الحالي يواجه تعقيدات تهدد بفشله، إذ تؤكد نعيرات أن المدارس الفلسطينية تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، بدءًا من نقص الأجهزة الإلكترونية وضعف شبكة الإنترنت "التي لا تتعدى غرفة الإدارة في بعض المدارس"، إضافة إلى الاكتظاظ الصفي في المدارس.
وأكدت أن هذا التسرع في تطبيق نظام مصادر التعليم المفتوحة يتجاهل الاستقرار النفسي والمعيشي للمعلم، الذي يواجه ضغوطًا مالية تشتت تركيزه وتمنعه من التفرغ الكامل لعمله، وبالأخص أولئك الذين اضطرتهم الظروف للعمل بوظيفة ثانية.
لذلك ترى نعيرات أن تطبيق نظام مصادر التعليم المفتوح يعد إنجازًا شكليًا يستند إلى إلزام المعلمين والضغط الميداني، لا إلى بيئة محفزة للإبداع.
أما على صعيد الطالب والأسرة، فتحذر نعيرات من أن اختزال أيام الدوام المدرسي في ظل النظام الجديد سيُعمّق الفجوات الأكاديمية، خاصة مع أزمات الطوارئ والإغلاقات المتكررة، مبينة أن هذا النموذج يُحيل المسؤولية إلى كاهل الأهالي، وهذا يظلم الطلبة الذين يفتقرون إلى المتابعة الأسرية وسط اضطرار الكثيرين للجوء إلى المراكز الخاصة والدروس الإضافية.
ورأت أن التقييمات الرسمية لنجاح مثل هذه التجارب "تظل محكومة بالبهرجة الإعلامية والتقديرات الإدارية البعيدة عن واقع الميدان الذي يفقد أحيانًا أدنى المقومات كالأوراق وأقلام الكتابة".
"ضغط أوروبي وتناقض"
يربط عضو سكرتارية حملة "الحق في المنهاج" إياد الرياحي بين فرض نظام مصادر التعليم المفتوحة والضغوط الأوروبية المتواصلة لتعديل المناهج الفلسطينية، مشيرًا إلى تناقض في سلوك الوزارة التي استعرضت زيارات وفود أجنبية للاطلاع على التجربة، "في حين أن معظم هذه الدول لا تُطبق هذا النموذج بل تُجري مراجعات نقدية له" وفق الرياحي.
وشدد الرياحي في حديث لـ"الترا فلسطين" على خطورة هذه الخطوة على الهوية الوطنية، إذ يُعد تحويل الكتاب المدرسي إلى مصدر هامشي تخليًا رسميًا من الوزارة عن دورها التوجيهي في حماية الرواية الوطنية وتشكيل الوعي الجمعي للأطفال، ونقلاً لهذه المسؤولية الكبيرة إلى جهود فردية للمعلم.
وأشار إلى أن حملة "الحق في المنهاج" عقدت لقاءً تشاوريًا موسعًا ضم معلمين وأولياء أمور ومؤسسات مجتمع مدني وأحزابًا سياسية، أثمر عن إصدار نداء موجه لوزير التربية والتعليم، وقّعت عليه نحو 200 مؤسسة وشخصية تربوية، يطالب بضرورة التجميد الفوري للقرار وفتح حوار مجتمعي شامل لتدارك تداعياته.
تزامنًا مع ذلك، أعلن الصحفي علاء الريماوي عزمه رفع قضية أمام المحكمة الإدارية ضد النظام الجديد، وأطلق عريضة تهدف إلى جمع 20 ألف توقيع لرفع الدعوى، مؤكدًا أن هذه الخطوة "تنطلق من حماية حقوق الطلبة وصون مستقبلهم التعليمي بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى".
وزارة التربية: ماضون في قرارنا
يؤكد الناطق باسم وزارة التربية والتعليم صادق الخضور أن الوزارة تواصل التحضيرات لتعميم تجربة التعليم المستند إلى مصادر التعليم المفتوحة للصفوف الدراسية من الأول إلى الرابع، بما يتطلبه ذلك من إعادة توظيف الكتاب بوصفه أحد هذه المصادر، مؤكدًا أن "شكل وآلية التعامل مع الكتاب يشكلان محورًا رئيسًا من محاور التدريب".
وبيّن الخضور لـ"الترا فلسطين" أن هذا القرار جاء بناءً على ما تحقق من تطبيق التعليم المستند إلى مصادر التعليم المفتوحة في 64 مدرسة خلال العام الدراسي الماضي، إذ أنجزت الوزارة مؤخرًا دراسة متخصصة على يد فريق بحثي من الكفاءات في الوزارة، وتم تداول نتائجها مع الفريق المركزي للمدربين والمؤسسات الوطنية العاملة في المجال التعليمي.
وأضاف أن النظام مستند في جزء منه إلى توظيف مُحصلة المعلم من مهارات وخبرات وتدريبات على مدار سنوات عمله لصالح تفعيل المصادر المختلفة، مؤكدًا أن الأمر لا يقتصر على الجانب الإلكتروني، "فالقلم والورقة حاضران، والتعبير الكتابي جزء لا يتجزأ من النظام، بما يعزز إتقان الطلبة للمهارات الأساسية، والتركيز على أساليب تتوافق وتحقق نتاجات التعليم والتعلم المنشودة".
وبحسب الخضور، فإن هذا التوجه "ليس رقميًا بحتًا، بل يوظف عديد المصادر بما يضمن جعل العملية التعليمية متمحورة حول احتياجات الطالب ودوره الفاعل".
وأشار إلى أن منصات الوزارة تتضمن العديد من البيانات والإيضاحات المرتبطة بالتساؤلات التي قال إنها "تعزز وضوح الصورة لدى من يقارنون التوجه بما تم تطبيقه في سياقات أخرى، دون مراعاة أن توجه الوزارة لا يعني بأي حال تكرار التحول الرقمي الكامل الذي تم تنفيذه في تلك السياقات" وفق قوله.
الترا فلسطين

