2026-03-07 05:06 م

أين اختفت خارطة فلسطين من المنهاج؟

2026-02-07

حالة كبيرة من الجدل تتصاعد داخل الأوساط الفلسطينية، بسب ملف “حساس وخطير” قد يؤسس لمرحلة جديدة، ويساهم بشكل كبير في تغييرات جذرية بالقضية الفلسطينية بأكملها، حال تم تنفيذه.
ورغم الجدل الدائر بين الاتهامات والنفي الرسمي، إلا أن ملف “تغيير المنهاج” الفلسطيني، بات المُسيطر على الساحة هذه الأيام، ويطرح العديد من التساؤلات التي تبحث عن إجابات واقعية وواضحة، ولعل أبرزها.. لمصلحة من هذا التغيير؟ ومن المسؤول عن قلب الرواية الوطنية؟
مصادر تربوية كشفت عن تعديلات مرتقبة على المناهج الفلسطينية من المقرر تنفيذها ابتداءً من العام الدراسي 2026–2027، وتشمل تغييرات واسعة بمضامين الكتب المدرسية/ وقالت المصادر إن هذه التعديلات تشمل حذف النشيد الوطني وتغييرات بأسماء المدن الفلسطينية واستبدال مصطلحات وطنية بأخرى تزعم أنها “محايدة” وإلغاء رموز وطنية وتاريخية مهمة.
وبينت أنها حذفت النشيد الوطني من كتب الصف الأول وحذفت قصائد وطنية وأسماء مدن فلسطينية كيافا وشطب خرائط تحمل عبارة القدس العاصمة واستبدلت “القدس عاصمة فلسطين” بعبارات عامة.
‏كما حُذفت كلمة “الصهيوني” بالكامل من الكتب واستُبدلت “مدينة فلسطينية” بعبارات محايدة والمجاهد اصبحت المدافع والأسير أصبح المظلوم.
‏وجرى إلغاء اعتبار يافا مدينة فلسطينية وحُذفت رموز فلسطينية مثل دلال المغربي ودير ياسين، وأناشيد “أفديك يا وطني” “لن نرحل”.
‏وشملت 300 تحريف سياسي في كتب الصف الاول وحتى العاشر.
وأشارت إلى أن اجتماعات استشارية تجري بالعاصمة الفرنسية باريس برعاية اليونسكو، فيما يتوقع طباعة الكتب الجديدة بتمويل من الاتحاد الأوروبي، وذكرت المصادر وف موقع “شاهد” أن هذه التعديلات ضمن إطار رضوخ السلطة الفلسطينية للإملاءات الدولية، ما يثير جدلًا واسعًا حول مسألة الهوية الفلسطينية في التعليم.
ويحذر تربويون من أن التغييرات قد تؤدي لإعادة تشكيل وعي الأجيال الفلسطينية بتغييب رموز وطنية وأحداث تاريخية أساسية ويؤثر على الذاكرة الوطنية والهوية الفلسطينية للطلبة.
وبينما لا يزال النقاش مستمرًا، تطالب جهات مدنية وأهلية بضرورة كشف الحقائق كاملة وإشراك المجتمع بأي تعديل على المناهج.
وزارة التربية والتعليم العالي برام الله؛ ساعرت في نفي ما يُتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن المناهج الفلسطينية، مؤكدة أنها تتضمن معلومات مغلوطة، وقالت الوزارة في بيان، أمس السبت، إن الأمثلة والشواهد المنتشرة، قام الاحتلال الإسرائيلي بتغييرها في مناهج مدارس مدينة القدس، في إطار سياسة أسرلة التعليم وطمس الهوية الوطنية.
وأكدت أن بعض وسائل الإعلام تعمدت الخلط بين تعهدات دولة فلسطين بمواءمة منظومتها التعليمية مع معايير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وبين اختلاق أمثلة غير موجودة أساسًا في المناهج الفلسطينية.
هذا النفي لم يقنع شريحة كبيرة في فلسطين، فأكد الكاتب والمحلل السياسي اسماعيل الريماوي، أن السلطة الفلسطينية سارت في مسار تغيير المناهج الدراسية تجاوباً بشكل طوعي مع الإملاءات الغربية دون “إجبار أو سوق قسري”، وقال إن اللحظة الحالية كاشفة في المسار السياسي، حيث لم يعد فيها ممكنًا التذرّع بالضغوط أو الادعاء بغياب البدائل، لأن ما يجري ليس استجابة اضطرارية ولا تنازلًا مؤقتًا، بل خيار استراتيجي واعٍ يقوم على مقايضة الوعي بالشرعية، والهوية بالتمويل، والمستقبل برضا وطمأنة الاحتلال.
ورأى أن السلطة قررت أن تدفع فاتورة بقائها من وعي الأطفال، من المناهج، ومن الصفوف الأولى، وتلك المساحة التي يفترض أن تكون آخر خطوط الدفاع عن الرواية الوطنية، فإذا بها تتحول إلى ساحة خضوع وإعادة هندسة للوعي بما يتناسب مع شروط الممول ومنطق المستعمر .
وأشار إلى أن السلطة ذهبت أبعد مما طُلب منها، في سلوك بات مألوفًا منذ سنوات، حيث تتحول الضغوط الخارجية إلى فرصة داخلية لإعادة إنتاج خطاب بالي، خالٍ من أي مضمون تحرري أو صدامي مع الاحتلال.
وأوضح الريماوي في تصريحات نشرت له، أن السلطة لم يعد يكفيها تفريغ المقاومة من معناها السياسي والأخلاقي، ولا ملاحقة كل تعبير عنها في الفضاء العام، بل انتقلت إلى ما هو أخطر وأعمق: ضرب الجذور الأولى للوعي الجمعي، عبر العبث بالمنهاج الفلسطيني، لا تطويره كما يُروَّج، بل مسخه وتشويهه وإفراغه من روحه .
وقال إنه جرى حذف المضامين الوطنية أو تمييعها، وتشويه المفاهيم التاريخية، وتقديم الرواية الفلسطينية كوجهة نظر قابلة للأخذ والرد، لا كحقيقة قائمة على استعمار استيطاني إحلالي مستمر.
ونوه كذلك إلى أنه جرى التلاعب بقضية الأسرى، ليس بوصفهم عنوانًا للنضال، بل كملف إنساني بارد، فضلاً محاولة فصل القدس عن مركزيتها السياسية والوجدانية، وتهميش حق اللاجئين عبر لغة رمادية تتجنب تسميته حقًا غير قابل للتصرف.
وذكر الريماوي أن كل ذلك تحت عنوان الحياد التربوي، وكأن الحياد في سياق الاستعمار ليس انحيازًا للأقوى، وكأن نزع السياسة عن التعليم لا يعني بالضرورة تسليم الوعي لرواية المحتل ، مضيفًا “أن يُطلب حذف النشيد الوطني من كتاب الصف الأول، وأن تُشطب خارطة فلسطين، وأن يُعترض حتى على استخدام مصطلح القدس عاصمة فلسطين، ثم يُقدَّم هذا كله على أنه إصلاح تربوي وتحديث للمناهج، فذلك ليس خطأ إداريًا ولا اجتهادًا تربويًا قابلاً للنقاش، بل جريمة سياسية وتربوية مكتملة الأركان، لأنها تستهدف الوعي في طور تشكّله الأول، وتزرع في الطفل الفلسطيني الشك في بديهيات قضيته قبل أن يتعلّم القراءة والكتابة بشكل كامل”.
واعتبر الريماوي أن الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يجري في فراغ، بل في سياق حرب مفتوحة على الذاكرة والهوية الفلسطينية، وفي لحظة إبادة جماعية في غزة، وتوسّع استيطاني غير مسبوق في الضفة، وتهويد متسارع للقدس.
وشدد على أن العبث بالمناهج ليس فقط تنازلًا سياسيًا، بل مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج شروط الهزيمة النفسية والمعنوية.
ورأى أنه في الوقت الذي يُقتل فيه الأطفال الفلسطينيون لأنهم فلسطينيون، يُراد للأطفال الذين ينجون أن يتعلموا في كتبهم أن فلسطين فكرة قابلة للنقاش، وأن القدس مصطلح إشكالي، وأن النشيد الوطني تفصيل يمكن الاستغناء عنه.
وأمام هذا التطور الخطير.. لمصلحة من تغيير الهوية الفلسطينية؟ ومن المسؤول؟ وهل بدأ تنفيذ المرحلة الأخطر بقلب وعي الأجيال؟
عن رأي اليوم