2026-07-24 04:27 م

ترحيل الرئاسيات... واستثناء القدس | الانتخابات التشريعية الفلسطينية: نحو إعادة إنتاج الانقسام

2026-07-24

لم يكن قرار رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الدعوة إلى إجراء انتخابات «المجلس التشريعي» في 28 تشرين الثاني المقبل، خارج إطار الاشتراطات الأوروبية والأميركية على «أبو مازن»، خصوصاً بعد تعثّر مشروع إجراء انتخابات «المجلس الوطني» لـ«منظمة التحرير»، والذي لم يحظَ بأيّ قبول باعتباره غير كافٍ لتجديد شرعية مؤسسات السلطة. وينصّ المرسوم الرئاسي على إجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه يتجنّب الإجابة عن السؤال الأكثر تعقيداً، والمتعلّق بآلية تنظيم الاقتراع في القدس؛ علماً أن تلك العقدة هي نفسها التي استند إليها عباس عام 2021 لإلغاء الانتخابات قبل أسابيع من موعدها، وذلك بعدما رفض الاحتلال السماح بإجرائها داخل المدينة. أيضاً، ترك المرسوم موعد الانتخابات الرئاسية مفتوحاً، مكتفياً بالإشارة إلى عقده خلال الربع الأول من العام المقبل، في ما يبدو محاولة لاختبار المزاج الشعبي عبر الانتخابات التشريعية أولاً، قبل الانتقال إلى استحقاق الرئاسة، والذي قد يعيد رسم موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني.

وكان عباس أجرى، قبل إصدار المرسوم، تعديلات واسعة على قانون الانتخابات، حملت أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي. وإذ رفعت تلك التعديلات عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200، فإنها خفّضت سنّ الترشح إلى 23 عاماً، وزادت نسبة تمثيل المرأة، مع اشتراط ألّا يقلّ عدد مرشّحي كلّ قائمة عن عشرين، وإلزام المرشحين بالالتزام ببرنامج «منظمة التحرير» السياسي وقرارات «الشرعية الدولية». أمّا التعديل الأبرز، فتمثّل في خفض نسبة الحسم من 2% إلى 1%، بما يسمح بتمثيل عدد أكبر من القوائم الصغيرة داخل المجلس المقبل، إلى جانب اعتبار أعضاء «المجلس التشريعي» المنتخبين أعضاء حكميين في «المجلس الوطني» الفلسطيني، بما يمنح الانتخابات بعداً يتجاوز تشكيل البرلمان إلى إعادة تكوين مؤسسات «منظمة التحرير» نفسها.
ورغم تقديم هذه التعديلات باعتبارها توسيعاً للمشاركة السياسية، فإن رفع عدد المقاعد وخفض نسبة الحسم قد يسهمان في تشتيت الأصوات وتعويم النتائج وإضعاف فرص تشكّل كتل وازِنة داخل المجلس. كما أن استمرار اشتراط الالتزام بالبرنامج السياسي لـ«منظمة التحرير» يثير تساؤلات حول مدى اتساع هامش التعددية السياسية، وما إذا كانت المنافسة ستدور بين برامج متباينة فعلاً، أم أنها ستتحوّل إلى سباق بين شخصيات وقوائم محلية. ولا تقتصر تداعيات التعديلات على البعد السياسي؛ إذ إن رفع عدد أعضاء المجلس إلى 200 نائب يفرض أعباء مالية وإدارية إضافية، سواء على مستوى تنظيم العملية الانتخابية أو إدارة المجلس الجديد.
ويأتي هذا في وقت تبدّدت فيه رهانات قطاعات واسعة من النخب السياسية، كانت تدفع نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، باعتباره المدخل الحقيقي لتجديد الشرعية وإنهاء حال الجمود السياسي المستمرة منذ أكثر من عقدين. فالإبقاء على الانتخابات التشريعية، وتأجيل تلك الرئاسية، يطرحان علامات استفهام حول مدى قدرة هذا المسار على إحداث تغيير فعلي في بنية السلطة، كونه يديم مركز الثقل الحقيقي للنظام السياسي في مؤسسة الرئاسة، أي يبقى محصوراً في «أبو مازن» نفسه. وتزداد هذه التساؤلات ثقلاً في ظلّ غياب توافق وطني على قواعد العملية الانتخابية؛ إذ لا تزال القوى الفلسطينية تختلف حول شروط الترشّح وطبيعة المرحلة المقبلة، فيما يحذر مراقبون من أن بعض القيود القانونية قد تدفع نحو مزيد من الإقصاء السياسي، بما من شأنه إعادة إنتاج الانقسام القائم بدلاً من تجاوزه.
ومع ذلك، لا تبدو التعديلات القانونية كافية وحدها لضمان مخرجات انتخابية مريحة لعباس وحركة «فتح»؛ إذ تدخل الأخيرة الاستحقاق وهي تعاني من انقسامات داخلية وتعدد في مراكز القوى، وهو ما يرفع احتمالات ظهور أكثر من قائمة «فتحاوية» منافسة. وكانت هذه الخلافات برزت خلال «المؤتمر الثامن» للحركة وبعده، مع مقاطعة عضوَي «اللجنة المركزية»، جبريل الرجوب ومحمود العالول، اجتماعات اللجنة، احتجاجاً على آلية توزيع المفوضيات عقب تعيين حسين الشيخ نائباً لرئيس الحركة.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الأسير مروان البرغوثي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في حسابات القيادة الفلسطينية. فالرجل يتمتّع بحضور جماهيري واسع داخل الحركة، وسط توقّعات بإمكانية خوضه الانتخابات الرئاسية أو دعم قائمة تشريعية مستقلة إذا ما استمرت الخلافات «الفتحاوية»، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى فيها. وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قالت إن البرغوثي لا يزال أحد أبرز الفاعلين في الساحة الفلسطينية، رغم اعتقاله منذ عام 2002، مشيرة إلى أن الرجل حافظ على نفوذه داخل «فتح» عبر شبكة من المقرّبين، مع بقائه أحد أبرز الأسماء المطروحة لخلافة عباس.

ولا يقف الأمر عند البرغوثي، إذ يستعد تيار «الإصلاح الديمقراطي» بقيادة محمد دحلان لخوض الانتخابات عبر قائمة مستقلّة أو تحالفات وطنية، فيما تتحدث أوساط فلسطينية عن حراك يقوده الوزير السابق قدورة فارس، إلى جانب احتمال عودة ناصر القدوة إلى المشهد الانتخابي، بما يعزّز احتمالات ظهور أكثر من قائمة داخل البيئة «الفتحاوية».
وإلى جانب ما تَقدّم، تمثل «حماس» التحدي الخارجي الأبرز لـ«فتح»؛ إذ لا تزال تتمتّع بحضور شعبي مؤثر، خصوصاً في الضفة الغربية، وسط مؤشرات إلى أنها تدرس المشاركة بصورة مباشرة أو عبر دعم قوائم وطنية مستقلة وشخصيات تكنوقراطية تتوافق معها سياسياً، وهو ما من شأنه أن يزيد من تعقيد المشهد الانتخابي ويضاعف الضغوط على «فتح». وفي هذا السياق، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى سعي البرغوثي إلى الحفاظ على قنوات تواصل مع مختلف الفصائل، وفي مقدّمها «حماس»، انطلاقاً من قناعة بأن أيّ مشروع سياسي فلسطيني لن يكون قابلاً للحياة من دون شراكة وطنية واسعة، وهو ما يفسر، وفق الرواية الإسرائيلية، اهتمام «حماس» بإدراج اسمه في أيّ صفقة تبادل أسرى، والنظر إليه باعتباره شخصية قادرة على قيادة مرحلة سياسية جديدة.


أحمد العبد | الاخبار اللبنانية