2026-03-07 06:55 ص

 ملامح انكفاء غير معلن داخل لجنة التكنوقراط-لجنة إدارة غزة بين التعطيل الإسرائيلي وتعقيدات المرحلة الانتقالية

2026-02-14

في أعقاب الحرب الأخيرة، برزت الحاجة الملحّة إلى وجود إدارة انتقالية فلسطينية فاعلة تتولى تنسيق الجهود المدنية والإغاثية وإعادة الإعمار في قطاع غزة، خاصة في ظل حجم الدمار غير المسبوق والانهيار الواسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

ورغم الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتولي هذه المهام، فإن وصولها الفعلي ومباشرتها العمل الميداني تأخرا، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا التأخير وتداعياته.

أحد أبرز العوامل التي يمكن أن تفسر هذا التأخير يتمثل في التعقيدات السياسية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب، خاصةً أن انتقال منطقة تعرضت لحرب طويلة وطاحنة إلى إدارة مدنية يتطلب تفاهمات واضحة بين الأطراف المحلية والإقليمية، إضافة إلى وجود ضمانات سياسية وأمنية.

كما تلعب الاعتبارات الأمنية دوراً محورياً في هذا السياق، فالبيئة الميدانية بعد الحرب غالباً ما تكون هشة وغير مستقرة، سواء من حيث استمرار التوترات أو وجود أضرار واسعة في مقارّ المؤسسات الحكومية والمرافق العامة.

ولجنة إدارة غزة، التي شُكّلت في إطار خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة، تتبع مجلس السلام الذي يفترض أن يتولى الإشراف العام على إدارة القطاع خلال الفترة الانتقالية.

وتمثل اللجنة الذراع التنفيذية المدنية في القطاع لمجلس السلام، وتتولى إدارة شؤون العمليات اليومية للخدمة المدنية، وتتكون من 15 شخصية فلسطينية من ذوي الاختصاص.

جهوزية حماس
حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أكدت أنها أكملت الإجراءات اللازمة في الجهات الحكومية والإدارية تمهيداً لتسليمها للجنة إدارة غزة فور دخولها القطاع.

وأوضح الناطق باسم الحركة، حازم قاسم، في تصريح له الاثنين 2 فبراير الجاري، أن الحركة شكلت لجنة من الفصائل والعشائر والمجتمع المدني وشخصيات من مؤسسات دولية، للإشراف على تسليم الجهات الحكومية والإدارية للجنة إدارة القطاع.

ودعا قاسم، جميع الأطراف إلى تسهيل عمل اللجنة للشروع في عملية التعافي بعد عامين من الحرب.

رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، علي شعث، أكد أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة تمثل خطوة تصب في مصلحة المواطن، وتمهد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

وقال شعث، في تصريح نشره على حسابه بموقع فيسبوك  إن اللجنة ترى في إعلان الاستعداد لانتقال منظم محطة مفصلية لبدء ممارسة مهامها بصفتها إدارة انتقالية للقطاع، وفرصة حقيقية لوقف التدهور الإنساني والحفاظ على صمود المواطنين الذين عانوا آلاماً جسيمة طوال الفترة الماضية.

وأضاف أن أولوية اللجنة حالياً تتمثل في ضمان تدفق المساعدات دون عوائق، وإطلاق عملية الإعمار، وتهيئة الظروف اللازمة لتعزيز وحدة الشعب، مشدداً على أن هذا المسار يجب أن يقوم على تفاهمات واضحة ومحددة تتسم بالشفافية وقابلية التنفيذ والمتابعة، وبما ينسجم مع خطة النقاط العشرين وقرار مجلس الأمن رقم 2803.

وأشار إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لا يمكنها تحمُّل مسؤولياتها على نحو فعال ما لم تُمنح الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة اللازمة لأداء مهامها، إلى جانب المهام الشرطية، مؤكداً أن المسؤولية تقتضي تمكيناً حقيقياً يتيح لها العمل بكفاءة واستقلالية.

وأوضح أن من شأن ذلك أن يفتح الباب أمام دعم دولي جاد لجهود الإعمار، ويهيئ لانسحاب إسرائيلي كامل، ويسهم في استعادة الحياة اليومية بصورة طبيعية.

قيود إسرائيلية
الكاتب والمحلل السياسي أحمد عوض رأى أن لجنة التكنوقراط لإدارة غزة كان من المتوقع أن تبدأ عملها بشكل عاجل بعد الحرب الأخيرة، وتستلم الملفات الحكومية، وتضع أسس إدارة انتقالية فعالة للقطاع المنهك.

وأوضح عوض، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الموعد الفعلي لوصول اللجنة تأخر، ما أثار قلقاً واسعاً بشأن قدرة الإدارة الانتقالية على ممارسة مهامها الأساسية.

وأشار إلى أن السياسة الإسرائيلية تجاه غزة لعبت دوراً حاسماً في هذا التأخير، خاصةً أن الاحتلال يسيطر على الحواجز والمعابر ويفرض قيوداً على حركة الأفراد والبضائع، وهو ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام وصول اللجنة واستلام الملفات الحكومية.

وأضاف أن أي عملية انتقال للسلطة أو تمكين إداري تتطلب حرية حركة وبيئة مستقرة، وهو ما لم يتوافر بعد، مشيراً إلى أن التعطيل لم يكن مجرد مسار إداري داخلي أو تعقيدات سياسية محلية، بل نتيجة مباشرة للضغوط والسياسات الإسرائيلية التي تتحكم بمفاصل الحياة اليومية في غزة.

وذكر أن سياسة الاحتلال تؤدي إلى تحويل مسار الإدارة الانتقالية من عملية شاملة إلى إدارة جزئية تعتمد على الاختيار الانتقائي للملفات، وتصبح مرتبطة بالموقف الإسرائيلي أكثر من حاجات المواطنين.

ولفت إلى أن تأخير تسلم اللجنة لمهامها يحد من قدرتها على تنسيق المساعدات الإنسانية أو إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، ما يؤدي مباشرة إلى تأخر الخدمات وتفاقم الأوضاع الإنسانية وزيادة الضغط على السكان، وتقوية حالة الانقسام الإداري والسياسي.

واعتبر أن تأخر دخول لجنة إدارة غزة لا يمكن فصله عن السياسة الإسرائيلية التقييدية تجاه القطاع، مضيفاً أن الاحتلال ليس مجرد عنصر خارجي، بل القوة التي تتحكم بمعظم مفاصل القدرة الإدارية، وتحدد الإيقاع الزمني لأي انتقال إداري أو سياسي.

الملفات الإدارية
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، أن الأيام الأخيرة شهدت ملامح انكفاء غير معلن داخل لجنة التكنوقراط، نتيجة ضغوط مرتبطة بمرجعيتها السياسية ضمن ما يعرف بـ"مجلس السلام"، التي كبحت اندفاعة اللجنة ووضعت فرامل أمام استلام الملفات الحكومية بشكل رسمي ومنتظم. وأكد أن هذا التراجع لم يُعلن، لكنه كان كافياً لتعطيل الاستحقاق بأكمله.

وأوضح عفيفة، في منشور على حسابه بموقع فيسبوك، أن اللجنة لا تنوي التعاطي مع الملفات الحكومية كحزمة واحدة، بل تعمل وفق إدارة انتقائية؛ ملفات تُستلم، وأخرى تُرحّل، وثالثة تُترك خارج الحسابات وتبقى في عهدة السابقين، مثل ملف الحقوق المالية.

وأضاف أن هذا التوجه لا ينسجم مع فكرة لجنة تكنوقراط يُفترض أن تعمل بعقلية مؤسسية شاملة، ويحول عملية "التسليم والتسلّم" من مسار إداري متكامل إلى إدارة جزئية للملفات، محمّلة بإشارات سياسية أكثر مما هي حلول إدارية.

وأكد أن هذا يحدث في توقيت حساس، حيث كانت القاهرة قد أنجزت تحضيرات واسعة لعملية تسليم وتسلّم كاملة ومنضبطة، تقوم على نقل جميع الملفات دفعة واحدة وبمشاركة القوى والفصائل الوطنية والهيئات الحكومية، لتفادي أي فراغ أو فوضى.

وأوضح أن الضغوط التي تتعرض لها اللجنة باتت تهدد بتعطيل هذه الآلية، ما يفسر حالة الإحباط المتصاعدة والتوتر الصامت مع الجانب المصري، الذي لا يتعامل مع الإدارة الانتقالية كمساحة للاجتهاد أو الانتقائية.

وقال عفيفة إن "الأسئلة الكبرى ما تزال بلا إجابات: ما هي الصلاحيات الفعلية للجنة؟ من يملك القرار؟ وأين الصندوق المالي الذي يُفترض أن يشكل موازنتها التشغيلية؟".

وتابع أن "هذا الغموض، مقروناً بتباين الرؤية بين المرجعية السياسية والواقع الإداري في غزة، خلق حالة قلق واضحة حتى داخل اللجنة نفسها".

واعتبر أن ما يجري اليوم هو تعطيل إسرائيلي من جهة، ومن جهة أخرى أزمة مركبة تتقاطع فيها العراقيل الميدانية مع تردد داخلي وضغوط مرجعية غير محسومة، مع تصادم واضح بين منطق الإدارة الشاملة الذي ترعاه مصر، ومنطق الانتقائية الذي يُلوّح به داخل اللجنة.

"الخليج أون لاين"