2026-03-07 12:55 م

حرب إيران ومصيدة الوحل الأميركي

2026-03-05

في عام 2000، حين كانت الحملة الانتخابية بين الجمهوري جورج بوش الابن، والديمقراطي آل غور، صعبة التنبؤ بنتائجها في انتخابات الرئاسة الأميركية بذلك العام، لجأ المرشح الجمهوري، الذي أصبح في ما بعد رئيساً لولايتين متتاليتين، إلى خطاب غير حربي قلّ نظيره عند المحافظين، معتبراً في إحدى المناظرات التلفزيونية أنه "إذا لم نكن أمة متواضعة، فإن شعوب العالم ستكرهنا"، داعياً إلى تجنب "التدخلات الخارجية المتعجرفة"، ومنتقداً سياسة سلفه بيل كلينتون الخارجية، التي عرفت آنذاك بسياسة "التوسيع"، لتوسيع نطاق الديمقراطية واقتصاد السوق، في إطار استمرار محاربة الشيوعية، بمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. ولم يكد جورج بوش الابن يصل إلى السلطة، حتى أدخل الولايات المتحدة في أطول حروبها، في أفغانستان ثم العراق. وإذا كانت الأولى قابلة للتسويق رغم نتائجها الكارثية لاحقاً، وعدم إيفاء الرئيس الأميركي بعد عام 2001 بوعوده بتحويل أفغانستان إلى واحة من الديمقراطية، فإن غزو العراق في 2003 يترك في طيّاته، لدى الكثير من الأميركيين اليوم، ندبةً "أخلاقية"، لأن هناك توافقاً عاماً، لدى شعوب الغرب عموماً، سواء من الجيل الكبير أو الشاب، على أن هذا الغزو بُني على خدعة أسلحة الدمار الشامل، وصولاً إلى من يصف بينهم جورج بوش الابن، ومعه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، بمجرمي حرب، وهو ما يتردّد صداه اليوم مع اندلاع الحرب على إيران.

الحرب على إيران... تاريخ يتكرّر
وبالنسبة لشريحةٍ كبيرة من الأميركيين اليوم، فإن التاريخ يعيد نفسه، مع إطلاق الرئيس دونالد ترامب حرباً جديدة في الشرق الأوسط، وهذه المرة على إيران، بمشاركة مع إسرائيل. ورغم أن الولايات المتحدة في حالة عداء مع النظام الإيراني منذ ما بعد سقوط نظام الشاه في عام 1979، ويتواجه البلدان منذ عقود في حرب مستترة، تحولت إلى صراع بالوكالة، وتركت أثرها بعمق على الشرق الأوسط، بل لم تسعف في أوجه كثيرة بجعل غزو العراق حكاية نجاح كاملة للأميركيين، فضلاً عن الدور الإيراني في الصراع العربي الإسرائيلي، فإن الحرب على إيران التي بدأت السبت الماضي أثارت الذعر في الولايات المتحدة من دخول بلادهم مجدداً، في حرب بلا نهاية، وفاقم هذا الشعور أن أياً من المسؤولين في الإدارة الحالية لا يُخفون أن إطلاق الحرب على إيران جاء دعماً لإسرائيل، التي تتهشّم صورتها شيئاً فشيئاً لدى الرأي العام الأميركي، وربما هذا أحد أسباب استعجال دولة الاحتلال لاغتنام فرصة "قد لا تتكرر" لضرب إيران.

وأصبح لدى الرأي العام الأميركي، أيضاً، والإعلام الأميركي، وحتى الغربي، بعد مضي ثلاثة أيام فقط على بدء الحرب، انطباع قوي بأن الحرب على إيران قد تطول، وقد تجرّ المنطقة إلى مزيد من العنف، و"الإرهاب"، فيما إدارة ترامب لا تملك "خطة خروج" أو تصوراً للمرحلة المقبلة، وبدأت، فضلاً عن تلعثمها في صياغة أهداف الحرب، تلقي الحمل على الشعب الإيراني لتغيير النظام، ولا تستبعد إرسال قوات على الأرض، وهو أمر بالمفهوم الأميركي كان يفترض أن يكون أصبح خارج البحث، خصوصاً مع رئيسٍ بنى حملاته الانتخابية الثلاث على شعار "أميركا أولاً" وحركة يمينية متطرفة معارضة للتدخلات الخارجية، فضلاً عن أهمية إعادة التركيز على الصين، كمدخل لتحسين الاقتصاد الأميركي.

وفي كلّ تصريحاتها وإعلاناتها الأخيرة، تحاول إدارة ترامب الذي أطلق الحرب على إيران في عطلة نهاية أسبوع من منتجعه في مارآلاغو بفلوريدا، بعيداً عن واشنطن ومتاعبه مع الديمقراطيين المتصاعدة في الكونغرس، طمأنة الجمهور الأميركي بأن الحرب لن تكون "غزو عراق" مكرّراً، من دون أن تخفي أنها قد تطول وتحتاج إلى إشراك قوات برّية. ويَعِد ترامب بـ"النصر" على إيران ونظامها، وهو نصرٌ بمفهوم القوة العسكرية الأميركية التي يتباهى بها الرئيس، مفروغٌ منه لديه، ولن تعود القوات الأميركية التي بدأ عددها يتزايد في الشرق الأوسط منذ بدء الحرب أدراجها من دونه، لكن التساؤلات بدأت تطرح سريعاً، حول كيفية ترجمة هذا النصر، وما إذا كان تدمير إيران يعدّ نصراً دون إسقاط النظام، فضلاً عن التنبه إلى أن إدارة ترامب تراجعت في الحديث عن أهداف الحرب، من إسقاط النظام في طهران إلى إنهاء قدرته المزعومة على صناعة سلاح نووي، وإضعاف قدراته الصاروخية، وضرب بحريته، تاركةً مسألة تغيير النظام إلى الشعب الإيراني، الذي تراهن الإدارة الأميركية على نزوله إلى الشارع والانقلاب على النظام ما إن تضع الحرب أوزارها، وينهي الجيشين الإسرائيلي والأميركي عمليات القصف. وهذا الرهان يبقى أساسياً في حملة ترامب العسكرية، أولاً لعدم امتلاكه بديلاً حالياً عن النظام، ثانياً لكسب معركة الرأي العام، خصوصاً على أبواب انتخابات نصفية أميركية، سيكون للحرب تأثيرها عليها، وهي الحرب التي بدأ خصوم الرئيس محاولة استثمارها لصالحهم، خصوصاً مع فشله من تصحيح الخلل المعيشي.

وقبل أن يمضي اليوم الثالث من الحرب، ضرب الثلاثة الكبار المعنيون بها في الإدارة الأميركية الرقم القياسي في الشروحات المتباينة عن حيثياتها وأغراضها. ويوم أول من أمس الاثنين، قال وزير الحرب بيت هيغسيث إنها "ليست حرب تغيير نظام... لكن هذا النظام يجب أن يتغير"، مضيفاً أن الحرب على إيران قد تستغرق 4 أو 5 أسابيع، ولن تشبه حرب العراق، فيما أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو أن "العمليات تستهدف مشروع الصواريخ الباليستية في إيران". وذهب في تبريراته للقول إن الهجمات على إيران كانت إجراء استباقياً لحماية الولايات المتحدة من "تهديد وشيك" على قاعدة أنه "كنا نعلم أن هناك تحركاً إسرائيلياً، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأميركية، وكنا نعلم أنه إذا لم نتحرك بشكل استباقي ضدهم قبل تنفيذ تلك الهجمات، فإننا سنتكبد خسائر أكبر". وأضاف: "كان لا بد من حدوث ذلك، مهما كان الثمن"، ما عزز الانتقادات للانجرار الأميركي خلف إسرائيل. بدوره، توقع ترامب "استمرار الحملة أربعة أو خمسة أسابيع وربما أكثر... ونحن لدينا الإمكانية للاستمرار فيها مدة أطول".

التباين في التوقعات والسرديات، معطوفاً على إعلان وزارة الحرب (بنتاغون) إرسال المزيد من القوات الأميركية إلى المنطقة، ترك الانطباع لدى المراقبين وبالتحديد لدى كثيرين في الكونغرس، بوجود ثغرات وعدم تطابق في الحسابات لا بد من استدراكه، ثم جاء سقوط 6 أميركيين قتلى خلال الأيام الثلاثة الأولى وإسقاط 3 مقاتلات أف 15 بـ"نيران صديقة" في الكويت، ليزيد البلبلة ويوسع دائرة المعترضين، بل ليزيد من التوجس والخشية من عودة عقارب الساعة إلى 2003، خصوصاً مع تلميحات دخول محتمل لقوات من المشاة الأميركية إلى داخل إيران "إذا كان لمحاولة تغيير النظام أن تنجح".
ومهما كانت دوافع ترامب للحرب، تسود قناعة متزايدة بأن بدايتها بدت مضطربة، سواء في مسوغاتها أو في مقبوليتها في الكونغرس وكذلك لدى الرأي العام الأميركي وفق أبرز الاستطلاعات الأخيرة. كما بدت كذلك في تمدد ساحاتها وعمليات إجلاء الأميركيين من كلّ الشرق الأوسط، والأخطر أنها قد تتجه نحو حرب مفتوحة متمددة. وعليه بدأت واشنطن تدخل في جو التداعيات المتوقعة، الأمنية والاقتصادية، خصوصاً على صعيد أسعار الطاقة، لحرب مرجح أن تطول أكثر من الأسابيع التي حدّدها المسؤولون.

هذا الأمر، دفع أمس الثلاثاء إلى استنفار إعلامي أميركي (وحتى غربي، فالصحافة الفرنسية أمس، بمعظمها، عنونت على الخشية من تمدد الحرب ودخولها في نفق طويل خصوصاً مع عودة التصعيد في لبنان)، فيما رأت أقلام أخرى أنه رغم الإمكانية الكبيرة لنجاح حملة ترامب، فإنها تبقى حرباً "غير شرعية وغير مطلوبة وغير ضرورية" (المؤرخ ماكس بوت في حديث عبر الفيديو لمجلس العلاقات الخارجية، وفق شبكة سي أن أن أمس).

وبحسب "سي أن أن"، أمس، فإن تبريرات الإدارة المشوشة تعكس أنها لا تعلم لماذا ذهبت إلى الحرب، ما يعني أن "الحملة قد تكون أصبحت سريعاً في مأزق". وقالت السيناتورة الديمقراطية جاين شاهين للشبكة إنه "لا توجد هناك استراتيجية واضحة، ونحتاج للسماع من الرئيس ما يريد"، لافتة إلى أن هناك فرصة تغيير حقيقية في الشرق الأوسط، "لكن ليس واضحاً كيفية تحقيق ذلك". وأشارت الشبكة إلى بدء ترامب تضييق أهدافه.

وفي مقال مطول بعنوان "من أميركا أولاً، إلى دائماً أميركا أخيراً"، في مجلة ذا أتلانتك، نشر أمس، اعتبر كل من تولوس أولورونيبا وجوناثان لمير وآشلي باركر أنّ ترامب "وعد بإنهاء الحروب، إلا أن قبضته على قاعدته اليوم أصبحت محل تساؤل مع إطلاقه حرباً جديدة". وانتقدت المجلة قراره "بالدخول في شراكة مع إسرائيل للبحث عن تغيير النظام في إيران، ما أثار رداً عنيفاً من بعض كبار مؤيديه ومتبني فلسفة أميركا أولاً". وبحسب كورت مليز؛ المنظر المعارض للتدخلات الخارجية، والمدير التنفيذي لموقع "ذا أميركان كونسيرفاتيف"، متحدثاً للمجلة، فإن "هذه حرب مدفوعة من النخبة، وبصراحة من الدولة العميقة". وبحسب "ذا أتلانتك"، فإنه رغم ترديده أن قاعدته توافقه على كلّ ما يفعل، فإن "ترامب والمحيطين به باتوا يبحثون عن محاولة احتواء التداعيات السياسية". وبحسب معدي السياسات للحزب الجمهوري، فإن قدرة ترامب على الوفاء بوعوده سيكون على الأرجح لها تأثير كبير على نتائج الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بعدما لم يبذل عناء لإقناع قاعدته كيف تخدم تدخلاته الخارجية تحسين أوضاعهم المعيشية.

وتحت عنوان "كيف يمكن لترامب أن يفوز بحرب لم يشرح لماذا بدأت؟"، رأت مجلة نيويوركر أمس أن ترامب هو نفسه المسبّب لكل هذا التخبط، عندما تحدث عن "أخطار وشيكة" من إيران، بينما بدا من مقابلات أجراها أن "أفضل سيناريو" للنهاية هو على نسق فنزويلا، حين "اختطف رئيس فقط لتحلّ نائبته مكانه". وبحسب مركز "بروكينغز"، أمس، فإن حتى انهيار النظام لا يعني أن الديمقراطية ستحلّ في إيران، وفق تقرير بعنوان "خطر الحرب على إيران". الأمر ذاته تكرّر في موقع ذا أوبسيرفر، الذي رأى السبت الماضي، أن حتّى أبرز المؤيدين لضرب إيران "قلقون من تصرفات ترامب". وبرأي آلان إيري، وهو خبير سابق بشؤون إيران ومتحدث سابق بالفارسية في وزارة الخارجية الأميركية، فإن ترامب "لديه شعور قوي بأنه قادر على تغيير الواقع، لكن الإدارة لم تحاول أبداً حقيقة أن تتفاوض (مع الإيرانيين)، إذ ظلّ يعتقد أنه: سأواصل الضغط، وسوف يستسلمون".

وفي صحيفة واشنطن بوست، أمس، عدّد روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، تاريخاً طويلاً "حزيناً" من التدخلات الأميركية في الشرق الأوسط التي تصيب هذه المرة "الشعب الإيراني الذي يعاني منذ وقت طويل". ساتلوف نفسه، علّق في تصريح لتقرير "نيويوركر"، بقوله إن ترامب "قدّم لائحة أهداف لحرب إيران على شكل لائحة طعام صينية (متعددة الأطباق والتي تأتي متتالية وراء بعضها البعض)"، مضيفاً أن هدف الحرب "سيكون ما سيقوله ترامب في وقت لاحق"، أي مع تقدم الحرب، وهو ما يجب أن يصدقه الآخرون. ورأت ميشيل غولدبرغ، أول من أمس، في صحيفة نيويورك تايمز، أن القول إن ترامب كان دائماً معارضاً للحروب "هو أمر مضلّل".

يذكر أن الحرب على إيران أثارت جدل صلاحيات الحرب داخل الكونغرس، حيث يواصل الديمقراطيون الإعراب عن غضبهم، وسط انشقاق داخل معسكر الجمهوريين أيضاً (علماً أن نائبين فقط من الجمهوريين، هما توماس ماسي ووارن دافيدسون، أكدا حتى الآن أنهما سيصوتان مع قرار صلاحيات الحرب الذي أعده كلّ من ماسي والنائب الديمقراطي رو خانا". وفي مجلس الشيوخ، هناك فقط السيناتور الجهوري راند بول، الموافق على لجم صلاحيات ترامب الرئاسية المتعلقة بالحرب.  وبحسب استطلاع أخير لـ"رويترز/إيبسوس" أجري نهاية الأسبوع الماضي، فإن 27% من الأميركيين فقط مؤيدون للضربات على إيران، وهو أمرٌ أعاد الإعلام الأميركي مقارنته بالتأييد الأكبر الذي كان حصل عليه جورج بوش الابن مع بداية غزو العراق، مذكّراً بأن بداية الغضب الأميركي من ذلك الغزو بدأ فعلياً مع انزلاق البلاد للوحل العراقي، وتكشف الفوضى، وذلك بحلول عام 2005.