2026-03-07 09:54 ص

رغم اغتيال خامنئي.. لماذا لم يسقط النظام في إيران كما أراد ترامب؟

2026-03-05

بدأت الحرب، وانطلقت الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي في ضرب إيران. وبعد أقل من ساعة على سقوط أولى الصواريخ الأميركية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية، خرج الرئيس دونالد ترامب معلنًا أنه يأمل في تغيير النظام. وقال، موجّهًا حديثه إلى الشعب الإيراني في مقطع فيديو: "الآن هو الوقت المناسب للسيطرة على مصيركم. هذه هي لحظة التحرك. لا تدعوها تفوتكم".

ويبدو أن الأمر لم يكن، في خيال ترامب، معقّدًا إلى هذا الحد. فمع أكبر هجوم في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي، شاركت فيه 200 طائرة في غارات استهدفت أنظمة الدفاع الصاروخي والجوي الإيرانية، مهاجمة نحو 500 هدف داخل إيران، شملت دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ ومقرًا يضم عددًا من القادة الإيرانيين. وفي الوقت نفسه، تكفّل الجيش الأميركي بقصف إيران بذخائر دقيقة أُطلقت من البر والبحر والجو.

ومع إضعاف الحكومة الإيرانية بفعل الضربات الجوية العنيفة، واغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، و40 من كبار القادة، من بينهم قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وعلي شمخاني مستشار شؤون الأمن لدى المرشد الأعلى، بدا، في لحظة ما، أن الأمر قد حُسم.

إلى جانب ذلك، استُهدفت مواقع مدنية عدة، ما أدى إلى مقتل مئات المدنيين، كثير منهم أطفال. ومع هذا الحجم من الضربات والخسائر، بدا أن انهيار الداخل الإيراني مسألة وقت.

إلا أن الإيرانيين لم ينهاروا، ولم يتأخروا في الرد. فقد شنّت طهران هجمات صاروخية، وأطلقت مئات المسيّرات باتجاه الاحتلال الإسرائيلي، كما استهدفت المصالح الأميركية في عدد من دول المنطقة.

وها نحن في اليوم الرابع من الحرب، وما تزال إيران تقاتل، بل ورفضت التفاوض على وقف إطلاق النار، رغم أن مسؤولًا أميركيًا قدّم، عبر وسيط يُعتقد أنه إيطاليا، اقتراحًا للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية.

فلماذا لم يسقط النظام الإيراني كما أراد ترامب وإسرائيل في غضون أيام؟

الحرب كحرباء.. ما لا يتعلمه القادة من التاريخ
الحربُ، كما يرى أشهرُ منظّريها كارل فون كلاوزفيتز، كالحِرباء التي تبدّل لونها في كلّ لحظة؛ فهي ظاهرة شديدة التقلّب، عصيّة على الضبط، ولا تستقرّ على صورة واحدة. وبالنظر إلى تعريفاته لها، نجدها جميعًا تشير إلى كونها ظاهرة غير خطيّة، لا تنقاد لقوانين عقلانيّة صارمة، ولا يمكن إخضاعها لتنبؤ تحليلي حتمي.

وما يلفت النظر في تاريخ الحروب ليس عنفها، بل يقينُ قادتها. في كل مرة تقريبًا، تدخل الدول صراعًا واسعًا وهي مسلّحة بثقة تحليلية تُطمئن صُنّاع القرار بأن الزمن سيكون قصيرًا، والكلفة محتملة، والمآل قابلًا للإدارة. غير أن الحرب، كما صاغها كارل فون كلاوزفيتز، ليست امتدادًا ميكانيكيًا للسياسة، بل مجالٌ تتكاثر فيه المصادفات، وتتصادم الإرادات، وتتآكل الافتراضات الأولى بسرعة مذهلة.

المفارقة أن هذا التحذير النظري، والكثير من الحروب، لم يمنع أجيالًا من الساسة والعسكريين من الوقوع في الخطأ ذاته: تحويل الاحتمال إلى يقين. فعشية الحرب العالمية الأولى، صيف 1914، سادت بين قادة العواصم الأوروبية قناعة راسخة بأن الصراع لن يتجاوز أشهرًا قليلة، وأن الجنود سيعودون إلى بيوتهم قبل عيد الميلاد. لم يكن ذلك تعبيرًا عن سذاجة فردية بقدر ما كان نتاج ثقافة استراتيجية رأت في الحشد السريع والتفوق الصناعي ضمانةً للحسم السريع. غير أن الحرب سرعان ما كشفت هشاشة هذه الحسابات، وانزلقت القارة إلى 4 سنوات من الاستنزاف الدموي الذي لم يتوقعه أحد تقريبًا.

وبعد نصف قرن، كرّر الرئيس الأميركي ليندون جونسون ثقةً مماثلة في قدرة مستشاريه وخبراء الحاسوب آنذاك على توجيه حرب فيتنام نحو خاتمة "عقلانية". كانت الولايات المتحدة آنذاك في ذروة إيمانها بالتقنية وبالقياس الكمي، واعتقدت أن ما لا يُرى يمكن نمذجته، وما لا يُحسم يمكن ضبطه عبر معادلات التفوق الناري. لكن الحرب، بوصفها صراع إرادات لا صراع أدوات فحسب، قاومت هذا الاختزال، وتحوّلت إلى تجربة سياسية وأخلاقية مزّقت الداخل الأميركي قبل أن تنتهي في سايغون.

ثم جاء غزو العراق عام 2003، حين افترضت إدارة جورج دبليو بوش أن إسقاط نظام صدام حسين سيعني نهاية القتال، وأن الفراغ السياسي يمكن ملؤه بسرعة عبر هندسة مؤسسات جديدة. مرة أخرى، تبيّن سوء تقدير المخططين الأميركيين، وانفتحت أبواب العنف الأهلي، وتحوّل الغزو التكتيكي إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد.

ويبدو أن سوء التقدير أصبح أمرًا روتينيًا عند المخططين الأميركيين، فالفجوة بين التوقع والواقع كانت صارخة على نحو خاص في حالة الحرب الروسية – الأوكرانية بالنسبة إلى الأميركيين. فخلال شهادته أمام الكونغرس في مارس/ آذار 2022، أقرّ الفريق سكوت بيرييه، مدير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، بأنه أساء تقدير قدرة أوكرانيا على مقاومة روسيا: "لقد شككتُ في إرادتهم للقتال. كان ذلك تقييمًا سيئًا". إذ توقع الأميركيون أن كييف ستسقط خلال 3 أيام، وأن أوكرانيا ستسقط خلال أسبوعين. غير أن الحرب، مرة أخرى، كسرت خطية التحليل، وأعادت تعريف موازين القوة على نحو لم يكن محسوبًا.

قد يُقال إن الخطأ جزء لا مفرّ منه من طبيعة الحرب، وهذا صحيح جزئيًا. فالحرب، كما وصفها كلاوزفيتز، محكومة بـ"الاحتكاك" و"الصدف" و"اللايقين" و"ضباب الحرب": تلك العناصر غير المحسوبة التي تتراكم لتُفسد أفضل الخطط. غير أن تكرار سوء التقدير يطرح سؤالًا أعمق: لماذا يُصرّ صانعو القرار على الثقة المفرطة في أدواتهم التحليلية، رغم تراكم الأدلة على محدوديتها؟

إرادة القتال وسحر الحرب.. حين تُخطئ القوة في قراءة الإرادة
الإجابة لا تكمن فقط في نقص المعلومات، بل ربما في طبيعة المؤسسة التي تُنتج التقدير. فالدولة الحديثة، خاصة حين تمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا، تميل إلى الاعتقاد بأن القوة تُترجم تلقائيًا إلى قدرة على التحكم بالنتائج. فيتحوّل التفوق إلى عدسة تُفلتر الواقع، فيُرى الخصم أضعف ما هو عليه، وتُختزل إرادته في حسابات مادية، بينما تُتجاهل العوامل غير الملموسة، "كإرادة القتال". بالرغم من أنها، في كثير من الأحيان، سواء لدى دولة كبرى أو تنظيمات مسلحة، قد تُعدّ العنصر الذي يعيد ترتيب المعادلة كلها.

وهذا ما يوضحه عالم الأنثروبولوجيا الأميركي – الفرنسي سكوت أتران، الذي كرّس سنوات لدراسة الدوافع غير المادية في النزاعات المسلحة. إذ يقول أتران: "لقد أصبح سوء تقدير إرادة القتال أمرًا روتينيًا، وغالبًا ما كانت نتائجه كارثية على المخططين وجمهورهم"، لا لأن الجيوش تفتقر إلى السلاح، بل لأنها تفترض أن الخصم يحسب بالطريقة ذاتها التي تحسب بها.

فتُخطَّط الاجتياحات العسكرية عادةً على قاعدة توظيف أقصى قدر من القوة في بدايتها لضمان حسم سريع، كاستراتيجية "الصدمة" التي تراهن على كسر الإرادة في الأيام الأولى. لكن ماذا لو لم تُكسر؟ ماذا لو قاوم المدافعون، أو أُتيحت لهم فرصة لالتقاط أنفاسهم وإعادة تنظيم صفوفهم؟

هنا يرى أتران أنه يمكن أن تنقلب المعادلة؛ فقد يميل الميزان إلى أولئك الذين يملكون استعدادًا طويل النفس للتضحية، والذين يستطيعون تعبئة الموارد تدريجيًا ضد مهاجم استنفد ذروة اندفاعه الأولى، أو استهلك ما يستطيع – أو ما يرغب – في الالتزام به.

ولا يكتفي أتران بالتحليل النظري. في دراساته الميدانية في العراق ولبنان وفلسطين والمغرب وإسبانيا، استخدم أدوات من علم النفس المعرفي والتصوير العصبي لقياس استعداد الأفراد للتضحية من أجل ما يسميه "القيم المقدسة". وبعد تحديد هذه القيم لدى المشاركين، اختبر فريقه مدى استعدادهم لتحمّل التضحيات دفاعًا عنها. أظهرت صور الدماغ، كما يوضح، نشاطًا مختلفًا حين يتعلق الأمر بقيم تُعدّ غير قابلة للمساومة؛ إذ يصبح الاستعداد للتضحية أكبر بكثير، ويتراجع منطق المقايضة الذي يحكم الحسابات المادية العادية.

هنا يشير أتران إلى المفارقة التي تهملها كثير من مؤسسات الدول والساسة الغربيين: حين يتحول الصراع إلى دفاع عن قيمة مقدسة – الدين، الأرض، الرفاق، أو القادة – فإن منطق "الحوافز" يفقد قدرته التفسيرية. فلا يعود الراتب، أو العقوبة، أو حتى النجاة الشخصية، العامل الحاسم، بل يصبح الاستعداد للتضحية جزءًا من تعريف الذات. وفي هذه الحالة، قد تتغلب جماعات أقل تسليحًا على قوى متفوقة تقنيًا، لأنها تقاتل ضمن أفق معنوي لا يقبل الاختزال إلى أرقام.
حتى الهزيمة لا تُنهي هذا الأفق. إذ يقول أتران إن أصحاب إرادة القتال، حتى عندما يُبادون، يتحولون إلى مادة للأساطير. تُعاد صياغة قصصهم بوصفها بطولات، ويُستثمر استشهادهم في تعبئة أجيال لاحقة. الهزيمة العسكرية قد تتحول، في المخيال الجمعي، إلى نصر رمزي طويل الأمد. وهنا تصبح الحرب أكثر تعقيدًا، لأنها لا تدور فقط في ساحة المعركة، بل في الذاكرة.

وهذا ما أقرّ به، بصورة مختلفة، الجنرال مارك ميلي أمام الكونغرس في سبتمبر/ أيلول 2021، حين وصف ما حدث في أفغانستان بأنه "فشل استراتيجي" ناجم عن إهمال العامل "غير الملموس" في الحرب. إذ قال بوضوح: "يمكننا أن نعدّ الشاحنات والبنادق والوحدات وكل ذلك. لكن لا يمكننا قياس قلب إنسان بآلة".

ورغم إقرار الأميركيين بأن العامل غير المادي حاسم، فإن تكرار سوء التقدير ربما يوضح أكثر من مجرد خلل معلوماتي عند الإدارة الأميركية في حروبها الاستعمارية، إذ نجد انحيازًا بنيويًا في طريقة التفكير ذاتها. فالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية، بحكم تكوينها، تميل إلى ما يمكن قياسه وعدّه: عدد الطائرات والدبابات، مدى الصواريخ، حجم الإنفاق، إلخ. هذه عناصر قابلة للإدخال في النماذج، قابلة للمقارنة، قابلة للرصد. أما "القلب" فيبقى خارج جداول البيانات. وما لا يُقاس يُزاح إلى الهامش، أو يُفترض ضمنًا أنه سيتصرف وفق المنطق ذاته الذي يحكم الطرف الأقوى. وهنا تحديدًا تنشأ فجوة التقدير.

وهم قطع الرأس.. لماذا لا تسقط بعض الأنظمة بضربة واحدة؟
يبدو أن دونالد ترامب لم يتعلم من أخطاء أسلافه الذين طالما انتقدهم لإدخال الولايات المتحدة في حروب خارجية مكلفة، بل جعل من نقدهم رافعة انتخابية تحت شعار "أميركا أولًا". وكعادة ترامب، لا يلتزم بشيء، فذهب انجرافًا وراء إسرائيل لشن الحرب على إيران دون تفويض من الكونغرس، بل وبدون خطة سياسية واضحة لليوم التالي، ليعيد إنتاج النمط ذاته الذي هاجمه، ولكن باندفاع أكبر وانضباط مؤسسي أقل.

بحسب الصحفي الأميركي ديفيد كورن، الذي وثّق سابقًا إخفاقات إدارة جورج دبليو بوش في اتخاذ قرار غزو العراق، فإن ما يتكرر اليوم يشي بالخلل البنيوي ذاته، إذ أوضح في مقال له أن: "ترامب لا يملك خطة لإيران. الفكرة تبدو أقرب إلى قصف وقتل، ثم انتظار النتائج".

إذ كانت الفرضية، في ما يبدو، أن القضاء المفاجئ على المرشد الإيراني علي خامنئي سيُحدث صدعًا قاتلًا في بنية النظام، على نحو يُعيد إنتاج سيناريو ما بعد سقوط معمر القذافي في ليبيا: رأس يُزال، فتتهاوى المنظومة من حوله. هذه القراءة افترضت أن النظام الإيراني يتمحور حول شخص، وأن إزاحته تعني انهيار شبكة الولاءات والمؤسسات التي يستند إليها.

لكن حتى مع نجاح الاغتيال في يومه الأول، لم يسقط النظام، بل على العكس، تصاعدت الضربات الإيرانية وأصبحت أكثر إيلامًا. هنا يتجلى الفارق الحاسم بين الإنجاز العملياتي والنتيجة الاستراتيجية. الأول يمكن تحقيقه خلال ساعات، بدقة استخباراتية وقدرة نارية عالية. أما الثانية فمرتبطة ببنية نظام، وشبكات سلطة متداخلة، وأجهزة أمنية، وقواعد اجتماعية، وسردية أيديولوجية تُعيد إنتاج الثبات في لحظة الخطر. هذه العناصر لا تزول بضربة رأس، بل قد تتماسك تحت ضغطها.

وربما هنا يكتسب ما أشار إليه سكوت أتران دلالة أوضح. فعلى امتداد التاريخ، كان أكثر المقاتلين والثوريين فاعلية هم ما يسميهم "الفاعلون المتفانون" – أولئك الذين تنصهر ذواتهم في التزام بقيم "مقدسة" غير قابلة للتفاوض. في مثل هذه الحالات، لا يكون الصراع قابلًا للاختزال إلى توازن قوى مادي فقط، لأن الطرف المعني لا يدافع فقط عن سلطة، بل عن معنى. وإذا كان هذا ينطبق على حركات مسلحة أو جماعات أيديولوجية، فكيف بنظام يعرّف نفسه بوصفه ثوريًا – دينيًا منذ نشأته؟

في هذا السياق، كتب الباحث والصحفي المتخصص في الشأن الإيراني علي هاشم، في مجلة الفورين بوليسي، مقالًا بعنوان: "إيران مُصمَّمة لتحمّل اغتيال آية الله". يذكّر فيه بأن الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا شخصانيًا يتكئ على الزعامة الكاريزمية وحدها، بل بنية ثورية استثمرت، منذ قيامها عام 1979، بكثافة في التخطيط لتغيّرات القيادة. وعندما يتعرض للضغط، تُصمَّم بنيته لتتماسك لا لتتفكك.

وبحسب علي، فكثيرًا ما تُصوَّر إيران بوصفها نظامًا سياسيًا مشدودًا بإحكام إلى الأفراد، وكأن المرشد هو نقطة التوازن الوحيدة. غير أن البنية التي نشأت بعد ثورة 1979 تشكّلت وفق منطق مختلف، منبثق من التجربة الثورية ذاتها، حيث تتداخل المؤسسة الدينية مع الحرس الثوري، ومع شبكات اقتصادية وأمنية واسعة، لتكون منظومة مؤسسات موازية ومترابطة صُممت لتحمي المشروع لا الشخص.

وقد لخّص الخميني هذا التدرج الهرمي في عبارة كثيرًا ما تُستشهد بها داخل النخبة السياسية الإيرانية: "إن حفظ الجمهورية الإسلامية أهم من حفظ أي فرد، حتى لو كان ذلك الفرد هو إمام العصر" – في إشارة إلى الإمام الثاني عشر في التشيع، محمد المهدي.

من هنا، فإن الرهان على إسقاط النظام عبر استهداف رأسه فقط يقوم على قراءة سطحية لإيران، ترى السلطة فيها كتجسيد شخصي، بينما يتعامل النظام مع نفسه كبنية رسالية. وهو ما يجعل لحظة استهدافه واغتيال قادته عامل تعبئة داخلية، يعزّز سردية "الحصار" و"العدوان"، ويمنح المؤسسات سببًا إضافيًا للتكاتف.
وبحسب رويترز، فإن كبار المسؤولين الأميركيين يشكّكون في أن تؤدي العملية العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية إلى تغيير النظام في المدى القريب. وكانت وكالة "رويترز" قد أفادت في وقت سابق بأن تقييمات لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) عُرضت على البيت الأبيض في الأسابيع التي سبقت الهجوم على إيران، خلصت إلى أنه في حال قُتل خامنئي، فقد يُستبدل بشخصيات متشددة من الحرس الثوري الإسلامي أو برجال دين لا يقلّون تشددًا، بحسب مصدرين.

وقال مسؤول أميركي مطّلع على المداولات الداخلية في البيت الأبيض إن من غير المرجّح أن يستسلم مسؤولو الحرس الثوري طوعًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استفادتهم من شبكة محسوبية واسعة صُممت للحفاظ على الولاء الداخلي.

وجاءت تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية في أعقاب تقرير واحد على الأقل صادر عن وكالة استخبارات أميركية أخرى، أشار إلى أنه لم تحدث أي انشقاقات داخل الحرس الثوري خلال موجة احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة في يناير/ كانون الثاني، قوبلت بقوة مفرطة من جانب قوات الأمن الإيرانية.

لكن يبدو أنه رغم هذه القراءة الاستخباراتية الحذرة، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن إدارة دونالد ترامب كانت تميل إلى تصور أن الحرب على إيران ستكون عملية عسكرية قصيرة تستمر لأيام يسقط خلالها النظام.

غير أن التراجع اللاحق في خطاب ترامب يكشف هشاشة هذا التصور. فبعد عودته من عطلة نهاية أسبوع في فلوريدا، امتنع ترامب عن الحديث عن "تغيير النظام" بوصفه هدفًا مباشرًا، بل تحدث بطريقة توحي بتوقع بقاء النظام قائمًا بصورة ما، بحسب ما رصدته الصحف الأميركية.

وقبلها بيومين، أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أخبار عن أن مسؤولًا أميركيًا قدّم، عبر وسيط يُعتقد أنه إيطاليا، اقتراحًا للتوصل إلى وقف إطلاق نار سريع، وهو ما قوبل بالرفض من إيران.

في كثير من مجالات الحياة اليومية الأخرى، قد تكون عواقب قِصر النظر محدودة. أما في الحرب، فقد تكون مدمّرة بما يفوق أشدّ الكوابيس جموحًا. ويبدو أن الإدارة الأميركية لا تتعلم من أخطائها خلال الحروب السابقة، ولا من الروس، فالحرب الروسية – الأوكرانية أظهرت كيف أخطأت موسكو في تقدير صمود أوكرانيا، وكيف تحوّل افتراض الحسم السريع إلى استنزاف طويل.
عربي بوست