تتجدد الخلافات بين الأحزاب العربية داخل "إسرائيل" مع اقتراب انتخابات "الكنيست" (برلمان الاحتلال)، وسط تعثر الجهود الرامية إلى إعادة تشكيل قائمة عربية مشتركة. ويرى مراقبون أن استمرار الانقسام قد يؤدي إلى إهدار عشرات آلاف الأصوات العربية، ويمنح أحزاب اليمين المتطرف فرصة إضافية لتعزيز حضورها داخل الكنيست.
ورغم الضغوط الشعبية والسياسية، لا سيما في النقب وسخنين، لإنجاز وحدة انتخابية، فإن المفاوضات لا تزال تصطدم بخلافات سياسية واستراتيجية تتجاوز مسألة توزيع المقاعد.
خلافات في النهج السياسي
يقول المختص في الشأن العبري عدنان نعيم إن الأحزاب العربية "ما تزال غير قادرة على تشكيل قائمة عربية مشتركة، رغم وجود ضغوط جدية من الشارع العربي لإنجاز هذه الوحدة".
ويضيف لـ"قدس برس" أن الأزمة الحالية تعكس خلافات سياسية واستراتيجية عميقة بين مكونات العمل السياسي العربي، موضحاً أن الساحة السياسية العربية تضم أربعة مكونات رئيسية هي: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، والحركة العربية للتغيير (تعال)، والتجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، والقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس.
ويشير إلى أن المؤشرات الحالية تتحدث عن تقارب بين "حداش" و"تعال" و"بلد"، مقابل بقاء "الموحدة" خارج هذا التشكيل.
ويرى نعيم أن جوهر الخلاف يتمثل في النهج السياسي؛ إذ يتبنى منصور عباس سياسة براغماتية تنظر إلى القائمة المشتركة بوصفها تحالفاً انتخابياً يتيح له الانضمام بعد الانتخابات إلى أي ائتلاف حكومي، حتى لو كان بقيادة اليمين. في المقابل، ترفض بقية الأحزاب هذا التوجه، معتبرة أنه يمنح شرعية لحكومات تتبنى سياسات عنصرية بحق الفلسطينيين، وتتمسك بالبقاء في موقع المعارضة السياسية.
ويؤكد أن الخلاف يمتد أيضاً إلى ترتيب الأولويات، ففي الوقت الذي تركز فيه "الموحدة" على تحقيق مكاسب مدنية تتعلق بمكافحة الجريمة والإسكان والميزانيات، ترى بقية الأحزاب أن القضية الفلسطينية والحقوق القومية يجب أن تشكلا جزءاً أساسياً من أي برنامج سياسي.
مخاطر تشتيت الأصوات
ويحذر نعيم من أن عدم تشكيل قائمة مشتركة سيؤدي إلى تشتيت الأصوات العربية وظهور قوائم صغيرة قد لا تتمكن من تجاوز نسبة الحسم، ما يعني عملياً خسارة عشرات آلاف الأصوات وتقليص الوزن البرلماني للعرب داخل "الكنيست".
ويضيف أن رفع نسبة التصويت في المجتمع العربي إلى أكثر من 80 بالمئة قد يرفع حجم التمثيل العربي إلى نحو 20 مقعداً أو أكثر، بما يمنح النواب العرب قدرة أكبر على التأثير في تشكيل الحكومات وتعطيل بعض السياسات اليمينية.
ويرى أن استمرار الانقسام سيصب في مصلحة أحزاب اليمين المتطرف، ويزيد من فرصها في الحفاظ على أغلبية مريحة تتيح لها فرض سياسات أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين في الداخل والقضية الفلسطينية.
أزمة تتكرر في كل انتخابات
من جانبه، يقول المختص في الشأن العبري سليمان بشارات إن عدم التوافق بين الأحزاب العربية يمثل "مشكلة أساسية تتكرر في كل دورة انتخابية"، سواء تعلق الأمر بالمشاركة في الكنيست أو مقاطعتها أو بتشكيل قائمة موحدة.
ويضيف لـ"قدس برس" أن هذه القضية تتحول في كل انتخابات إلى أحد الملفات المركزية، إلا أن القوى الفلسطينية في الداخل تفشل في توحيد إطارها السياسي، رغم أن توحدها ضمن كتلة واحدة يمنحها قدرة وتأثيراً أكبر داخل المؤسسة التشريعية الإسرائيلية.
ويشير بشارات إلى أنه، رغم وجود محاولات خلال الدورة الحالية لتشكيل قائمة موحدة، فإن المشهد حتى الآن يعكس تغليب المصالح الفئوية والحزبية على حساب تشكيل كتلة تمثل الفلسطينيين في الداخل بصورة موحدة.
فرصة مهددة
ويتفق المختصان على أن الانقسام الحالي لا يهدد فقط حجم التمثيل العربي، بل قد يسهم أيضاً في إعادة إنتاج مشهد سياسي يمنح اليمين المتطرف أفضلية إضافية داخل الكنيست، في وقت تواجه فيه الحكومة الإسرائيلية تحديات داخلية وخارجية متعددة.
كما يحذران من أن انخفاض نسبة المشاركة وتشتيت الأصوات قد يؤديان إلى تقليص عدد المقاعد العربية، وفقدان القدرة على التأثير في تشكيل الحكومات أو تعطيل مشاريع القوانين التي تستهدف الفلسطينيين.
وفي المقابل، لا تزال هناك فرصة للتوصل إلى تفاهمات في ظل الضغوط الشعبية والجماهيرية المتزايدة، إلا أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بقدرة الأحزاب على تجاوز حساباتها الفئوية، والتوافق على برنامج سياسي مشترك يحافظ على الوزن البرلماني للعرب، ويحد من فرص اليمين المتطرف في توسيع نفوذه داخل الكنيست وفرض سياسات أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين.

