2026-07-25 06:53 م

الشرق الأوسط في فخ الصراعات.. كيف تعيد المصالح الدولية إنتاج عدم الاستقرار؟

2026-07-24

لا يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة جغرافية، بل هو ممر استراتيجي تتقاطع فيه في الوقت نفسه مصالح الطاقة، والجغرافيا السياسية، والأمن الدولي، وتنافس القوى الكبرى. ومن ثم فإن التساؤل عن أسباب استمرار الصراعات في هذه المنطقة هو في جوهره تساؤل عن منطق النظام العالمي؛ ذلك النظام الذي لا ينظر فيه إلى الاستقرار وعدم الاستقرار بوصفهما حالتين متناقضتين، بل باعتبارهما – في كثير من الأحيان – حالتين متكاملتين تخدمان إعادة إنتاج مصالح القوى المهيمنة.

تتمثل الطبقة الأولى من التحليل في مكانة الطاقة داخل الاقتصاد العالمي. فما زال الشرق الأوسط يعد أحد أكبر الأقاليم امتلاكا للاحتياطيات المؤكدة من النفط والغاز في العالم، كما يعتمد جانب مهم من أمن الطاقة في أوروبا وشرق آسيا على التدفق المستقر لصادرات الطاقة القادمة من هذه المنطقة. ولذلك فإن السيطرة على مسارات إنتاج الطاقة ونقلها في الشرق الأوسط، أو إدارتها، أو على الأقل التأثير فيها، لا تزال تمثل ضرورة استراتيجية بالنسبة إلى القوى الكبرى.

غير أن اختزال أهمية الشرق الأوسط في النفط وحده يعد خطأ تحليليا. فالمنطقة تقع في قلب إحدى أكثر نقاط الالتقاء حساسية بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتضم أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية، مثل مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس. 

ولا تقتصر أهمية هذه الممرات على نقل الطاقة، بل تمتد إلى حركة التجارة العالمية للسلع. ولهذا ينظر إلى الشرق الأوسط، وفقا لمنطق الجغرافيا السياسية الكلاسيكية، بوصفه فضاء للسيطرة على طرق العبور، حيث إن النفوذ أو الهيمنة عليه يعني تعزيز القدرة على المناورة والتفاوض داخل النظام الدولي.

وعلى مستوى أعمق، ينبغي التوقف عند طبيعة النظام الأمني في الشرق الأوسط. فعلى خلاف أوروبا التي اتجهت تدريجيا بعد الحرب العالمية الثانية نحو بناء منظومة للأمن الجماعي، لا يزال الشرق الأوسط يعمل في إطار نظام أمني تنافسي ومجزأ.

 ففي هذا النظام تعتمد الدول، بدلا من الركون إلى هياكل مستقرة للتعاون الإقليمي، على سياسات موازنة القوى، والتحالفات المؤقتة، والمنافسات الأيديولوجية والجيوسياسية. وقد أدى ذلك إلى بقاء مستوى الثقة الاستراتيجية بين الفاعلين الإقليميين منخفضا، بحيث تكتسب الأزمات سريعا قابلية للامتداد من المستوى المحلي إلى الإقليمي، بل وحتى إلى المستوى الدولي.

ومن العوامل الأخرى الحضور والتدخل المستمران للقوى العابرة للإقليم. فالولايات المتحدة، باعتبارها أبرز قوة عسكرية وسياسية في الغرب خلال العقود الماضية، تعاملت دائما مع الشرق الأوسط باعتباره جزءا من هندستها للأمن العالمي. 

ومن منظور واشنطن، لا تقتصر أهمية المنطقة على موارد الطاقة، بل تشمل أمن إسرائيل، واحتواء المنافسين، وضمان حرية الملاحة البحرية. ولذلك، أصبحت القوات العسكرية الأمريكية، وشبكات القواعد الأجنبية، والتحالفات الأمنية في المنطقة، من العوامل التي تسهم في إعادة إنتاج التوترات.

وفي المقابل، أدى دخول قوى مثل الصين وروسيا، كل وفق مقاربته الخاصة، إلى زيادة تعقيد التنافس الجيوسياسي في المنطقة.

وإلى جانب هذه العوامل البنيوية، ينبغي الالتفات إلى الانقسامات الداخلية في الشرق الأوسط. فالمنطقة تعد من أكثر مناطق العالم تنوعا من حيث الهويات القومية، والدينية، والسياسية. وهذا التنوع ليس في حد ذاته سببا للأزمات، لكنه يتحول، في ظل ضعف مؤسسات الدولة وغياب آليات إدارة الخلافات، إلى أرضية للصراعات السياسية. 

ففي كثير من الحالات، تستثمر الهويات الوطنية والعابرة للحدود في إطار التنافس بين الدول، لتغذي الانقسام بدلا من تعزيز التقارب. ويؤدي ذلك إلى أن تتخذ الأزمات طابعا متعدد المستويات وشديد التعقيد، الأمر الذي يجعل تسويتها أكثر صعوبة.

ومن العوامل الأخرى التي تسهم في استمرار حالة عدم الاستقرار، طبيعة الدول الريعية في عدد من بلدان المنطقة. فالاعتماد الكبير على العائدات النفطية أدى، في بعض الحالات، إلى نشوء دول تستمد شرعيتها ليس من كفاءة مؤسساتها أو من نظامها الضريبي، بل من قدرتها على توزيع الريوع المالية. 

ويؤدي هذا النموذج، على المدى البعيد، إلى إضعاف مؤسسات المجتمع المدني، وتقليص مستوى المساءلة السياسية، وزيادة الهشاشة البنيوية للدولة. كما يجعل هذه الدول أكثر عرضة للتأثر بالصدمات الداخلية والخارجية، ويحد من قدرتها على إدارة الأزمات.

ويتمثل عامل مهم آخر في أمننة السياسة في المنطقة. ففي كثير من دول الشرق الأوسط، يخصص جزء كبير من الموارد الاقتصادية للقطاعات الأمنية والعسكرية. 

ورغم أن ذلك يأتي استجابة لتهديدات حقيقية، فإنه يؤدي، على المستوى الكلي، إلى نشوء حلقة مفرغة من الأمننة – عدم الاستقرار – مزيد من الأمننة. ففي هذه الحلقة، تتحول كل أزمة جديدة إلى مبرر لزيادة الإنفاق الأمني، وهو ما يتم على حساب فرص التنمية الاقتصادية.

وعلى مستوى النظام الدولي، ينبغي الالتفات إلى التحول في طبيعة التنافس بين القوى الكبرى. ففي النظام العالمي الذي أعقب الحرب الباردة، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، لم يعد التنافس مقتصرا على المجال العسكري، بل امتد إلى المجالات الاقتصادية، والتكنولوجية، والشبكية. 

وفي هذا السياق، تحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس متعددة الأبعاد، تتداخل فيها أهمية الطاقة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، وممرات النقل، والنفوذ السياسي في آن واحد. وقد أدى هذا التداخل إلى أن تراجع التوتر في أحد هذه المجالات لا يعني بالضرورة انخفاض مستوى الصراع بصورة عامة.

ولا بد من الإشارة إلى حقيقة أساسية، وهي أن استمرار الصراعات في الشرق الأوسط هو نتاج التفاعل المعقد بين البنى الداخلية والبيئة الدولية. فالمنطقة تقع في موقع يتمتع، من حيث الموارد الطبيعية، والموقع الجيوسياسي، والانقسامات السياسية والاجتماعية، بقدرة كبيرة على التحول إلى ساحة للتنافس. ومن ثم، فإن أي تحليل يقوم على عامل واحد فقط، لا يمكنه أن يقدم صورة دقيقة عن الواقع.

ويمكن القول إن الشرق الأوسط عالق في فخ بنيوي متعدد المستويات، وهو فخ تعيد إنتاجه ثلاثة مستويات في الوقت نفسه: المستوى الدولي، المتمثل في تنافس القوى الكبرى ومنطق أمن الطاقة. والمستوى الإقليمي، المتمثل في غياب بنية مستقرة للأمن الجماعي. والمستوى الداخلي، المتمثل في الهشاشة المؤسسية، والاقتصاد الريعي، والانقسامات الهوياتية.

ولا تعمل هذه المستويات بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل بصورة مستمرة، الأمر الذي يجعل كل أزمة جديدة لا تحل، وإنما تضاف إلى طبقات الأزمات السابقة.

ومن هذا المنطلق، فإن إخراج الشرق الأوسط من دائرة الصراع لا يتطلب مجرد خفض مؤقت للتوترات، بل يستلزم إعادة تعريف قواعد اللعبة. وتشمل هذه العملية عدة تحولات أساسية:

أولا، التوجه نحو إنشاء منظومة إقليمية للأمن الجماعي قادرة، على الأقل، على ترسيخ قواعد عدم التدخل وإدارة الخلافات.

ثانيا، تقليص الاعتماد المفرط للاقتصاد السياسي في المنطقة على الريوع النفطية، والانتقال تدريجيا نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز المؤسسات الخاضعة للمساءلة.

ثالثا، إدارة تنافس القوى الخارجية عبر أطر متعددة الأطراف، بدلاً من التدخلات الأحادية أو الصراعات بالوكالة.

المصدر: موقع ديبلماسي إيراني