تتزايد المخاوف من اضطرابات أوسع نطاقاً في إمدادات النفط والغاز الطبيعي العالمية، في ظل استمرار الولايات المتحدة وإسرائيل في تنفيذ ضربات ضد إيران، ورد الجمهورية الإسلامية بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة في أنحاء الشرق الأوسط. وبعدما قفزت أسعار النفط والغاز قد يؤدي استمرار هذا المسار التصاعدي إلى موجة تضخمية.
تعطل بالفعل جزء من إنتاج النفط والغاز نتيجة استهداف البنية التحتية الرئيسية للطاقة وسط تصاعد الصراع. وأعلنت شركة "قطر للطاقة" (QatarEnergy) تعليق عملياتها في أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، عقب استهدافها بطائرة مسيرة إيرانية.
وفي تطور أكثر تأثيراً، باتت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر البحري الضيق الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً وخُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال، شبه متوقفة.
ما المخاطر التي تهدد سوق النفط؟
انتقلت توقعات سوق النفط العالمية من التركيز على فائض في البراميل إلى قلق بشأن توافرها. ويُشكل مضيق هرمز شريان عبور حيوياً لمعظم صادرات النفط القادمة من دول الخليج العربي، إذ اتجه نحو 90% من النفط الخام والمكثفات التي مرت عبره العام الماضي إلى الأسواق الآسيوية.
قال مستشار بارز للقائد العام في الحرس الثوري الإيراني للتلفزيون الرسمي إن القوات الإيرانية "لن تسمح بخروج قطرة نفط واحدة من المنطقة". وكانت إيران قد استهدفت ناقلات نفط، ورغم توافر تغطية تأمينية للسفن، فإن مالكيها وطواقمها يعتبرون أن مخاطر العبور عبر المضيق مرتفعة للغاية.
اقرأ أيضاً: وسيط تأمين في لندن يوفر تغطية لعبور السفن عبر مضيق هرمز
تمتلك السعودية والإمارات بعض الإمكانيات لإعادة توجيه صادراتهما النفطية عبر خطوط أنابيب تتفادى مضيق هرمز. كما يمتد خط أنابيب عراقي من إقليم كردستان شبه المستقل إلى ميناء جيهان التركي. غير أن تأثر البنية التحتية للطاقة في الخليج بالصراع دفع العراق إلى تعليق صادراته عبر هذا المسار كخطوة احترازية، بحسب أشخاص مطلعين على الوضع. في المقابل، لا تملك الكويت وقطر والبحرين بديلاً عن شحن نفطها عبر مضيق هرمز.
يقدر محللو "وود ماكنزي" (Wood Mackenzie) أن أسعار النفط قد تصعد إلى "ما يتجاوز بكثير" 100 دولار للبرميل إذا لم تُستأنف حركة الناقلات عبر مضيق هرمز سريعاً. وكانت آخر مرة بلغ فيها خام برنت، المؤشر القياسي العالمي، هذه المستويات في أعقاب الحرب الروسية الشاملة ضد أوكرانيا عام 2022. وجرى تداول برنت قرب 83 دولاراً في 5 مارس.
كذلك، يرى محللو "جيه بي مورغان تشيس آند كو" (JPMorgan Chase & Co.) أن استمرار توقف عبور النفط عبر هرمز لفترة طويلة قد يدفع كبار المنتجين في المنطقة إلى بلوغ حدود طاقتهم التخزينية، سواء في الخزانات البرية أو على متن السفن في عرض البحر. وقد بدأت هذه الضغوط تظهر بالفعل في العراق، حيث شرع ثاني أكبر منتج في "أوبك" في إيقاف العمليات في أكبر حقوله النفطية مع امتلاء مرافق التخزين، وفق أشخاص مطلعين على سير العمليات.
هل تمتد التأثيرات إلى ما بعد النفط الخام؟
تواجه إمدادات المنتجات البترولية المكررة مخاطراً أيضاً. فقد جرى تعليق العمل في مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة "أرامكو" (Aramco)، وهي أكبر مصفاة نفط في السعودية، عقب هجوم بطائرة مسيرة إيرانية في المنطقة.
ارتفعت أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات والنافثا، المستخدمة في صناعة البلاستيك ووقود السيارات، في الأسواق. وقد تؤدي زيادة الأسعار في محطات الوقود إلى تكثيف الضغوط الداخلية على الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحزب الجمهوري، في ظل ترقب أن تشكل القدرة على تحمل التكاليف محوراً أساسياً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية لاحقاً هذا العام. وتُعد أسعار البنزين من أبرز مؤشرات التضخم.
وفي آسيا، تتحرك حكومات لحماية إمداداتها المحلية من الوقود. فقد طلبت الصين من أكبر مصافيها تعليق صادرات الديزل والبنزين، بحسب أشخاص مطلعين. كما دعت مصافٍ يابانية حكومتها إلى الإفراج عن كميات من النفط الخام من الاحتياطيات الاستراتيجية للبلاد، وفق أشخاص على دراية بالتطورات.
كيف يؤثر الصراع مع إيران على سوق الغاز؟
تواجه سوق الغاز خطر التعرض لأكبر صدمة منذ الحرب الروسية الشاملة ضد أوكرانيا، والتي أربكت تجارة الغاز العالمية ودفعت أوروبا للبحث عن مصادر بديلة. فقد قفزت العقود المستقبلية للغاز في أوروبا إلى قرابة الضعف خلال الأيام الأولى من اندلاع الصراع مع إيران، لتسجل أعلى مستوياتها منذ 2023.
يُعد الشرق الأوسط مورداً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال بفضل قطر، ثاني أكبر منتج عالمي العام الماضي بعد الولايات المتحدة. وتُشكل منشأة رأس لفان، التي علقت "قطر للطاقة" عملياتها مؤقتاً، في أول توقف كامل لها منذ ثلاثة عقود تقريباً، نحو خُمس الإمدادات العالمية.
هل تنذر سياسات ترمب تجاه إيران بالفوضى؟.. إليك التفاصيل
وتذهب الحصة الأكبر من صادرات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط إلى آسيا. وإذا تعذر على هؤلاء المشترين تأمين الشحنات من المنطقة، سواء بسبب اضطرابات الشحن أو توقف الإنتاج، فإن ذلك سيؤدي إلى تصاعد المنافسة على الإمدادات القادمة من مناطق أخرى، ما يرفع الأسعار على مستوى العالم.
وسيكون ذلك نبأً سيئاً لأوروبا. فبينما تقترب القارة من نهاية فصل الشتاء وتتراجع حاجتها إلى وقود التدفئة، فإنها تُنهي الموسم بمستويات مخزون منخفضة بشكل غير معتاد. ولذلك، يتعين عليها استيراد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال لإعادة ملء مرافق التخزين، وهي مهمة ستصبح أكثر كلفة إذا اشتدت المنافسة مع آسيا.
في الوقت نفسه، تسعى مصر إلى تأمين مزيد من شحنات الغاز الطبيعي المسال بعد أن أوقفت إسرائيل، التي تستورد منها إمدادات عبر خطوط الأنابيب، بعض حقول الغاز مؤقتاً كإجراء احترازي تحسباً لهجمات إيرانية. كما قد يرتفع طلب تركيا على الغاز الطبيعي المسال إذا تعطلت صادرات الغاز الإيراني عبر الأنابيب.
يمكن أن يستفيد منتجو الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة من الاضطرابات في الشرق الأوسط، إلا أن المكاسب المحتملة تبدو محدودة، إذ تعمل محطات التصدير الأميركية بالفعل قرب طاقتها القصوى. كما أن منشآت الغاز الطبيعي المسال الجديدة المقرر تشغيلها هذا العام لن تعوض سوى جزء من الإمدادات القطرية، ما قد يضطر بعض المستهلكين إلى تقليص استهلاكهم أو البحث عن بدائل، إن أمكن.
ما مدى أهمية إيران لأسواق الطاقة العالمية؟
تُعد صادرات النفط دعامة رئيسية لاقتصاد إيران، رغم محاولات امتدت لسنوات لتنويع محركات نموها. غير أن نفوذ طهران في سوق النفط العالمية تراجع نتيجة العقوبات الدولية طويلة الأمد ومحدودية الاستثمارات الأجنبية وتهالك البنية التحتية. وبرغم كونها رابع أكبر منتج داخل "أوبك"، فإن إنتاجها يقتصر على نحو 3 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، أي ما يعادل 3% من الإمدادات العالمية.
"غولدمان ساكس" يشكك بفعالية حماية واشنطن لناقلات النفط في هرمز
يُصدر نحو 90% من نفط إيران إلى الصين، وغالبيته يتجه إلى مصافٍ تكرير مستقلة مستعدة لشراء الخام الخاضع للعقوبات بخصومات كبيرة. وتُعد سوريا ضمن الدول الأخرى التي واصلت استيراد الشحنات الإيرانية.
ما أبرز أصول الطاقة لدى إيران؟
تتركز عمليات تصدير النفط الإيراني في محطة جزيرة خرج شمال الخليج العربي، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي هجمات محتملة. وقبيل بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية بأسابيع، كثفت طهران عمليات تحميل ناقلات النفط في هذا المرفق، على الأرجح بهدف دفع أكبر قدر ممكن من الخام إلى عرض البحر تحسباً لأي هجوم محتمل.
تقع أكبر حقول النفط في إيران، وهي الأهواز ومارون وغرب كارون، في محافظة خوزستان عند الطرف الشمالي للخليج العربي على الحدود مع العراق. وفي الإقليم نفسه توجد مصفاة عبادان، أكبر مصافي إيران، بطاقة معالجة تتجاوز 500 ألف برميل يومياً. ومن بين المنشآت الرئيسية الأخرى مصفاة بندر عباس ومصفاة ستار بالخليج العربي القريبتان من مضيق هرمز، إضافة إلى مصفاة في العاصمة طهران.
أما الحقول الرئيسية للغاز الطبيعي فتنتشر على امتداد الساحل الجنوبي للخليج العربي. وتضطلع منشآت عسلوية وبندر عباس بمعالجة الغاز والمكثفات ونقلها وشحنها لتلبية الطلب المحلي في توليد الكهرباء والتدفئة وصناعة البتروكيماويات وغيرها من الصناعات.
المصدر: بلومبرغ

