2026-03-07 04:20 م

ما هي تداعيات الحرب مع إيران على الاقتصاد الاسرائيلي؟

2026-03-05

دخل الاقتصاد الإسرائيلي عام 2026 محمولاً على موجة من التفاؤل الحذر، إذ أظهرت البيانات الأولية مؤشرات إيجابية على ما يمكن تسميته بـ"ارتداد النمو" بعد فترة من الركود النسبي الذي أثر على مختلف القطاعات الاقتصادية في السنوات السابقة، إلا أن الواقع المالي العام ظل يشير إلى هشاشة واضحة في بنية الاقتصاد، إذ بقي العجز الموازناتي ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستويات مقلقة، تفاقمت الآن مع الحرب على إيران وتعطيل عجلة الاقتصاد.

وسجل الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل ارتفاعًا ملحوظًا مع دخول العام 2026، مدفوعًا باستعادة ثقة المستهلك وتحسن معدلات الإنفاق، بالإضافة إلى عودة تدفقات الاستثمار الأجنبي، مما أعطى زخمًا مؤقتًا للاقتصاد الإسرائيلي وجعل الآمال تتجه نحو تحقيق استقرار نسبي في الأسواق.

إلا أن هذه الآمال في الاستقرار تلاشت مع اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، التي توسعت لتشمل الجبهة اللبنانية مع حزب الله، ليجد الاقتصاد الإسرائيلي نفسه أمام "اختبار إجهاد"  هو الأعنف منذ عقود. فالتحدي لم يعد مجرد إدارة مالية اعتيادية، بل أصبح صراعًا بين تلبية الاحتياجات العسكرية الضخمة والحفاظ على الجدارة الائتمانية للدولة، وهو توازن صعب يضع صانعي القرار المالي في موقف حرج.

وفرضت الحرب الحالية عبئًا ماليًا مباشرًا وفوريًا يتجاوز قدرات الموازنة الطارئة التقليدية. فبحسب تقديرات وزارة المالية، تتجاوز الخسائر الأسبوعية المباشرة للحرب 9.4 مليار شيكل، أي ما يعادل نحو 2.93 مليار دولار. هذا الرقم يشمل تكلفة الذخائر والعمليات الجوية، لكنه يتعدى ذلك ليشمل شللاً شبه كامل في النشاط التجاري والخدمي، مما يعكس طبيعة الحرب الحديثة التي تؤثر على مختلف مجالات الاقتصاد المحلي.

تظهر هنا معضلة "تكلفة الفرصة البديلة"، فإغلاق المنظومة التعليمية وحده يكلف الخزينة حوالي 900 مليون شيكل أسبوعيًا، ليس كإنفاق مباشر، بل نتيجة لانخفاض ساعات العمل الكلية بسبب اضطرار مئات الآلاف من الآباء إلى البقاء في المنازل لرعاية أطفالهم، ما يقلص الإنتاجية الوطنية بشكل مباشر.

إلى جانب ذلك، يمثل استدعاء نحو 100 ألف جندي احتياط سحبًا لأكثر الفئات إنتاجية من سوق العمل، وتحويلهم إلى قوى عسكرية تستهلك الميزانية العسكرية دون إسهام مباشر في الناتج المحلي الإجمالي، مما يرفع كلفة التشغيل العامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وتدار هذه المواجهة العسكرية في ظل فراغ دستوري مالي، إذ لم تتم المصادقة على الميزانية العام لعام 2026، وهو ما خلق فجوة تمويلية تقدر بين 45 و55 مليار شيكل. هذا الغياب يعقد مهمة الحكومة ويزيد من المخاطر على التصنيف الائتماني السيادي، إذ أن أي تخفيض للتصنيف من قبل وكالات مثل "موديز" و"ستاندرد آند بورز" لن يكون مجرد رقم فني، بل سيعني ارتفاعًا فوريًا في "علاوة المخاطر" على الديون، ما يحول الموارد المالية من الإنفاق التنموي إلى خدمة الدين، ويزيد من الضغط على الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

ويُعدُّ قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) القاطرة الأساسية للنمو الاقتصادي، حيث يساهم بنسبة كبيرة في الصادرات والإيرادات الضريبية. لكن هذا القطاع يتسم بـ"رأس مال جبان" يبحث عن استقرار دائم. فاستمرار الحرب وتهديد المراكز الحضرية مباشرة يهدد بحدوث "نزوح تكنولوجي"، وقد بدأت شركات ناشئة بالفعل في نقل مراكز تطويرها ومقراتها القانونية إلى الخارج لضمان استمرارية الأعمال. الأخطر أن فقدان إسرائيل لميزتها التنافسية في هذا القطاع لن يكون مؤقتًا، بل سيترك "ندبة اقتصادية" طويلة الأمد تؤثر على معدلات النمو لسنوات مقبلة.

على الجبهة النقدية، يواجه بنك إسرائيل تحديات حادة. فالمخاطر الجيوسياسية أدت إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا من نحو 65 دولارًا إلى 80 دولارًا للبرميل، وهو ما يترجم مباشرة إلى تضخمٍ مستوردٍ يزيد من تكلفة الإنتاج والنقل والسلع الأساسية. تزامن ذلك مع تذبذب حاد في قيمة الشيكل مقابل العملات الأجنبية، حيث أي انخفاض في قيمة الشيكل يرفع كلفة الواردات ويغذي دورة التضخم.

هذا الواقع دفع البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة عند 4%، وهو إجراء مزدوج التأثير، فبينما يحد من التضخم، فإنه يثقل كاهل الشركات والأسر، ويبطئ الاستثمار الخاص، ما يفاقم حالة الركود في القطاعات غير العسكرية.

تعتمد إسرائيل بشكل متزايد على الغاز الطبيعي المستخرج من البحر المتوسط، وإذا طال أي تصعيد عسكري منصات الغاز مثل "كاريش" أو "تمار"، فإن استقلال الطاقة سيتعرض لضربة قوية، ما سيدفع إلى العودة للاعتماد على الوقود الثقيل المستورد بأسعار مرتفعة للغاية، وهو ما سيرفع فاتورة الكهرباء والإنتاج الصناعي ويهدد التوقعات المالية المبنية على فائض الغاز المحلي.

مقارنة بالحروب السابقة، مثل مواجهة الاثني عشر يومًا في صيف 2025 التي بلغت كلفتها المباشرة 20 مليار شيكل، تظهر الحرب الحالية أنها تتسم بكثافة إنفاق أعلى بكثير بسبب استخدام نظم اعتراض صاروخي باهظة الكلفة واتساع أمد العمليات الجوية. وتشير التقديرات إلى أن التكلفة الإجمالية، المباشرة وغير المباشرة، قد تتجاوز 30 مليار شيكل إذا استمرت المواجهة لأكثر من شهر، مع احتمال تضاعفها في حال استهدفت الحرب البنية التحتية المدنية.

إلا أن الأثر الاقتصادي لا يقتصر على الإنفاق العسكري المباشر، فالشلل شبه الكامل للنشاط الاقتصادي، وارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ تدفقات الاستثمار، جميعها تؤدي إلى تباطؤ النمو وتآكل الثقة في الاقتصاد. وقد أظهرت التجارب السابقة أن الضرر غير المباشر للحرب غالبًا ما يكون أكبر من التكلفة المباشرة، ما يجعل من أي استمرار في القيود الصارمة على الحركة والإنتاج عبئًا مضاعفًا على الاقتصاد.

وللتعامل مع هذه الأزمة، تدرس وزارة المالية الاسرائيلية حزمة من الإجراءات لتخفيف الضغط على المالية العامة. وتشمل هذه الإجراءات: تقليص الأموال الائتلافية غير المنتجة، وإلغاء أو تجميد بعض التسهيلات الضريبية، وتحفيز استمرار العمل الجزئي في المناطق المحمية لتقليص الخسائر الأسبوعية من 9.4 إلى نحو 4.3 مليار شيكل. وتهدف هذه الخطوات إلى ترميم الثقة الدولية عبر تقديم خطة مالية واضحة لخفض العجز بعد الحرب، بما يحافظ على التصنيف الائتماني ويعزز قدرة الدولة على الاقتراض بأسعار معقولة.

وبحسب الخبراء الاقتصاديين في إسرائيل فإن المرحلة الراهنة تتطلب توازنًا دقيقًا بين "الأمن القومي" و"الأمن الاقتصادي". فوفقًا لهم، أظهرت التجربة أن الجبهة الداخلية الاقتصادية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية، فبدون اقتصاد قوي ومستقر، تصبح الانتصارات العسكرية عبئاً ثقيلًا على إسرائيل. لذلك، من الضروري إعادة تحريك عجلة الاقتصاد الجزئي مع الحفاظ على السلامة العامة، واتخاذ إجراءات مالية حكيمة لإدارة النفقات الطارئة دون استنزاف الموارد على المدى الطويل، بما يضمن قدرة إسرائيل على مواجهة الضغوط العسكرية والمالية معًا، وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام في المستقبل على حد تقديرهم.

الترا فلسطين