كتب د. مروان اميل طوباسي
يعكس العدوان الأمريكي–الإسرائيلي المخطط له سابقاً على إيران عقلية ترامب ونتنياهو المبنية على القوة والضغط الأقصى، مع تجاهل التداعيات الإقليمية والدولية ومبدأ السلم والأمن الدوليين، ووضع المنطقة على طريق الصراع المفتوح بدل الحلول الدبلوماسية التي حاولت الولايات المتحدة أستغلالها في إطار مخطط مسبق لتحقيق إستراتيجيتها منذ الإدارات السابقة.
فمنذ صباح أمس، تشترك الولايات المتحدة مع إسرائيل في حرب مباشرة على إيران بما يمتد على كامل الأراضي الإيرانية، بالتوازي مع هجمات على الجنوب اللبناني، في إطار استراتيجية أمريكية– إسرائيلية لتغيير خريطة الشرق الأوسط وإعادة هندستها، تتلخص بتثبيت الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. ترامب هدد بـتدمير إيران بالكامل وطالبها بالاستسلام خلال تصريحاته أمس، مصوراً الضربات على أنها خطوة دفاعية حاسمة "لحماية الأمن القومي الأمريكي" وحلفائه ومنع أي تهديد نووي أو صاروخي.
إيران بدأت بردود صاروخية على البنية التحتية الإسرائيلية والقواعد الأمريكية المحتضنة في الخليج مقابل الحماية المزعومة والمال المدفوع الولايات المتحدة. الرد الايراني حتى اللحظة دون معرفة تفاصيل قدرته على الاستمرارية يراعي القدرة على الصمود والتأثير الإستراتيجي دون الدخول في مواجهة مفتوحة مباشرة واسعة حتى الآن غير محسوبة.
من البعد الاقتصادي، يحمل التصعيد تهديداً مباشراً للممرات النفطية الحيوية في الخليج والبحر الأحمر، وارتفاع أسعار النفط بالأسواق العالمية وتهديد الممرات البحرية، ما يضع المنطقة والعالم أمام أزمة اقتصادية محتملة إذا استمر التصعيد. كما يفتح الصراع الباب أمام خطر استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة أو السفن التجارية، ما يزيد احتمالات المواجهة الشاملة.
أما الأبعاد الإستراتيجية لأهداف العدوان باعتقادي، فهي واضحة من جانب الولايات المتحدة، حيث تسعى لذلك إلى تهديد روسيا بالضغط الإستراتيجي من خلال إضعاف إيران او محاولات اسقاط النظام فيها الذي بربطه معاهدات استراتيجية مع روسيا والصين، والسيطرة على مصادر النفط الإيرانية والمضائق البحرية الحيوية لضمان الهيمنة الإقليمية، كما وإمكانية تحقيق الاقتراب من الحدود الروسية واستنزافا قدراتها كما يجري في أوكرانيا. أما من جانب إسرائيل، فإن الهجمات تأتي ضمن تنفيذ "عقيدة المحيط"، التي تهدف إلى توسيع نطاق السيطرة البحرية والاستراتيجية وتامين الحماية من خلال محيط إسرائيل الجغرافي، وتثبيت الهيمنة الإقليمية على دول الجوار لإتمام مشاريع التوسع الاستعماري.
وبالنظر إلى العمق الاستراتيجي للأزمة، فإن الأسباب تتجاوز مجرد الحسابات العسكرية المؤقتة، فهي تتعلق بأزمة بنيوية للنظام الرأسمالي العالمي وحاجته المستمرة للحرب كأداة لتثبيت الهيمنة الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى حاجة نتنياهو لإبقاء إسرائيل في موقع الهيمنة الإقليمية واستمراره بالحكم وتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، وتحقيق أهدافه الاستراتيجية تحت شعارات مخطط الشرق الأوسط الجديد.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز البُعد الفلسطيني حيث يتم استهداف القضية الوطنية والتحررية لشعبنا الفلسطيني كجزء من محاولة فرض إعادة رسم خريطة المنطقة وفق ما بدأ في غزة بحسب مصالح الولايات المتحدة، وإعادة تدوير الاحتلال لحماية إسرائيل وتحقيق مشروع الفصل السياسي، بما يرافق ذلك من إجراءات الضم الاستيطاني بالضفة. هذا ما يجعل الصراع ليس محلياً أو إقليمياً فحسب، بل تجسيدا لصراع عالمي طويل الأمد على النفوذ والهيمنة، مع تداعيات محتملة على ملامح النظام العالمي الجديد، وهنا يبقى تطور الأحداث مرتبطا برد إيران واستجابة القوى الدولية، ما قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط والعالم.

