2026-03-07 12:38 م

مشروع امريكي لـ "ضبط الممرات الاستراتيجية"-ايران.. خط الدفاع الاول لمعسكر الشرق في مواجهة الغرب 

euronews

2026-03-05

منذ بداية التصعيد العسكري الأخير، بات واضحاً أن ما يجري لا يمكن اختزاله بضرب البرنامج النووي الإيراني، ولا باعتباره جولة تقليدية في الصراع الأميركي-الإيراني. المشهد أكبر بكثير من منشأة نووية أو ضربة جوية. إيران اليوم تقع عند نقطة تقاطع مشروعين مختلفين يتقدمان بالتوازي: مشروع أميركي يرتبط بإعادة ضبط الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة في الخليج، ومشروع إسرائيلي يسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوة في المشرق العربي تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد".

اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي لم يكن حدثاً عابراً في سياق هذه المواجهة، بل شكّل نقطة تحوّل مفصلية في مسار الحرب الممتدة من الخليج إلى لبنان. خامنئي لم يكن مجرد رأس للنظام، بل المرجعية الدينية والسياسية التي شكّلت الرابط العقائدي بين طهران وشبكة نفوذها الإقليمي، وعلى رأسها الحزب في لبنان.

بهذا المعنى، يصبح الدور العقائدي الإيراني المرتبط بما تسميه إسرائيل "التهديد الوجودي" مشلولاً مؤقتاً، في لحظة تستغلها تل أبيب لشن حربها على لبنان. لكن، في الوقت نفسه، يتحول الجزء الأكبر من المواجهة مع إيران إلى صراع معسكرات. وكما تمثل أوكرانيا خط الدفاع الأول للغرب في أوروبا بوجه معسكر الشرق، تصبح إيران اليوم خط الدفاع الأول لمعسكر الشرق في مواجهة الغرب في الشرق الأوسط.

 

مضيق هرمز: عقدة الطاقة العالمية

بالنسبة للولايات المتحدة، ضمان حرية الملاحة في هذا مضيق هرمز جزء من عقيدتها العسكرية منذ عقود. الأسطول الأميركي الخامس يتمركز في البحرين تحديداً لهذه الغاية. لكن المسألة اليوم لم تعد فقط حماية السفن، بل تحييد قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية.

الأهمية لا تقتصر على الغرب. استقرار تدفق الطاقة عبر المضيق مسألة حيوية للاقتصاد الصيني، الذي يعتمد على واردات نفطية ضخمة من الخليج. كما أن روسيا، رغم كونها مصدّراً للطاقة، تنظر إلى الخليج كجزء من توازن أوسع مع واشنطن. أي نجاح أميركي في تحييد إيران عسكرياً عند مضيق هرمز يعني توسيع النفوذ الأميركي في خاصرة جنوب روسيا، وتقليص قدرة موسكو على استخدام ورقة الطاقة في صراعاتها مع أوروبا. وعليه، فإن إعلان وزير الخارجية الصيني دعم بلاده لإيران في الدفاع عن سيادتها، ليس موقفاً سياسياً مجرداً، بل مرتبطاً مباشرة بالدفاع عن حليف أساسي في حسابات الطاقة والممرات البحرية.

 

ممر الهند-أوروبا

لكن التحول الأهم لا يتعلق فقط بالمضيق، بل بممر بديل يجري العمل على تثبيته: ممر الهند – أوروبا، الذي يربط الهند بالإمارات والسعودية والأردن وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط. هذا الممر، إذا اكتمل، يشكل بديلاً جزئياً عن الطرق التي تمر عبر إيران أو تعتمد على موقعها الجغرافي. ونجاحه يعني تقليص أهمية إيران كمفصل جيوسياسي، ويحدّ من قدرتها على التأثير في حركة التجارة والطاقة. لذا لا يمكن فصل استهداف إيران لموانئ دبي، وخصوصاً ميناء جبل علي، عن هذه المعادلة. فالموانئ الإماراتية تمثل نقطة ارتكاز أساسية في هذا الممر. ضربها يندرج ضمن محاولة تعطيل مشروع يهدد الموقع الإيراني اقتصادياً واستراتيجياً.

بالنسبة لطهران، نجاح هذا الممر يعني ضربة مباشرة لاقتصادها، وتقليص دور مضيق هرمز كورقة ضغط. أما بالنسبة للصين، يمثل الممر منافساً مباشراً لمبادرة الحزام والطريق التي تراهن عليها لربط آسيا بأوروبا ضمن نفوذها. وبالنسبة لروسيا، فإن نجاحه يفتح لأوروبا منفذاً أوسع لشراء الطاقة بعيداً عن الغاز الروسي. هنا يتحول الصراع على مضيق هرمز إلى صراع أوسع على خرائط التجارة العالمية. ومن هنا أيضاً تصبح إيران، بنظامها السياسي القائم والقريب من موسكو وبكين، خط الدفاع الأول عن المصالح الصينية والروسية في المنطقة، حتى لو لم يُعلن ذلك رسمياً كتحالف عسكري مباشر.

 

هل تستطيع إيران الصمود؟

المعطيات الميدانية تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع المواجهة كضربة محدودة. حركة النقل الجوي العسكري من الأراضي الأميركية إلى الشرق الأوسط ارتفعت بشكل ملحوظ، وشملت طائرات تزويد بالوقود، نقل عسكري، وإنذار مبكر. كما أُعيد تموضع قوات ومعدات من مناطق أخرى باتجاه الخليج. في المقابل، عملت إيران على تحصين منشآتها النووية والعسكرية عبر إنشاء هياكل خرسانية إضافية فوق مواقع حساسة، وأجرت مناورات بحرية في محيط مضيق هرمز، وأعلنت عن اختبار منظومات دفاع جوي وصواريخ مضادة للسفن.

كل ذلك يجعل حسم المعركة، إذا قررت الولايات المتحدة وإسرائيل عدم الغرق في نسخة شرق أوسطية من النموذج الأوكراني القائم على الاستنزاف المفتوح، مرهوناً بمسارات حاسمة، أبرزها استجابة الداخل الإيراني لدعوات واشنطن بإسقاط النظام من الداخل، بما يؤدي إلى انهيار سياسي سريع من دون كلفة عسكرية مباشرة. وأخطرها، تدخل بري أميركي واسع يهدف إلى فرض تغيير جذري في بنية السلطة، وهو خيار عالي الكلفة سياسياً وعسكرياً مع ما يحمله ذلك من مخاطر انزلاق إقليمي شامل، لكنه يبقى مطروحاً في حال فشل أدوات الضغط الأخرى. 

 

المشروع الإسرائيلي: تفكيك البنية الإقليمية

في موازاة المشروع الأميركي المرتبط بالمضيق وصراع المعسكرين، يبرز المشروع الإسرائيلي بأهداف مختلفة. إسرائيل لطالما اعتبرت أن التهديد الإيراني لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يتمثل في شبكة النفوذ الممتدة عبر العراق ولبنان وغزة واليمن. ومع بدء الحرب الإسرائيلية للقضاء على حزب الله في لبنان، يصبح اغتيال خامنئي جزءاً من محاولة فصل القيادة العقائدية في طهران عن ذراعها العسكرية الأبرز في المنطقة. إذ إن شخصية خامنئي كانت تمثل مرجعية دينية وسياسية تراكمت على مدى عقود، وغيابه في لحظة حرب إقليمية مفتوحة يخلق فراغاً رمزياً، حتى لو لم يخلق فراغاً مؤسسياً داخل بنية النظام.

هذا الفراغ يتقاطع مباشرة مع المعركة في لبنان. فإضعاف الرابط العقائدي والقيادي بين الحزب وطهران يخدم هدفاً إسرائيلياً واضحاً: القضاء على الفصائل المسلحة التي تشكّل التهديد الأكبر لقدرة إسرائيل على فرض تفوق عسكري كامل في المنطقة والتوسع الجغرافي. وفي هذا السياق، تصبح الحرب على الحزب جزءاً من مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الإسرائيلية لما يُسمّى دولة "إسرائيل الكبرى". هذه الرؤية تحدث عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل صريح ضمن طرحه لـ"الشرق الأوسط الجديد"، ووجدت دعماً سياسياً واضحاً من السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، ما يعكس تقاطعاً سياسياً يتجاوز حدود المعركة في لبنان إلى تصور أوسع لموقع إسرائيل ودورها في المنطقة.

ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد ضربات عسكرية، بل صراع على كل ما تحدد به القوة والنفوذ في المنطقة: الجغرافيا، الطاقة والرمزية الدينية. إيران تقف في قلب هذه المعادلة، بين مضيق يسيطر على إيقاع الاقتصاد العالمي، ومشرق يعاد فيه رسم خرائط القوة وفق الرؤية الإسرائيلية، وبين معسكرين متصارعين على شكل النظام الدولي المقبل. ومن يسيطر عليها أو يكسر تماسكها، يكتب موازين القوى القادمة في الشرق الأوسط بأسره. ولعل اليوم أقصى ما تطمح إليه الصين وروسيا هو تحويلها إلى نموذج أوكراني في الشرق الأوسط، بينما تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل بكل ما بوسعهما لتجنب هذا السيناريو في أكثر بقعة استراتيجية، ولو كلفهما ذلك الاجتياح البري أو اللجوء إلى السلاح النووي.

"المدن"