2026-06-07 02:14 ص

اضعاف السلطة الفلسطينية حتى الانهيار-شعار "الأمن المطلق" لتبرير التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية

2026-04-23

تسلّط دراسة صادرة عن معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، بعنوان: "انقلاب تصوري في يهودا والسامرة: أمن مطلق، حسم وفرض سيادة"، للباحثين أودي دكل وتامي كنر، الضوء على واقع يتشكل بوتيرة متسارعة في الضفة الغربية، واضعةً المجتمعين السياسي والأمني في "إسرائيل" أمام صورة كاشفة.
لا تتناول الدراسة مجرد تغييرات إجرائية أو توسعات استيطانية روتينية، بل ترصد "انزياحًا براداغيميًا" (Paradigm Shift) في فلسفة الحكم الإسرائيلي للمنطقة. ويجادل الباحثان بأننا بصدد عملية انتقال ممنهجة من نموذج "الاحتلال المؤقت" المحكوم بالضرورات العسكرية والاتفاقيات الدولية، إلى نموذج "السيادة المدنية الدائمة" المستند إلى رؤية أيديولوجية خلاصية.

وهذا التحول، الذي يُمرَّر تحت شعار "الأمن المطلق"، يمثل في جوهره تقويضًا للأسس التي قامت عليها الرؤية الأمنية الإسرائيلية التقليدية منذ عام 1967، ويضع "إسرائيل" في مسار تصادمي مع الحقائق الديموغرافية والسياسية الدولية، ما ينذر بتحولات جيوسياسية لا يمكن العودة عنها.

السياسة الحالية تحوّل الجندي من مقاتل استراتيجي إلى "حارس أمن"

يستهل الباحثان تحليلهما بنقد لاذع للطريقة التي تعيد بها الحكومة الحالية تعريف العلاقة العضوية بين الاستيطان والأمن. ففي حين كانت الحكومات السابقة تسوّق الاستيطان كحاجز دفاعي أو ورقة مساومة، يرى دكل وكنر أن الحكومة الحالية، وتحديدًا من خلال تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تتبنى سردية "الاستيطان كضرورة أمنية وجودية" لتجنب تقديم تفسيرات أيديولوجية قد تثير حفيظة المجتمع الدولي أو القضاء المحلي.

غير أن التناقض الصارخ يبرز عند مراجعة تحذيرات المستوى العسكري المهني؛ فالجيش الإسرائيلي يرى في انتشار المستوطنات والبؤر المعزولة "استنزافًا عملياتيًا" يفتت القوة القتالية ويشتت الانتباه عن الجبهات الخارجية.

يمكن القول إن تحذير رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير من "انهيار الجيش على نفسه" ليس مجرد استعارة، بل هو انعكاس للفجوة العميقة بين العقل السياسي الذي يسعى إلى تثبيت الأرض بأي ثمن، والعقل العسكري الذي يدرك أن حماية مئات النقاط المبعثرة تضعف الجاهزية للحرب الكبرى، وتحوِّل الجندي من مقاتل استراتيجي إلى "حارس أمن" لمزارع رعوية وبؤر غير قانونية، ما يزيد نقاط الاحتكاك ويستنزف موارد الدولة البشرية والمادية.

تُكرّس الدراسة نقاشها بالتحذير من استخدام الحكومة لمصطلح "الأمن المطلق" لتبرير التوسع الاستيطاني. ووفقًا للباحثين، فإن كاتس يروّج لفكرة أن تعزيز الاستيطان، خاصة في شمال الضفة، هو "مصلحة أمنية واضحة" وحزام حماية للدولة.

لكن الدراسة تفنّد هذا الادعاء عبر معطيات عسكرية "مقلقة"؛ إذ يرى المستوى الأمني أن الانتشار الواسع للمستوطنات والبؤر الاستيطانية العشوائية والمزارع الاستيطانية الرعوية يخلق عبئًا عملياتيًا هائلًا. 

وقد حذّر زمير مما وصفه بـ"عشرة أعلام حمراء"، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي قد "ينهار على نفسه" بسبب تمدد خطوط الدفاع وتوجيه قوات قتالية لحماية بؤر معزولة بدلًا من مكافحة الإرهاب وحماية العمق الإسرائيلي.

وقد أدى هذا الواقع إلى طمس الحدود بين القوة العسكرية النظامية والمدنيين المسلحين (فرق الطوارئ)، ما يضر بجاهزية الجيش لحالات الطوارئ الكبرى.

ماذا بعد إضعاف السلطة الفلسطينية؟

وتشرح الدراسة العلاقة بين خطة "الحسم" وإضعاف السلطة الفلسطينية. فوفقًا للدراسة، تتبنى السياسة الحالية لحكومة نتنياهو مبادئ "خطة الحسم" التي يروّج لها اليمين الأيديولوجي بقيادة الوزير بتسلئيل سموتريتش، وتهدف هذه الخطة إلى إضعاف السلطة الفلسطينية حتى الانهيار عبر عدّة مسارات:

الضغط المالي: احتجاز أموال المقاصة، حيث توقف تحويلها تمامًا منذ مايو/أيار 2025، ما جعل السلطة عاجزة عن دفع أكثر من 50–70% من الرواتب.

العقوبات الإدارية: فرض قيود على كبار المسؤولين ومنع العمال من دخول "إسرائيل".

ويحذّر الباحثان من أن هذا "الفراغ الحاكم" سيجبر "إسرائيل" على تحمل عبء أمني ومدني ثقيل لرعاية ملايين الفلسطينيين، كما يفتح الباب أمام مجموعات مسلحة لا تخضع للسلطة، أو ما وصفته الدراسة بـ"انقلاب الرماح"، حيث قد تتوجه الأجهزة الأمنية الفلسطينية بسلاحها ضد "إسرائيل" نتيجة اليأس والانهيار المؤسسي.

ينتقل المقال إلى تحليل ما تصفه الدراسة بـ"محور الاستيطان"، وهو المحور الأكثر خطورة في مساعي الحسم على الأرض. فالمعطيات الصادمة تشير إلى أن الحكومة بدأت في فبراير/شباط 2026 عملية "قلب للنظام القانوني" في المنطقة (C).

إن إلغاء القانون الأردني المتعلق بالأراضي وفتح السجل العقاري للشراء المباشر من قبل الإسرائيليين ليس مجرد إجراء تقني، بل هو إعلان سيادي صامت ينهي وضع المنطقة كأرض محتلة تخضع لقوانين الحرب والرقابة الدولية.

كما أن استثمار 2.7 مليار شيكل في البنية التحتية خلف الخط الأخضر، وإقرار إنشاء 34 مستوطنة جديدة في قرار واحد (ليصل المجموع إلى 102 مستوطنة منذ يناير/كانون الثاني 2023)، ليس مجرد استجابة لضغط المستوطنين، بل هو تطبيق حرفي لـ"خطة الحسم" التي وضعها اليمين الأيديولوجي.

وتهدف هذه السياسة إلى خلق واقع فيزيائي يجعل من المستحيل الحديث عن "استمرارية جغرافية" فلسطينية في المستقبل، ويحوّل القرى والمدن الفلسطينية إلى جيوب معزولة (Bantustans) في محيط من السيادة الإسرائيلية المدنية المؤسساتية، ما ينهي عمليًا أي أفق لحل الدولتين، ويضع "إسرائيل" أمام خيار وحيد: الدولة الواحدة.

تتوقف الدراسة بتمعّن عند محور "إضعاف السلطة الفلسطينية"، وتكشف عن استراتيجية خنق مالي وإداري متعمد بدأت ملامحه تتضح بجلاء مع نهاية عام 2025.

إن حجز أموال المقاصة ومنع العمال من العمل في الداخل يمثلان حكمًا بالإعدام البطيء على السلطة ككيان سياسي وإداري. ويحلّل دكل وكنر هذا التوجه بنظرة نقدية، محذّرين من أن غياب السلطة الفلسطينية لن يؤدي إلى خضوع الفلسطينيين كما يتوهم أصحاب "خطة الحسم"، بل إلى خلق "فراغ حاكم ستضطر إسرائيل إلى ملئه بدمائها وميزانيتها".

فالحقيقة أن اليمين الأيديولوجي يرى في انهيار السلطة فرصة لتنفيذ مرحلة "الحسم" النهائية وتهجير السكان، لكنه يتجاهل خطر "انقلاب الرماح"، أي تحول الأجهزة الأمنية الفلسطينية المدربة إلى العمل المسلح ضد القوات الإسرائيلية والمستوطنين نتيجة اليأس والانهيار المؤسسي.

وهذا السيناريو سيحوّل الضفة الغربية من ساحة تحت السيطرة إلى ساحة مواجهة مفتوحة تستنزف مقدرات "إسرائيل" الدفاعية لسنوات طويلة، وتلغي مكاسب التنسيق الأمني التي استمرت لعقود.

من النقاط الأكثر حساسية ونقدية في المقال تحليل العلاقة العضوية بين السياسة الرسمية وعنف المستوطنين. ترصد الدراسة زيادة بنسبة 27% في الجرائم القومية عام 2025، وتؤكد أن هذا العنف ليس "أعمالًا فردية" من فتية التلال، بل هو "نمط عمل منهجي" ومكمّل للسياسات الحكومية.

ويعمل هذا العنف كذراع غير رسمية لتهجير التجمعات الرعوية الفلسطينية وتوسيع السيطرة على مصادر المياه والأراضي الزراعية. ويتوجّه النقد إلى "الإنفاذ الانتقائي" للقانون، حيث تتماهى قوات الأمن وأحيانًا جنود الاحتياط من المستوطنين مع المعتدين، ما يؤدي إلى طمس الحدود بين الجيش (كممثل لسيادة الدولة) والمستوطن (كفاعل أيديولوجي مسلح).

قلق إزاء تهاوي "صورة إسرائيل" في العالم

ويرى الباحثان أن هذا الانصهار يقوّض الشرعية الأخلاقية لإسرائيل، ويقدّم للعالم صورة دولة تسمح لميليشيات مدنية بفرض سياساتها بالقوة، ما يسرّع إجراءات العزلة الدولية ويدعم الرواية التي تصف "إسرائيل" كدولة تمارس التمييز العنصري الممنهج.

تنتقد الدراسة بشدة التحول نحو توسيع صلاحيات الإنفاذ الإسرائيلية لتشمل المنطقتين (A) و(B) في مجالات المياه والبيئة والآثار. وهذا التطور ليس تقنيًا، بل هو استيلاء على ما تبقى من صلاحيات "الحكم الذاتي" التي نصّت عليها اتفاقيات أوسلو.

ومن خلال إصدار أوامر إسرائيلية مباشرة في قلب المدن الفلسطينية، تنهي "إسرائيل" التمييز الوهمي بين المناطق، وتعلن عمليًا أن سيطرتها لا تقتصر على الأمن، بل تمتد إلى الإدارة المدنية والحياة اليومية.

وهذا التمدد الإداري، وفقًا للدراسة، يخلق بنية حاكمة دائمة تتجاوز الحكم العسكري المؤقت، ويؤسس لواقع يكون فيه الفلسطيني خاضعًا لإدارة إسرائيلية مباشرة دون أن يمتلك أي حقوق سياسية، وهو ما يُعد تعريفًا كلاسيكيًا لأنظمة الحكم غير الديمقراطية.

خلاصة

تخلص الدراسة إلى استشراف مستقبلي قاتم في حال استمرار هذا "التحول المفاهيمي". إذ يرى الباحثان أن "إسرائيل" تقترب بسرعة من "نقطة اللاعودة"، حيث سيؤدي محو الحدود السياسية والإدارية في الضفة إلى فرض واقع "الدولة الواحدة" قسرًا.

وهذا المسار سيقود حتمًا إلى وصف "إسرائيل" دوليًا بدولة الفصل العنصري (Apartheid)، وهو ما بدأ يظهر في تصاعد الانتقادات الدولية وتجميد اتفاقات السلام.

كما تحذّر الدراسة من أن المراهنة على "الهدوء المخدّر" الناتج عن العمليات الأمنية الموضعية هي مراهنة خاسرة، إذ إن الضغط الديموغرافي والاقتصادي، إلى جانب غياب الأفق السياسي، سيولّد انفجارًا أمنيًا عالي الشدة لا يمكن احتواؤه بالوسائل التقليدية. وترى أن السياسة الحالية تضحّي بالأمن القومي بعيد المدى لصالح مكاسب أيديولوجية قصيرة المدى.

في ختام هذه القراءة، يظهر بوضوح أن دراسة معهد الأمن القومي الإسرائيلي ليست مجرد رصد أكاديمي، بل وثيقة تحذيرية من قلب المؤسسة الفكرية والأمنية.

إن التحول من "إدارة الصراع" إلى "حسمه" عبر الضم الزاحف وإضعاف السلطة الفلسطينية يضع "إسرائيل" في مواجهة تحديات وجودية تمس هويتها المُصطنعة كدولة "ديمقراطية" ومكانتها في المنظومة الدولية.

كما تؤكد الدراسة أن "الأمن المطلق" الذي ينشده اليمين هو وهم استراتيجي قد ينتهي بانهيار منظومة الأمن برمتها، وأن السيطرة على ملايين البشر دون حقوق سياسية تمثل وصفة لانفجار داخلي وعزلة خارجية.

وتخلص إلى أن الوقت يضيق أمام "إسرائيل" لاستعادة التمييز بين الضرورات الأمنية والطموحات الأيديولوجية، قبل أن يصبح الثمن غير قابل للدفع.

المصدر: الترا فلسطين | أنس أبو عرقوب