2026-03-07 01:52 م

"الإمام" لباسمة التكروري: المدينة المقدسة في ثوب الحب

2026-02-26

تبدأ رواية "الإمام" من لحظة التباس قصوى، لتسحبنا إلى دوامة من الأسئلة حول الهوية والحب والشيفرة السرية التي يتوارثها المقدسيون من دون أن يكتبها أحد. فما الذي يحدث حين تتقاطع سيرة إمام وقور مع مدينة مقدسة لا تكف عن التحوّل؟

 

تأخذنا الكاتبة الفلسطينية باسمة التكروري في رحلة عبر تضاريس الذاكرة والجسد والمدينة المقدسة، حيث يتحول التاريخ من مجرد أرقام صماء إلى شيفرة وراثية تسكن الأحياء. تتمحور الرواية - الصادرة عن دار النهضة العربية ببيروت عام 2025 - حول سيرة "علي النابلسي"، وهي شخصية مستلهمة من روح جد الكاتبة، والتي تمزج بين التخييل الأدبي والتوثيق التاريخي في سردية تمتد لسبعة عقود. 


تبدأ الحبكة بلحظة درامية مكثفة العام 1990، حيث يرقد البطل في مستشفى "شعاري تسيديك" بالقدس، محتضراً بعدما سحقت عجلات مركبة عسكرية إسرائيلية صدره خلال الانتفاضة. ومن هذا الزمن المنشق بين الحياة والموت، ينفتح سرد استرجاعي (فلاش باك) يعود بنا إلى نابلس 1920، ليتتبع رحلة "علي" منذ طفولته وشبابه، مروراً بمحطات كبرى كزلزال 1927، وإضراب 1936، ونكبة 1948، وصولاً إلى استقراره في القدس وإمامته في المسجد الأقصى. وهذه البداية ليست مجرد اختيار فني، بل هي استراتيجية سردية تضع القارئ أمام حقيقة الجسد الفلسطيني الذي "تحول في لحظة واحدة إلى تجربة طبية على طاولة باردة".

 

الرواية في جوهرها ليست مجرد رصد للأحداث السياسية، وإنما هي حكاية عن "الأنسنة" في مواجهة المحو، وعن قصة الحب العميقة التي جمعت بين علي وسلوى الدجاني كدرع ضد انكسارات التاريخ، لتؤكد أن الذاكرة الفلسطينية هي "شيفرة وراثية" تنتقل عبر الأجيال لتواجه شبح الفقد والاحتلال.

 

الأنسنة في مواجهة الأسطورة

ترصد الرواية التحولات السياسية، وتجعل من الجغرافيا شريكاً في الألم. فمن أزقة نابلس وروائح زيتها المحترق وعرق حماليها، إلى القدس وبلاطاتها الحجرية عند باب الأسباط التي تعرج عليها دمه، يصبح المكان شاهداً حياً. 

 

تستعرض الرواية محطات مفصلية من التاريخ الفلسطيني عبر نسيج سردي متلاحم، يبدأ بزلزال 1927 الذي لم يكتفِ بهز الأرض تحت أقدام النابلسيين، بل خلخل السكينة الاجتماعية وأعاد تشكيل وعي المدينة، ثم تمضي لتجسد ثورة 1936 كفعل مقاومة جماعي مهيب، يشبك فيه الرجال أذرعهم في ملحمة إنسانية لحماية المسجد، وصولاً إلى نكبة 1948 وما خلفته من تصدعات وتحولات ديموغرافية ونفسية عميقة، وهي المسيرة التي لا تتوقف إلا عند عتبات انتفاضة عام 1990، تلك المحطة التي ختمت بالدم حياة البطل لتعلن اكتمال تراجيديا الصمود. وتتجلى قوة السرد عند التكروري في تصوير العلاقة بين علي وسلوى؛ اليد "التي لم تشخ يوماً" والتي ظلت ملجأه من كل "حدث هدّه". هناك إصرار على استعادة لحظات الدفء تحت "التوتة الضخمة" والمشاكسات الصغيرة في وجه الموت والدمار.

 

"الإمام" ليست مجرد رواية عن المقاومة بالمعنى العسكري، بل هي عن مقاومة النسيان وسحق الهوية. فالبطل، وهو يراقب "عجلات المركبة العسكرية وهي تمعن في سحق صدره ذهاباً وإياباً"، يستعيد صور جنازير قديمة من زمن بعيد، ليعلن أن الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو اشتباك مستمر مع "شبح سكن الطريق". ويمكن القول إن رواية "الإمام" علامة فارقة في أدب المدينة والذاكرة الفلسطينية المعاصرة، حيث تنجح في تحويل جسد البطل إلى أرشيف حيّ للقدس ونابلس. فالصدمة الفيزيائية التي افتتحت بها الرواية (سحق الصدر تحت عجلات المركبة) هي استعارة كبرى لمحاولة الاحتلال سحق "الصدر" الذي يحمل أنفاس المدينة وتاريخها، مما يجعل من الجسد الفلسطيني الجغرافيا الحقيقية التي لا يمكن احتلال وعيها.

 

كما نجح هذا العمل في كسر النمط في شخصية الإمام، حيث نلحظ أن الأدب العربي غالباً ما يُصوَّر "الشيخ" أو "الإمام" إما كرمز مثالي أو كرمز منغلق. لكن التكروري هنا تصور هذه المؤسسة عبر الحب؛ فهي تقدم إماماً يحب، ويخاف، ويمزح، ويحمل في جيوبه "القضامة والملبس" للأطفال. هذا الانتقال من "الإمام الرمز" إلى الإمام الإنسان هو فعل ثقافي جريء يعيد الاعتبار للتدين الشعبي الفطري المرتبط بالأرض والناس، لا بالأيديولوجيا الصارمة. وتشير الرواية في استهلالها إلى أن الأبطال شخصيات متخيلة "لكننا نحمل قصتهم في شيفرتنا الوراثية"، هذا الاستخلاص يضعنا أمام مفهوم الذاكرة العابرة للأجيال، فالرواية لا تنظر إلى تاريخ القدس ونابلس كمعلومات تُلقن في الكتب، وإنما بوصفها إرثا شعوريا ينتقل عبر الحواس والقصص المروية.

 

الراوية لا تستعيد الماضي لتبكي عليه، بل تقدمه كعنصر يسكن الأحياء. الحبكة هنا تقول إن الفلسطيني لا يتعلم التاريخ من الكتب، بل يولد وهو يحمل تفاصيل "باب الأسباط" وزواريب نابلس في جيناته، وهو ما يفسر استمرار "الروح" رغم تغير الأسماء والوجوه. وتكمن قوة "الإمام" في شجاعتها على أنسنة التاريخ وجعله مادة قابلة للمس. وتنجح الرواية في تحويل السيرة العائلية إلى ملحمة جمعية، دون أن تسقط في فخ التمجيد الزائد. ومع ذلك، يلاحظ أن كثافة الأحداث التاريخية في بعض الفصول الوسطى كادت أن تطغى على النفس الروائي الحميمي، إلا أن براعة التكروري في العودة دوماً إلى خيط الحب بين علي وسلوى كانت صمام الأمان الذي حافظ على حرارة النص.


أنطولوجيا "الشبح"

عنوان الرواية الجانبي "حكاية شبح سكن الطريق" يحمل دلالة فلسفية عميقة. فالشبح هنا ليس كائناً مخيفاً، لكنه الوجود الذي لا يمكن نفيه أو طرده. إنها كينونة الحضور التي تسكن الطريق بين نابلس والقدس. وهنا تؤصل الكاتبة لفكرة أن الفلسطيني في أرضه تحول إلى قدر يواجهه المحتل؛ فهو حاضر حتى لو غُيّب جسده، وهو الشبح الذي يطارد رواية المستعمر في كل زاوية.

 

على المستوى الأسلوبي، تبتعد الرواية عن الخطابية الفجة التي ميزت بعض أدب المقاومة الكلاسيكي، وتستبدلها بجماليات الحواس، فنحن لا نقرأ عن المعاناة، بل نشم رائحة الزيت، ونسمع صوت تهشم العظام، ونشعر ببرودة البلاط الحجري. هذا الانزياح نحو الحسي هو الذي يمنح الرواية تميزها وقدرتها على التأثير، حيث يتحول الألم الشخصي إلى لغة يفهمها أي إنسان في هذا العالم، مع الحفاظ على خصوصية الهوية الفلسطينية.

 

رواية "الإمام" هي نصّ يعيد صياغة العلاقة مع "الأرض الأم" من منظور يدمج بين الصوفي والدنيوي، وبين التاريخي والخيالي، لتخرج بنتيجة مفادها أن "الإمامة" الحقيقية هي القدرة على قيادة الذاكرة وسط حقول الألغام التاريخية، وهو ما نجحت الكاتبة في صياغته ببراعة واقتدار. وتقدم باسمة التكروري في رواية "الإمام" عملا أدبيا يتجاوز الخطاب الأيديولوجي المباشر، لتغوص في سيكولوجيا الفقد والبقاء. ولعل الرواية هي صرخة تذكرنا بأن خلف كل رقم في لائحة الشهداء، حكاية حب، ورحلة من نابلس إلى القدس، وإماماً لم يغادر منبره حتى النفس الأخير.