2026-08-07 10:29 م

ذي أتلانتك: بتهديدات فارغة ونقص الذخيرة الحيوية.. ضيع ترامب التفوق الاستراتيجي ضد إيران

2026-08-07

نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريرًا أعدته نانسي يوسف وجوناثان ليمير، تناولا فيه أزمة الذخيرة الحيوية التي ضيعت فرصة الولايات المتحدة في الانتصار على إيران. ورأت المجلة أن التهديدات الفارغة إلى جانب نقص الذخيرة هما سبب إهدار دونالد ترامب للميزة الاستراتيجية.

فالجيش الأمريكي يواجه خطر نفاد صواريخه، وبعد أكثر من خمسة أشهر على شن الحرب ضد إيران، انخفض مخزون الأسلحة بعيدة المدى إلى مستويات متدنية جدًا، حسبما قال مسؤولون دفاعيون أمريكيون حاليون وسابقون، لدرجة أنهم لا يعتقدون أن الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي لمواجهة أي تهديد في آسيا. وقالوا إن الإمدادات المتبقية، بحسب نوع الذخيرة، 20% فقط مما يرغب البنتاغون في الاحتفاظ به.
كما أن مخزون الصواريخ الاعتراضية المتطورة، مثل صواريخ باتريوت وصواريخ أرض-جو المعروفة اختصارًا بثاد، قد استُنفد لدرجة لا تسمح بتسليمها أو بيعها لأوكرانيا، أو حتى الدفاع بفعالية ضد إطلاق إيران للصواريخ الباليستية. وأوضح مسؤولون دفاعيون للمجلة أنه حتى عندما ترى القوات الأمريكية صواريخ إيرانية تقترب، فإنها تُجبر على اتخاذ قرار في غضون ثوان معدودة بشأن ما إذا كانت ستستخدم ما لديها من عدد محدود من الصواريخ الاعتراضية أو تأمل بشيء أفضل.

وقد ناشد وزير الدفاع بيت هيغسيث هذا الأسبوع الجمهوريين في الكونغرس تخصيص مليارات الدولارات لإعادة ملء مخزون الصواريخ والذخائر الحيوية الأخرى التي استُنزفت بشكل خطير في أمريكا.

ولاحظت المجلة أن نداء هيغسيث تميز بطابع حزبي واضح، إذ تجاهل المشرعين الديمقراطيين تمامًا، ولكنه كان متأخرًا.

وأشارت إلى أن البنتاغون حصل هذا العام على عقود بعشرات المليارات من الدولارات لإعادة ملء المخزون الناضب. لكن توقيع العقود لا يعني تسليم الصواريخ، فهذه العقود ستنتج الذخائر على مدى السنوات القادمة، وليس في الأشهر المقبلة.

ومع أن إدارة ترامب استثمرت في القاعدة الصناعية الدفاعية لتسريع الإنتاج، كما فعلت إدارة بايدن، فإنه بالنسبة للأنظمة الحيوية مثل نظام باتريوت، لا يتوقع أن يفي العرض بالطلب حتى عام 2030 تقريبًا.

وفي المقابل، زادت إيران من إنتاج طائراتها المسيرة الهجومية وصواريخها الباليستية، وعززت قدراتها. وأصبحت الحرب الحالية رهنًا للإمدادات الصناعية واللوجستية بقدر ما تتأثر بالاعتبارات الاقتصادية وسياسات انتخابات التجديد النصفي.

وقد عبر الرئيس ترامب عن غضبه الشديد إزاء التقييم الذي قدمه له فريقه للأمن القومي في كامب ديفيد يوم الجمعة، والذي أظهر أن الجيش الأمريكي يعاني من نقص حاد في الذخائر اللازمة لإصدار ترامب أوامر بتصعيد الموقف ضد إيران، وفقًا لما أفاد به مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية مطلع على الاجتماع.

وأضاف المسؤول أنه في حال شنت الولايات المتحدة ضربة، فمن المرجح أن تطلق طهران وابلًا من الصواريخ والطائرات المسيرة على جيرانها في المنطقة والقواعد الأمريكية التي تستضيفها.

وكما أشار المسؤولون، فقد وبخ الرئيس مساعديه بشدة ووجه انتقادات لاذعة لقيادة وزارة الدفاع، رغم أنه لا يفكر بإجراء تعديل في فريق عمله، كما أفاد مسؤول في البيت الأبيض.

وقالت المجلة إن إحباط ترامب للخروج من مأزق الحرب قد زاد، فهو يرى آثارها المدمرة على الاقتصاد ويتوق بشدة إلى تجاوز هذه الأزمة.

وفي منشور له على موقع “تروث سوشيال”، قال ترامب إن التقارير التي تتحدث عن نقص الذخائر كاذبة، وإن مثل هذه “التسريبات” خيانة عظمى. وكتب أن الشركات المصنعة تشحن “كميات كبيرة” من الذخائر “حسب الحاجة”.

ويشعر مساعدو البيت الأبيض بالقلق من أن ترامب يفقد سيطرته على مسار الحرب، فقد هدد إيران أكثر من مرة، لكنه نادرًا ما نفذ تهديداته، وباتت طهران تدرك ذلك، وتعرف أن مخزون الذخيرة الأمريكية آخذ في النفاد، على الرغم مما يصرح به هيغسيث والرئيس علنًا.

وتقول المجلة إن النفوذ العسكري الأمريكي لا يعتمد فقط على قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات، بل أيضًا على قدرتها على الدفاع ضد أي رد إيراني. وقد أبدت إيران ثقة في قدرتها على اختبار الولايات المتحدة بشكل أكبر، بمهاجمة سفن في مضيق هرمز.

ويعول البيت الأبيض على مواجهة إيران وضعًا اقتصاديًا بشكل يجبر نظامها على التفاوض.

وفي هذا السياق، تشير تقارير الاستخبارات الأمريكية إلى أن إيران تعاني من صعوبات. ومع ذلك، فوجئت إدارة ترامب بصمود طهران، ولم تعد متأكدة من أن النظام سيصل إلى نقطة يصبح فيها التفاوض خياره الوحيد.

وتضيف أن الرئيس لم يواجه، ومنذ بداية الحرب قبل أكثر من خمسة أشهر، موقفًا ضعيفًا كهذا، فنقص الصواريخ الاعتراضية يجعل التصعيد خطيرًا. كما أن توسيع نطاق الضربات لا يضمن عودة طهران إلى طاولة المفاوضات.

وفي ضوء هذا الوضع، فقد تكون الدبلوماسية والتنازلات الخيار الأقل خطورة أمام الإدارة الأمريكية.

وقال ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو في أكثر من مناسبة بأنه لن يسمح لإيران أبدًا بالسيطرة على أي جزء من مضيق هرمز. لكن ترامب يدرس الآن اتفاقًا يمنح إيران بعض السيطرة على حركة الملاحة البحرية. وينص الاتفاق المقترح بين سلطنة عمان وإيران، والذي ينتظر موافقة الولايات المتحدة ودول الخليج، على إعادة فتح المضيق من خلال إنشاء إطار عمل مشترك لإدارة الشحن التجاري. وسيمنح هذا الاتفاق إيران الإشراف على الممر المائي الحيوي الذي ترى أنها اكتسبته من الحرب، مع احترام إصرار عُمان على الحفاظ على حرية الملاحة.

ومع أن مخزون الولايات المتحدة من الأسلحة الحيوية تعرض لضغوط ولسنوات، فإن هذا الأمر أصبح واضحًا بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022. وأطلق الجيش الأمريكي مئات الصواريخ، بعضها يكلف ملايين الدولارات، خلال حملة إدارة ترامب التي استمرت 53 يومًا العام الماضي ضد الحوثيين في اليمن. وتلا ذلك ما يقرب من أسبوعين من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، واعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية كانت موجهة نحو إسرائيل. خلال الأيام الـ38 الأولى من الحرب الإيرانية، أطلقت الولايات المتحدة آلاف الذخائر.

وظل وزير الدفاع هيغسيث ينفي أي نقص في الذخيرة، وحتى أمام ترامب الأسبوع الماضي، وفقًا لمسؤول أمريكي تحدث للمجلة. وفي الكونغرس، لم يقدم وزير الدفاع حججًا مقنعة للحصول على التمويل الذي يريده، لا سيما أمام المشرعين الذين يواجهون انتخابات صعبة، ويعود ذلك جزئيًا إلى عدم شعبية الحرب.

وبين زيادة استياء الناخبين الأمريكيين من ارتفاع أسعار الوقود وتضارب تصريحات هيغسيث، وعلاقته المتوترة السابقة مع الكونغرس، لم يعد هناك مجال “للنوايا الحسنة تجاه الوزارة”، أي الدفاع، حسبما قال أحد مساعدي الكونغرس للمجلة.

إلا أن الكونغرس سيوفر في النهاية معظم الأموال التي يقول البنتاغون إنه يحتاجها لتجديد مخزونه.

وتعتقد المجلة أن ما تحتاجه الولايات المتحدة حقًا هو الوقت لتوفير الذخيرة، التي يستغرق تجديدها، بحسب نوع السلاح والوصول إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الحرب. ويحتاج الأمر إلى خمسة أعوام، كما قال مارك كانسيان، الذي يتابع مخزون الذخائر في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.

وأضاف كانسيان أن ثلاث سنوات أخرى سترفع المخزون إلى مستوى يطمئن كلًا من هيئة الأركان المشتركة والقادة الأمريكيين المسؤولين عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ويمنح هذا، من الناحية النظرية، بكين وقتًا لاستغلال النقص الأمريكي، وقد يدفعها لغزو تايوان.

ونفى المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، مزاعم نقص الذخيرة ووصفها بالعارية عن الصحة، وقال إن تضخيم الموضوع عمل غير مسؤول. و”لدينا كل ما يلزم لشن ضربة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس”.

وتعلق المجلة أن الأزمة سابقة لترامب، فبعد نهاية الحرب الباردة، قللت الولايات المتحدة من إنتاج الذخائر الحيوية ظنًا منها أن فترات السلام الطويلة بين الحروب القصيرة والحاسمة ستوفر قدرة كافية. لكن الجيش ظل منخرطًا بشكل شبه دائم في حروب اعتمد في شنها على ضربات صاروخية: ليبيا واليمن وسوريا وإيران ونيجيريا. كما تميزت الحرب الروسية مع أوكرانيا بتطورات سريعة في مجال الذخائر.

وأوضح كانسيان أن إدارة بايدن وقعت عقودًا لتجديد مخزون كييف من الأسلحة، لكنها لم تستطع تلبية الطلب. وقد سارعت الولايات المتحدة إلى تطوير وسائل أرخص لمواجهة الطائرات المسيرة الإيرانية التي نشرتها روسيا، وحققت بعض التقدم. لكن مخزون الصواريخ الاعتراضية، مثل باتريوت وثاد، توسع بسرعة. وقال كانسيان: “لا توجد بدائل فعالة لإيقاف الصواريخ الباليستية، فبدون هذه الصواريخ الدفاعية، ستسقط صواريخ الهجوم دون مقاومة”، وهذا ما يحدث في أوكرانيا.

وقبل الغزو الروسي، كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 300 صاروخ باتريوت سنويًا، يذهب نصفها إلى حلفائها. تضاعف الإنتاج منذ ذلك الحين، لكنه لا يزال أقل بكثير من الطلب في زمن الحرب.

ولو انتهت الحرب مع إيران في غضون أسابيع قليلة، كما توقعت الإدارة الأمريكية في البداية، لما كانت مشكلة الذخائر الأمريكية بهذه الخطورة. وبحسب مسؤول دفاعي: “كان من الممكن تخفيف حدة المشكلة لو عرفنا متى ستنتهي الحرب، والمشكلة الحقيقية تكمن في غياب استراتيجية طويلة الأمد، ولا يمكننا التخطيط بناءً على ذلك”.

قبل النقص، كانت الولايات المتحدة تستخدم تفوقها التكنولوجي لتشكيل استراتيجيتها. أما الآن، فإن التقدم التكنولوجي لخصومها، والضغط الذي فرضه على المخزون الأمريكي، يجبر واشنطن على إعادة النظر في استراتيجيتها مجددًا، هذه المرة دون الافتراض السائد بأن القوات الأمريكية ستتمتع بميزة التفوق في الذخائر.