القضايا التي فجرتها وثائق إبستين تكشف تحولاً عميقاً في بيئة الأعمال العالمية، فلم يعد بالإمكان فصل الحياة الشخصية للشخصيات التنفيذية عن تقييم الشركات، والتسريبات والوثائق الرقمية أصبحت أداة ضغط دائمة، ومن المؤكد أيضاً أن المستثمرين المؤسسيين يمارسون دوراً تنظيمياً غير رسمي عبر قرارات تخصيص رأس المال.
لم تعد قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي أو فضيحة إعلامية عابرة، بل تحولت تدريجاً إلى عامل ضغط اقتصادي يمتد إلى قطاعات استراتيجية، أبرزها البنية التحتية للموانئ وسلاسل الإمداد العالمية.
ومع دخول شركة موانئ دبي العالمية دائرة التدقيق بعد الكشف عن مراسلات مرتبطة بالقضية، بدأت الأسواق في طرح أسئلة أعمق حول أخطار السمعة وتأثيرها على قرارات الاستثمار المؤسسي.
من محاكم نيويورك إلى غرف مجالس الإدارة
ظهرت وثائق إبستين على مراحل بعد إعادة فتح ملفات قضائية ونشر مراسلات ومواد أرشيفية، مما أدى إلى تسليط الضوء على شبكة علاقات واسعة ضمت شخصيات من عالم المال والسياسة والتكنولوجيا.
ومع تحليل هذه الوثائق، بدأت وسائل الإعلام الدولية الكشف عن تواصل سابق بين بعض المسؤولين التنفيذيين في شركات كبرى وإبستين.
في هذه المرحلة، لم يعد التركيز على المسؤولية الجنائية بقدر ما تحول إلى تقييم أثر العلاقات الشخصية على الحوكمة المؤسسية وثقة المستثمرين، وهي نقطة حساسة خصوصاً للشركات التي تعتمد على شراكات سيادية واستثمارات طويلة الأجل.
إشارة تحذير للأسواق وإعادة هيكلة
إعلان صندوق الإيداع والاستثمار في "كيبيك" تعليق الشراكات الجديدة مع "موانئ دبي" العالمية لم يكن مجرد رد فعل رمزي، فالصندوق، الذي يدير أصولاً تقترب من نصف تريليون دولار، يمثل نموذجاً للمستثمر المؤسسي والذي يوازن بين العائد المالي ومعايير الاستثمار المسؤول.
هذا القرار يسلط الضوء على تحول جوهري في سلوك المستثمرين، أولاً السمعة أصبحت عامل تسعير غير مباشر للأصول، ثانياً الأخطار غير المالية قد تؤثر في تدفق رأس المال قبل أي تحقيقات قانونية، وثالثاً فإن الشفافية والحوكمة باتتا عنصرين حاسمين في تقييم الشركات العالمية.
وكرد فعل سريع، عيّنت "موانئ دبي العالمية" عيسى كاظم رئيساً لمجلس إدارة الشركة، ويوفراج نارايان رئيساً تنفيذياً للمجموعة، وذلك خلفاً لسلطان أحمد بن سليم الذي كان يشغل المنصبين معاً.
وذكر بيان صادر عن المكتب الإعلامي لحكومة دبي أمس الجمعة، أن "التعيينات الجديدة تأتي في إطار تعزيز منظومة الحوكمة والقيادة المؤسسية في الشركة"، من دون ذكر تفاصيل أوفى".
كذلك أعلنت حكومة دبي أيضاً تعيين عبدالله بن دميثان رئيساً لمؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة، وهو المنصب الذي كان يشغله سلطان أحمد بن سليم.
وفي إفصاح لبورصة "ناسداك دبي"، قالت الشركة الإماراتية، إن رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمجموعة، سلطان أحمد بن سليم، قد استقال من الشركة، بصورة فورية.
يأتي التعيين على خلفية مزاعم بوجود علاقات بين سلطان أحمد بن سليم والملياردير المُدان جيفري إبستين، وهو ما أثر على الشركة بعد تعليق اثنين من أكبر شركائها لخططهما الاستثمارية، هما صندوق "كيبيك" للتقاعد والمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي، وفقاً لما نقلته "بلومبيرغ."
إذ أظهرت رسائل بريد إلكتروني أفرجت عنها أخيراً وزارة العدل الأميركية، وأخرى حصلت عليها "بلومبيرغ" العام الماضي، أن سلطان بن سليم تبادل رسائل جريئة مع إبستين قبل سجنه عام 2008، واستمرت لأكثر من عقد من الزمن بعد إدانته بتهم شملت ترويج الدعارة مع قاصرين.
الوثائق أظهرت أيضاً، اهتماماً متكرراً بزيارة جزيرة "ليتل سانت جيمس" في جزر العذراء الأميركية، التي تقول السلطات الأميركية إنها استخدمت موقعاً لجرائم اتجار بالبشر، كذلك سلطت الضوء على مشروع شراء جزيرة "غريت سانت جيمس" المجاورة عام 2016، حيث سُجل اسم بن سليم مالكاً مستفيداً لشركة استحوذت عليها، قبل أن يتضح لاحقاً ارتباط إبستين بالملكية.
وتحدثت مراسلات عن محاولات لبناء صفقات واستثمارات محتملة، إضافة إلى طلبات توظيف لأشخاص مقربين من إبستين داخل شركات أو فنادق مرتبطة ببن سليم، فضلاً عن وقائع أخرى أثارت شكوكاً قانونية.
وتُعد "موانئ دبي العالمية" إحدى أكبر مشغلي موانئ الحاويات في العالم، ويُعد صندوق "كيبيك" للتقاعد من أبرز شركائها الماليين، إذ يمتلك الصندوق، الذي يدير أصولاً بقيمة 496 مليار دولار كندي (366 مليار دولار)، حصصاً في عدة أصول مملوكة للشركة، بما في ذلك حصة تبلغ 45 في المئة في فرعها الكندي.
التغييرات القيادية التي شملت فصل منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي وتعيين قيادة جديدة قُدمت رسمياً كخطوة لتعزيز الحوكمة، لكن توقيتها دفع بعض المحللين إلى اعتبارها جزءاً من استراتيجية احتواء تهدف إلى، أولاً طمأنة المستثمرين الدوليين، وثانياً تقليل احتمالات توسع الضغوط التنظيمية أو السياسية، وأخيراً إعادة ضبط صورة الشركة في الأسواق العالمية.
حيث إنه في بيئة استثمارية تتسم بالحساسية تجاه القضايا الأخلاقية، غالباً ما تكون إعادة هيكلة القيادة أداة لإدارة الأخطار أكثر من كونها اعترافاً بوجود مخالفات.
تضارب مصالح
الأمر لم يقتصر علي شركة "موانئ دبي" فحسب، بل طلب عضوان ديمقراطيان في لجنة الشؤون المصرفية بمجلس الشيوخ الأميركي أول من أمس الجمعة، من وزير الخزانة سكوت بيسنت دراسة التداعيات المحتملة على الأمن القومي لشراء مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات حصة بقيمة 500 مليون دولار في شركة عملات مشفرة تملكها عائلة ترمب.
وطلب كل من إليزابيث وارن وآندي كيم العضوان في مجلس الشيوخ من بيسنت، الذي يرأس لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، تحديد ما إذا كان من الضروري للجنة إجراء مراجعة لحصة الإمارات البالغة 49 في المئة في شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، وإجراء تحقيق شامل ودقيق ومحايد إذا وجدت ضرورة للمراجعة.
وفي رسالة اطلعت عليها "رويترز"، طلب العضوان من بيسنت الرد على عدة أسئلة حول الصفقة بحلول الخامس من مارس (آذار) المقبل، بما في ذلك ما إذا كانت لجنة الاستثمار الأجنبي أجرت أي مراجعة للصفقة، أو قدمت أي توصيات إلى الرئيس الجمهوري دونالد ترمب في شأنها، ولم تعلق وزارة الخزانة حتى الآن على الرسالة.
وقال عضوا مجلس الشيوخ في الرسالة "تثير الصفقة مخاوف كبيرة تتعلق بالأمن القومي".
وأثارت وارن وأعضاء ديمقراطيون آخرون بمجلس الشيوخ مراراً تساؤلات حول شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، التي تأسست قبل شهرين من فوز ترمب بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحول احتمال وجود تضارب في المصالح.
وأعلن رجل الأعمال ستيف ويتكوف تأسيس الشركة، وأصبح الآن أحد المبعوثين الرئيسين لترمب.
شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال" تحت المجهر
وأفاد مساعدو ترمب بأنه تخلى عن إدارة مشروعاته التجارية، التي تخضع حالياً لمراجعة محامين متخصصين مستقلين في الأخلاقيات.
ولجنة الاستثمار الأجنبي هي هيئة مشتركة تقودها وزارة الخزانة معنية بفحص الاستثمارات الأجنبية وتقييم أخطارها على الأمن القومي وتضم مسؤولين كباراً من وزارات الدفاع والخارجية والتجارة والأمن الداخلي والعدل.
وقال وارن وكيم، إن لجنة الاستثمار الأجنبي لديها "تفويض واضح لمعالجة الأخطار المحتملة على الأمن القومي من الاستثمارات الأجنبية، ومنها الصفقات التي قد تمكن حكومات أجنبية، كالصين أو الإمارات، من الوصول إلى تكنولوجيا بالغة الأهمية أو البيانات الشخصية الحساسة للمواطنين الأميركيين.
وأشارا إلى أن الصفقة المذكورة تثير تساؤلات حول إمكانية وصول الإمارات أو الصين إلى أي من "المعلومات الشخصية الحساسة" التي تقول شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال" إنها تجمعها.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الشهر الماضي، أن شركة "جي42"، المدعومة من الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان الذي يدير أكبر صندوق ثروة في الإمارات وشقيق رئيس الإمارات، اشترت حصة في شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال" قبل أيام من بدء ترمب ولايته الثانية في يناير (كانون الثاني) 2025، وبعد شهور، وافقت إدارة ترمب على بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الإمارات.
يذكر أن "وورلد ليبرتي" هي الشركة التي تقف وراء العملة المستقرة "يو أس1"، المربوطة بالدولار والمدعومة بسندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل وودائع الدولار وغيرها من الأصول النقدية المماثلة.
وتضم الشركة الرئيس ترمب وويتكوف كمؤسسين مشاركين فخريين، وتدار من قبل أفراد عائلتيهما،
وأشار وارن وكيم إلى أن الاستخبارات الأميركية حذرت منذ فترة طويلة من احتمال أن تكون شركة "جي42" قدمت تكنولوجيا لمساعدة الجيش الصيني.
الاقتصاد في عصر "الشفافية القسرية"
القضايا التي فجرتها وثائق إبستين تكشف تحولاً عميقاً في بيئة الأعمال العالمية، فلم يعد بالإمكان فصل الحياة الشخصية للشخصيات التنفيذية عن تقييم الشركات، والتسريبات والوثائق الرقمية أصبحت أداة ضغط دائمة، ومن المؤكد أيضاً أن المستثمرين المؤسسيين يمارسون دوراً تنظيمياً غير رسمي عبر قرارات تخصيص رأس المال.
قد تكون هذه التطورات مؤشراً إلى مرحلة جديدة تتجاوز فيها الأزمات حدود الشركات لتصبح اختباراً للحوكمة العالمية.
فبدل أن تنتظر الأسواق نتائج التحقيقات القضائية، تتحرك رؤوس الأموال سريعاً لتقليل الأخطار المحتملة، مما يجعل السمعة عاملاً اقتصادياً يعادل أحياناً الأداء المالي نفسه.
في الختام، تُظهر أزمة وثائق إبستين أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة تتزايد فيها قوة العوامل غير الملموسة، مثل الثقة والسمعة والحوكمة، في تحديد مسار الشركات الكبرى، وفي عالم تتقاطع فيه السياسة مع البنية التحتية والتكنولوجيا، قد تصبح فضيحة فردية شرارة تعيد تشكيل علاقات الاستثمار وتوازنات النفوذ في الأسواق الدولية.
اندبندنت عربي | محمود الجمل

