ما زالت دولة الاحتلال تعاني من تبعات هجوم السابع من أكتوبر، لاسيما على صعيد الأجيال الاسرائيلية المقبلة، على اعتبار أن ما حصل لم يكن كارثة وطنية، بل لحظة انهيار، في لحظة واحدة، انهار الافتراض بأن الدولة تسيطر دائمًا، وأن الجيش على أهبة الاستعداد دائمًا، وأن الحكومة تهتم دائمًا بمواطنيها.
عميدة كلية الإدارة الحكومية، وعضو الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا، البروفيسورة نوعا لافي، أكدت أن "الجيل الاسرائيلي الجديد اختبر الشرخ الذي واجهته الدولة بشكل مباشر، ودفع ثمنًا باهظًا، بعد أن اعتقدوا أنهم وُلدوا في دولة بدت قوية وناجحة، وواثقة من نفسها، كونها تحوز على تكنولوجية عظمى، وجيش قوي، واقتصاد نامٍ، وعلاقات دولية متنامية، لكن قصة النجاح هذه حملت دائمًا في طياتها علامة استفهام، وجاء هجوم السابع من أكتوبر ليؤكد لهم أن إسرائيل لم تظهر كما أرادت أن تُصوّر نفسها".
وأضافت لافي في مقال نشره موقع "واللا"، وترجمته "عربي21" أن "هجوم حماس أظهر الجانب الآخر لإسرائيل، المتمثل بدولة غارقة في جولات من القتال، بحدود غير منتظمة، وعنف، وصواريخ، وأزمات سياسية، ومجتمع يواجه صعوبة متزايدة في إدارة النزاعات دون الانقسام لقبائل متنافسة، فيما واجه نظامها التعليمي صعوبة في عكس رؤية مدنية، أو لغة تمكّنه من التعامل مع الانقسامات العميقة في المجتمع الإسرائيلي".
اقرأ أيضا:
قراءة إسرائيلية: جيل ما بعد السابع من أكتوبر يعاني فقدان الثقة بالدولة والمؤسسات
وأكدت لافي أنه "بدلاً من ذلك، نشأ العديد من الشباب الإسرائيليين في واقع من الاستقطاب والريبة وفقدان الثقة في المؤسسات، في دولة خدم فيها رئيس وزراء واحد معظم حياتهم، إلى درجة لم يظهر فيها بنظرهم سياسي آخر، رغم ما عاشه هذا الجيل من حملات انتخابية لا تنتهي، وصراعات متواصلة، وأزمة ثقة مستمرة بين الجمهور ونفسه، وبين الجمهور وقادته، وظلت العديد من الأسئلة الجوهرية لإسرائيل دون إجابة: حدودها، وعلاقاتها مع الفلسطينيين، والعلاقة بين الدين والدولة، والعلاقة بين اليهود الأشكناز والسفارديم".
وأشارت الكاتبة إلى أنه "لسنوات طويلة، بدا أن معالجة هذه القضايا قابلة للتأجيل بنظر الجيل الاسرائيلي الصاعد، فطالما نما الاقتصاد، واستمرت الحياة، يمكن للتناقضات أن تبقى في الخلفية، صحيح أن إسرائيل أدارت الصراع مع الفلسطينيين، ولم تتزعزع صورتها، لكن السابع من أكتوبر لم يكن بالنسبة لهذا الجيل مجرد كارثة وطنية، بل لحظة تحطيم، في لحظة واحدة، انهار الافتراض القائل بأن الدولة تسيطر دائمًا، وأن الجيش جاهز دائمًا، أو على صواب دائمًا، وأن الحكومة تهتم دائمًا بجميع مواطنيها، وأن الصراع يمكن إدارته دون دفع ثمن باهظ".
وأضافت لافي أن "الشباب الاسرائيلي شاهدوا في هذا الهجوم هذه الدولة القوية مثل أطفال فاجأوا آباءهم في لحظة ضعف لا تُصدق، حيث انهار كل شيء تحت أقدامهم، ومنذ ذلك التاريخ، دفعهم هذا الشرخ لمسارات مختلفة، حيث اتجه بعضهم نحو القومية المتطرفة، والتطرف الديني، بل وينجذبون للأفكار الفاشية، فضلا عن طرحهم تساؤلات مهمة على من يكبرهم سناً وخبرة، ومنها هل يمكن بناء حياة مستقرة في إسرائيل، وهل يوجد فيها مستقبل اقتصادي وأمني، وهل ما زال الوعد الصهيوني الذي قُطع لهم بالأمن والازدهار والتقدم قائمًا؟".
وأوضحت الكاتبة أن "مثل هذه التساؤلات هي السبب في أن السؤال الذي يشغل بال الكثير من الإسرائيليين اليوم لم يعد مجرد تحديد المسؤول عن الهجوم، أو من سيفوز في الحرب القادمة، بل كيفية إعادة بناء الثقة في الدولة، وفي المؤسسات، وفي المجتمع، وفي المستقبل نفسه، إنه سؤال أعمق من أي حملة انتخابية أو عملية عسكرية، لأنه يتعلق بقدرة المجتمع على إعادة بناء نفسه بعد الأزمة، لأن الغضب والغرور لم يعد كافيًا".
ولفتت إلى أن "الجيل الاسرائيلي الجديد مطالب بإدارة خلافاته دون كراهية، مع تجاوز الانقسامات، والجنسيات، والقطاعات، والهويات، ليس لأن الخلافات غير حقيقية، بل لأن المجتمع لا يمكنه الاستمرار على المدى الطويل مدفوعا بالخوف والغضب والشك فقط، وهم يريدون العيش في دولة طبيعية، لا أن يُربّوا أطفالهم بين وابل من الصواريخ، ولا أن ينتقلوا من صدمة وطنية لأخرى".
وأكدت لافي أنه "بالنسبة لليهود، كان قيام إسرائيل تحقيقًا لحلم قديم، لكنه لم يحل أبدًا كل التناقضات والآلام التي وُلدت معه، ومثّل السابع من أكتوبر تذكيرًا قاسيًا بأن هذه التساؤلات والشروخ لا تزال قائمة".
تقدم هذه القراءة المتشائمة كشف حساب قاسي للجيل الإسرائيلي الذي عايش هجوم السابع من أكتوبر، وتبعات العدوان المستمر على القطاع، مما يعطي دلالات قوية على ان هذه النتائج ستبقى ترافقهم لسنوات قادمة.

