2026-03-10 05:35 م

أوروبا "المنقسمة" تلملم خياراتها بين غبار الحرب الإيرانية

2026-03-10

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي وجهه بنبرة انتقاد لبريطانيا (حليف بلاده العظيم سابقاً)، على حد وصفه، بعدما قررت أخيراً إرسال حاملتي طائرات إلى الشرق الأوسط، إلا تعبيراً صريحاً عن هوة الفجوة بين كلا البلدين وتباين نظرتهما الاستراتيجية في شأن الحرب، بعدما شهدت الأيام الأولى من جولة الصراع الراهن، مماطلة لندن في السماح باستخدام قواعدها العسكرية من قبل واشنطن ضمن حملتها العسكرية الواسعة بمشاركة إسرائيل على إيران، وهو موقف شاركتها فيه دول أوروبية عدة.

تصريحات ترمب التي وجهها لحكومة "العمال" البريطانية عبر منصته "تروث سوشيال"، بعد دقائق من إشرافه أول من أمس السبت على مراسم قصيرة بقاعدة أميركية لإعادة جثامين جنود بلاده الستة الذين قتلوا في الحرب، قال فيها "لا ‌بأس يا رئيس الوزراء (كير) ستارمر، لسنا في حاجة ‌إليهما (حاملتي الطائرات) بعد الآن، لكننا لن ⁠ننسى... لسنا ⁠في حاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعدما نحقق فيها الانتصار بالفعل!"، عكست عمق التحولات التي بات عليها التحالف البريطاني الأميركي، وهو التباين الذي بدا واضحاً بصورة أكبر على صعيد التعاطي الأوروبي مع هذا التصعيد غير المسبوق في الشرق الأوسط، بين الحذر ورفض الدعم أو المشاركة، قبل أن تتحول مواقف البعض تدريجاً إلى إقرار المشاركة في العمليات الدفاعية من دون الانخراط في الحرب.

ومع تصاعد وتيرة الحرب واتساع رقعتها يوماً بعد يوم، تجد دول القارة العجوز نفسها أمام اختبار سياسي واستراتيجي معقد، فبينما يحاول بعض الدول الحفاظ على توازن دقيق بين دعم الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، تبرز تباينات متزايدة في مقاربة الأزمة وحدود التصعيد، وهو ما لا يعكس فقط اختلافاً في تقدير الأخطار، بل مؤشراً إلى عمق التحولات في طبيعة الشراكة عبر الأطلسي، بخاصة في ظل مسعى أوروبي إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية لمواجهة تقلبات الإدارات الأميركية، مما يطرح تساؤلات أوسع حول حدود التنسيق الغربي ومستقبل العلاقة الأوروبية - الأميركية في ظل تحولات المشهد الدولي.

حسابات أوروبية معقدة ومتشابكة
على غير جولات الانخراط العسكري الأميركي سابقاً في منطقة الشرق الأوسط طوال العقود الماضية، جاء غياب التنسيق والتشاور المسبق بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين في شأن الحرب على إيران، وأهداف التحرك العسكري وحدود التصعيد في شأنه، لتشكل سابقة أولى، يقول المراقبون إنها ستكون لها ما بعدها.

فالحلفاء الأوروبيون لواشنطن الذين نأوا بأنفسهم، وفق ما أعلنوا عند شن الولايات المتحدة وتل أبيب لأولى ضرباتها قبل أكثر من أسبوع على إيران، وجدوا أنفسهم على الهامش بعيداً من صناعة القرار المباشر، مما جعلهم عاجزين عن التأثير في مسار الأحداث، ولكنهم في الوقت نفسه مضطرون إلى الحفاظ على مصالحهم الأمنية والدفاعية، وسط عالم تتراجع فيه القواعد الدبلوماسية التقليدية التي كانت تحكم العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبينما اتسم أول التصريحات وردود الفعل الأوروبية بالتباين الشديد بين الحذر والدعوات إلى العودة للدبلوماسية، لا سيما من جانب دول كفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، في مقابل ما اعتبرته ألمانيا عبر مستشارها فريدريش ميرتس بأن الرئيس ترمب يقوم بما لا تستطيع أوروبا القيام به.

هذه التباين والتناقض وفي بعض الأحيان الصدمة التي أظهرتها المواقف الأوروبية، فسرها مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشؤون الأوروبية السفير جمال بيومي قائلاً إن المشهد الراهن في المنطقة شديد التعقيد على كافة الأطراف الفاعلة على المستوى الدولي، معتبراً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن ما يحدث الآن "لا يمكن تسميته سياسة دول، وإنما سياسة أفراد يتقدمهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يملك مصلحة مباشرة في استمرار هذه الحرب، فضلاً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي عاد إلى البيت الأبيض بصورة أكثر راديكالية في التعاطي مع القضايا الدولية، ومن بينها السعي إلى الانخراط في الحروب وإثارة التوترات".

وقال بيومي إن من أجل فهم "ديناميكية تصاعد وتيرة الصراعات والحروب على المستوى الإقليمي والدولي في الفترة الأخيرة، لا بد من إدراك حجم معادلة تأثير صناعة السلاح والتسليح على صانع القرار الدولي بشقه السياسي، وهو ما حذر منه سابقاً رؤساء أميركيون سابقون مثل دوايت أيزنهاور"، معتبراً أن غالب التدخلات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الماضية يمكن تفسيرها من منظور "صناعة السلاح والترويج للحرب"، وهو ما يمكن قراءة الحرب الراهنة على إيران من خلالها.

وفي شأن الموقف الأوروبي والانقسام الحادث تجاه الحرب الإيرانية، ذكر بيومي أنه "بالنسبة إلى الأوروبيين يبقى الأمر شديد التعقيد، سواء من حيث فهم بنية التكتل الداخلية ذاتها، أو على مستوى إدراك المصالح الوطنية المتباينة بين كل دولة وأخرى، مما تعمق في السنوات الأخيرة، وبدأت تنعكس تظاهرة في التعاطي الأميركي مع القارة العجوز"، مشيراً إلى أن أوروبا بالنسبة إلى القضايا الكبرى الدولية والعالمية يمكن توصيفها بأنها "عملاق اقتصادي وقزم سياسي".

وتابع بيومي، "ما شهدنا من حجم التباين في الرؤى واتساع هوة الاختلافات في شأن القضايا الدولية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين بصورة عامة، ولندن على وجه الخصوص، قاد إلى ما يمكن تسميته تبادل المراكز والأدوار، إذا شاهدنا للمرة الأولى انخراطاً أميركياً مباشراً في منطقة الشرق الأوسط، من دون تنسيق أو تشاور أو حتى مشاركة من الحليف البريطاني الذي كان حليفاً كلاسيكياً لواشنطن في مثل هذه التحركات، وبدلاً من ذلك فضلت الولايات المتحدة تل أبيب لمشاركتها العملية بدلاً من لندن".

ولفهم هذه التحولات أوضح بيومي، "عند النظر إلى هذه التغيرات على مستوى التعاطي الأميركي في السياسة الخارجية، سواء الدولية أو تلك المتعلقة بالشرق الأوسط، لا بد من النظر إلى التحولات الداخلية التي شهدتها لندن خلال السنوات الماضية، وذلك على خلاف مواقف بلدان أخرى تلتزم الحذر والتريث في مثل هذه الانخراطات، كما هي الحال بالنسبة إلى فرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا، أو غيرها"، مضيفاً "السؤال الكبير الآن المطروح هو كيف يوازن حلفاء واشنطن التقليديون في أوروبا بين مصالحهم التي باتت مهددة بصورة كبيرة مع توسع وتمدد رقعة الصراع في المنطقة وعلاقاتهم مع الأميركيين؟".

من جانبه ذكر المتخصص في العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية في القاهرة الدكتور توفيق أكليمندوس أنه "ما من شك أن توتر العلاقات على ضفتي الأطلسي بين ترمب وحلفاء بلاده الأوروبيين لم يبدأ في الحرب الإيرانية الراهنة، إذ إن هناك جروحاً وتوترات عميقة حركتها سياسات الرئيس الأميركي تجاه حلفائه الأوروبيين منذ عودته للبيت الأبيض، والتي من بينها موضوع جزيرة غرينلاند والحرب الروسية - الأوكرانية وضمان الأمن الأوروبي وملف التعريفات الجمركية، وغيرها من الملفات الشائكة".

وتابع أكليمندوس في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "إلى جانب هذا الأمر ينبغي النظر إلى كل دولة على حدة ومصالحها الوطنية وتشابكات سياساتها الداخلية، فعلى سبيل المثال يمكن قراءة التردد البريطاني في التعاطي مع المطالبات الأميركية، سواء لاستخدام قواعده العسكرية أو المشاركة في الحشد العسكري بأية وسيلة كانت، من خلال النظر إلى تاريخ انخراط المملكة المتحدة عسكرياً في منطقة، والذاكرة الأليمة لحزب العمال الحاكم في الوقت الراهن، عند مشاركته في غزو العراق وأفغانستان في مطلع الألفية الحالية، وقت أن كان توني بلير رئيساً للوزراء، ومدى تأثر سمعة بريطانيا داخلياً وخارجياً جراء هذه المشاركة".

وأوضح أكليمندوس، "إلى جانب الحسابات التاريخية المعقدة لدى حزب العمال البريطاني في شأن الانخراطات العسكرية في المنطقة، علينا ألا نغفل جوانب أخرى، وهي ممثلة في حال الجيش البريطاني في الوقت الراهن التي ليست كما كانت في فترات سابقة، فضلاً عن القاعدة الانتخابية للحزب في الداخل، والتي تضم جاليات عربية وإسلامية كبيرة، وقد ينعكس أي قرار سلباً على هذه الأمور".

وفي شأن مواقف الدول الأوروبية الأخرى والانقسام الحادث بينها، تابع أكليمندوس، "الأمور أصبحت شديدة التعقيد بالنسبة إلى الدول الأوروبية، فعلى سبيل المثال، على رغم التردد والحذر الفرنسي في التعاطي مع تأييد أو رفض الحرب الراهنة، فإنهم أصبحوا مضطرين إلى التعامل معها، لا سيما مع وجود اتفاقات دفاع مشترك مع بعض الدول الخليجية، وهو ما يدفعهم إلى الانخراط، وإن في العمليات الدفاعية، فضلاً عما حدث في استهداف بعض القواعد في قبرص، وهو ما يستدعي دخول وإن كان بطريقة مختلفة".

وبحسب المراقبين، فإن عدداً من القادة الأوروبيين، وعلى رغم موقفهم المحايد من الضربات، أيدوا بعض الأهداف الأميركية المعلنة، مثل منع إيران من الحصول على أسلحة نووية والحد من قدراتها الصاروخية، بل إن بعضهم رحب بالقضاء على المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.

وكان لافتاً أنه من بين قادة أوروبا ظهر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كأبرز خصوم الرئيس الأميركي ترمب في أوروبا، إذ بينما تجنب معظم قادة القارة العجوز الصدام المباشر مع ترمب، اختار سانشيز مساراً مختلفاً، موجهاً انتقادات علنية لسياسات واشنطن، لا سيما في الشرق الأوسط، مما جعله أحد أبرز الأصوات الأوروبية المعارضة لترمب. وحذر سانشيز من أن الحرب قد تدفع المنطقة إلى دوامة من التصعيد، معتبراً أن بعض القادة يستخدمون "ضباب الحروب لإخفاء إخفاقاتهم"، بينما تستفيد منه قلة قليلة "عندما يتوقف العالم عن بناء المستشفيات ليبدأ في تصنيع الصواريخ".

ولفهم حسابات الموقف الإسباني، ذكر المراقبون ممن تحدثوا لـ"اندبندنت عربية"، أنها لم تكن قاصرة على الحرب الدائرة على إيران. وقال توفيق أكليمندوس، "بالنسبة إلى مدريد فإن الأمر مرتبط بصورة أكبر بالحكومة يسارية الهوى الحاكمة الآن، وحجم التباين طوال الفترة الماضية في إدارة الرئيس ترمب منذ عودته للبيت الأبيض، وهو أمر مختلف عن باقي القوى الأوروبية الفاعلة". ومن بين تلك الملفات الخلافية كان رفض إسبانيا زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ضمن مظلة حلفة شمال الأطلسي، مما دفع ترمب إلى اتهام مدريد بالسعي إلى "الاستفادة المجانية"، ملوحاً بفرض رسوم جمركية عليها.

الموازنة بين المصالح الأوروبية والأميركية
على رغم أن التعاطي الأوروبي الحذر مع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عكس تحدياً مستمراً لدول القارة العجوز للحفاظ على توازن بين الدفاع عن المبادئ الدولية والحاجة إلى حماية المصالح الحيوية، مع إصرار الولايات المتحدة التحرك ضمن مسارات غير تقليدية وإجراءات أحادية، فإنها عكست كذلك كيف بات حلفاء واشنطن التقليديون في موقع المراقب أكثر من كونهم شركاء فاعلين، في وقت تتزايد فيه الأخطار على الاستقرار الإقليمي والدولي.

وبعكس دول أوروبية عدة، كان موقف بريطانيا وتعاطيها مع الصراع المتسع في الشرق الأوسط أكثر إرباكاً، وذلك بسبب علاقاتها المتميزة مع الولايات المتحدة وحضورها الفاعل تاريخياً في مثل هذه الأحداث، إلا أنها وجدت نفسها في موقع حساس بين الدفاع عن مصالحها وحماية قواتها في المنطقة، وبين تجنب الدخول المباشر في صراع قد تكون له تبعات خطرة.

يقول الباحث المتخصص في الشؤون الأميركية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو عبدالعاطي إن "التحالف الأوروبي – الأميركي، وعلى وجه الخصوص البريطاني - الأميركي، شهد تغيرات كبيرة خلال إدارة دونالد ترمب الراهنة، وذلك بسبب سياسة الرئيس الأميركي غير التقليدية تجاه حلفائه، مما أدى إلى توترات كبيرة في العلاقات بين الطرفين"، موضحاً في حديثه معنا أن "أزمة العلاقة ظهرت بصورة خاصة في التعامل مع الحرب الروسية - الأوكرانية، والتي تعد تهديداً للأمن الأوروبي، إذ لم تقدم الولايات المتحدة الدعم الذي توقعته أوروبا مع ما أظهرته إدارة ترمب من ميل إلى روسيا"، مشيراً إلى أن الدول الأوروبية، ومن بينها بريطانيا، باتت تدرك حقيقة أن "الأمن الأوروبي لم يعد أولوية أميركية في عهد الرئيس ترمب، وأن الأولوية ترتبط بالمصالح الأميركية حصراً، من دون أي اعتبار آخر".

وعلى رغم عمق التباين الأوروبي واختلاف المواقف ذكر عبدالعاطي أن "قراءة هذه المواقف تعكس رغبة غالبية دول القارة العجوز الفاعلة لتحقيق توازن في علاقتها مع واشنطن، مع تجنب الانخراط في حروب، بخاصة في منطقة الشرق الأوسط، والتركيز على الدفاع عن مصالحها"، مضيفاً "من وجهة النظر الأوروبية فإن الحرب الإيرانية تبقى حرب اختيار وليست حرب ضرورة، وهو ما يجعلها مختلفة عن العمليات العسكرية الأخرى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط".

وأوضح عبدالعاطي، "هذه الحرب مختلفة عن الحروب الأخرى، وذلك لمجموعة من الأسباب، أولها غياب الشرعية القانونية الدولية لها، إذ بعكس حروب أفغانستان أو العراق أو حتى الحرب على الإرهاب والتنظيمات المتطرفة في العقد الماضي، والتي كانت تحظى ببعض من الإجماع والتوافق الدولي عليها، فإن الحرب الراهنة عكس ذلك، وكان الأوروبيون يفضلون المسارات السياسية والدبلوماسية لحل الملفات الخلافية والعالقة مع طهران، وليس عبر الوسائل العسكرية". وتابع، "الأمر الآخر هو ذلك المرتبط بعدم تنسيق الإدارة الأميركية المسبق مع الحلفاء الأوروبيين في شأن الحرب على إيران، وذلك في تحول كبير عما كان يحدث في السابق"، معتبراً أن فكرة الدخول أو الانخراط الأوروبي المباشر بأي صورة أو تحت أي مسمى "ستعتمد بالأساس على مدى تهديد المصالح الأوروبية وتأثير الهجمات الإيرانية فيها"، وأنه خلاف ذلك ستبقى الدول الأوروبية على مساحة من السياسة الأميركية في هذا الشأن، من دون الانخراط المباشر في الحرب.

من جانبه يقول مدير المركز العربي للبحوث والدراسات هاني سليمان إن "حالة الانقسام الأوروبي من الحرب مدفوعة بجملة محددات واعتبارات، أولها أن هناك مساحة وفجوة كبيرتين من الخلاف ما بين الدول الأوروبية وواشنطن نتاج سياسات ترمب ضد القارة العجوز، فضلاً عن أن مسألة إيران معقدة ومتشابكة بصورة كبيرة، مع تفضيلهم المسارات السياسية والدبلوماسية على العسكرية للتعاطي مع تلك الأزمة"، موضحاً في حديثه معنا أن "الأوروبيين، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، يتخوفون من الارتدادات العكسية الكبيرة التي قد تخلفها تبعات الحرب ليس فقط على الداخل الإيراني، وإنما في عموم المنطقة".

ووفق سليمان، فإن "الرؤى الأوروبية ترفض مسألة أي اضطراب سياسي واسع أو فوضى في إيران بسبب الحرب، قد يخلق سيناريوهات كارثية، ليس فقط على إيران، ولكن عموم الإقليمي، بالتالي فإن ارتدادات ما يحدث قد تعيد تنامي ظاهرة العنف أو نمو الجماعات الإرهابية، فضلاً عن تهديد طويل الأمد لمراكز الطاقة والغاز بالمنطقة، وهو ما تخشى منه هذه الدول"، مضيفاً أنه "على رغم أن الدول الأوروبية لا تزال لديها قدرة على الموازنة بين مصالحها وعدم الانجرار في الحرب، فإن هذه المسألة تبقى شديدة الحساسية والتعقيد، لا سيما مع رغبة الرئيس الأميركي المستمرة في الحصول على مواقف واضحة لا تردد فيها".

وبمنح دول مثل بريطانيا وفرنسا إذناً باستخدام القواعد العسكرية، فضلاً عن المشاركة في إجراءات دفاعية محدودة الهدف، بحاملات طائرات أو طائرات مقاتلة، "يضع هذا المزيج من الدفاع النشط والتجنب الحذر للدخول في الصراع الدول الأوروبية أمام اختبار دقيق لقدرتها على الموازنة بين الأمن القومي والإقليمي وحماية مصالحها، وسط عالم أصبح مليئاً بالتصعيد العسكري غير المتوقع من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل"، وفق سليمان، معتبراً أن "الدول الأوروبية ربما ركزت على أهمية التنسيق مع الولايات المتحدة لضمان أن يبقى أي تدخل لها محدوداً ويتماشى مع القانون الدولي، من دون الانخراط في هجوم مباشر على الأراضي الإيرانية".

وتعمل القوى الأوروبية الآن على تعزيز دفاعاتها الجوية وتنسيق جهودها مع الحلفاء في المنطقة، إلا أن ألمانيا وبريطانيا وفرنسا شددت على أن أية مشاركة في العمليات ستقتصر على "الأهداف الدفاعية المحددة"، لمنع الهجمات الإيرانية المستمرة على القواعد العسكرية الأوروبية أو على مصالح حلفائها.

أي تأثير في التحالف مع واشنطن؟
أمام ذلك المشهد المعقد، سواء على صعيد الإقليم أو بالنسبة إلى الدول الأوروبية، تثار أسئلة ليس فقط حول مدى استعداد الدول الأوروبية لتوسيع دورها الدفاعي أو اتخاذ إجراءات هجومية في المستقبل في تلك الحرب، حال استهداف مصالحها، ولكن إلى ما هو أبعد من ذلك بما يشمل مستقبل التحالف الغربي في حد ذاته والشراكة عبر ضفتي الأطلسي، لا سيما بعدما أظهرت جولة الصراع الراهنة أن حلفاء واشنطن الأوروبيين لم يُستشاروا بصورة كافية قبل الضربات، مما عمق "عدم الثقة" المتزايدة بينهما.

ويقول السفير جمال بيومي إن الرئيس الأميركي ترمب، ومنذ عودته للبيت الأبيض العام الماضي، وهو يناصب العداء "للحلفاء والخصوم معاً"، وهو أمر ترك فجوة عميقة في التحالف الغربي التقليدي بصورته المعروفة، ورأيناه فيما يتعلق بملف الحرب الروسية - الأوكرانية التي يسعى إلى حلها على حساب الأوروبيين، أو ملفات التعريفات الجمركية وجزيرة غرينلاند الدنماركية. وتابع، "تهاوي الموقف الأوروبي وتحوله من دور الفاعل المؤثر إلى دور المراقب، أظهرا الخلل البنيوي في التكتل الأوروبي على الجانب السياسي، مع تأكيد علو المصالح الوطنية لكل بلد على حساب أي اعتبارات أخرى".

ووفق بيومي فإن "هناك تساؤلاً كبيراً في الداخل الأوروبي الآن، على رغم وجود توافق ما في شأن بعض أهداف الحرب على إيران، وهو من له المصلحة الكبرى في الصراع الدائر الآن، وأي الطرق كانت قد تكون ملائمة لحله بدلاً من جر المنطقة إلى دائرة جديدة من العنف بعدما وسعت إيران من خلالها ردها على الضربات الأميركية والإسرائيلية من دائرة استهدافاتها في الإقليم".

من جانبه اعتبر توفيق أكليمندوس أن "الوقت لا يزال مبكراً لمعرفة حجم التباين الذي أصاب التحالف الأميركي - الأوروبي"، مشدداً في الوقت ذاته على أن مسار العلاقات بين الطرفين في الفترة الأخيرة والآن يشير إلى أنهما "يتحركان في هذا الاتجاه"، بعدما عقدت الخلافات هذه العلاقة وخصمت في جوانب كثيرة منها من "حجم الثقة المتبادلة"، على حد تعبيره.

واعتبر أكليمندوس أنه حتى مع احتمال تدخل بعض الأطراف الأوروبية في الحرب الراهنة، وإن بصور مختلفة، فسيكون الأمر نابعاً بالأساس "من العمل على حفاظ مصالحهم الوطنية مع الوفاء بالتزاماتهم تجاه الدول الخليجية، وليس تجاه الولايات المتحدة والرئيس ترمب".

بدوره اعتبر عمرو عبدالعاطي أن "الشرخ داخل المعسكر الغربي موجود وقائم منذ فترة، لا سيما مع تنامي أفكار كبرى داخل القارة العجوز، كالاستقلالية الأمنية الأوروبية، والعمل على تشكيل قوى أمنية ودفاعية أوروبية للحفاظ على مصالح دولها، فضلاً عن تحرك دول بصورة منفردة لتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية وزيادة الإنفاق الدفاعي، مما يعني مزيداً من المؤشرات إلى تغيرات سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية مرتقبة على الصعيد الأوروبي".

وتابع عبدالعاطي، "تؤشر التطورات الأخيرة في العلاقات بين ضفتي الأطلسي إلى تنامي اللهجة الأوروبية بالاستقلالية عن الولايات المتحدة، إلا أن مدى سرعة تحقيق ذلك أو قدرتهم من الأساس عليه يبقى محل تساؤل ونقاش حتى الآن"، معتبراً أن "هذا المزيج من التوتر والتحفظ في القضايا الحيوية يعكس التحديات التي تواجه أوروبا في الحفاظ على موقف موحد أمام تصرفات واشنطن غير المتوقعة".


أحمد عبدالحكيم | اندبندنت عربي